ذكاء اصطناعي

هل الموت كذبة؟… ميكروبات سيبيريا تثبت أن الحياة لا تنتهي

ملاذ المدني
ملاذ المدني

3 د

الميكروبات في الجليد السيبيري تحتفظ بالنشاط البيولوجي لأكثر من 100 ألف سنة.

استطاعت الميكروبات البقاء بفضل جينات لإصلاح البروتينات حتى عبر الأزمنة الطويلة.

تشارك الميكروبات المحفوظة جينات مع أنواع حية حاليًا، مما يشير لانتشار هذه القدرة.

البحث في بقاء الميكروبات يساعد في فهم تطوّر الحياة على الأرض وفي الفضاء.

تخيل نفسك وأنت تتجول في سهول سيبيريا الجليدية، وتحت قدميك طبقات كثيفة من الجليد عمرها ألوف السنين. في أعماق هذا الصقيع الأزلي، تختبئ أسرار مذهلة تدهش العلماء منذ عقود، آخرها اكتشاف بقاء ميكروبات صغيرة حيّة بأعجوبة لأكثر من 100 ألف سنة مدفونة في الجليد الدائم، أو ما يُعرف بالبيرمافروست.

هذه الكائنات المجهرية الغامضة، التي تعيش عند طرف حدود الحياة، أثارت تساؤلات العلماء حول مقدرتها العجيبة على مقاومة الزمن. عن طريق فحص الحمض النووي لهذه الميكروبات، تبيّن أنها حافظت على نشاطها البيولوجي طوال تلك الحقبة الطويلة. هذا الاكتشاف المبهر يُمهد لإعادة فهمنا لمفهوم الحياة والوقت وكذلك تطوّر الكائنات الحية المعقدة.

وفي صلب هذا الاكتشاف، وجد الباحثون أن الميكروبات المحفوظة في التربة المتجمدة تشترك في كثير من الجينات مع أنواع أخرى حية اليوم، ما يوحي بأن قدرة البقاء لفترات هائلة ربما ليست حكراً على مجموعة محدودة، بل قد تكون ميزة منتشرة بين أقارب أوائل الكائنات ذات الخلايا المعقدة، أي النواة.


الميكروبات والتحدي الجليدي

الحديث عن مخلوقات قادرة على النجاة في أعماق الصقيع لأزمنة خارقة يعيدنا للبحث في كيفية التكيُّف مع أقسى الظروف على وجه الأرض. كل من التربة المجمدة في سيبيريا والأعماق الرسوبية في المحيطات تحوي بيئات قاسية، فقيرة بالأكسجين، وضاغطة بشدة. الميكروبات التي تم انتشالها من الجليد السيبيري تميّزت بامتلاكها جينات لإصلاح البروتينات، ما يسمح لها بمواجهة آثار الإشعاع والسموم وحتى الأخطاء الوراثية عبر آلاف السنين. هذه الجينات تقوم عملياً بترميم ما تلف داخل الخلية، في عملية تشبه إصلاح الآلات المعطلة عند أدق مستوياتها.

وهذا يسلط الضوء على قُدرة الميكروبات على النجاة وسط ظروف منجمية باردة، ويفتح الباب أمام استكشاف أصول الحياة نفسها وكيف توجدت في بدايات الكوكب.

لكن الأمر لا يخلو من الغموض، إذ لا تستطيع الدراسات الحالية أن تجزم ما إذا كانت خلية واحدة قد عاشت بنفسها طوال تلك المدة، أم أن الأمر يعود لسلسلة من التجددات والتكاثر البطئ. الباحثة كارين لويد من جامعة جنوب كاليفورنيا ألقت الضوء على تعقيد هذه المسألة؛ إذ أوضحت أن عامل الوقت من أصعب ما يمكن دراسته بالمعمل.


صدى الاكتشاف في البيئات المتجمدة

هذا الاكتشاف له جذور أعمق، إذ أنّ الميكروبات الفيزيقراطية ليست وحدها. فقد سبق للعلماء أن عثروا على كائنات دقيقة دفنت في رواسب بحرية مضت عليها أكثر من مئة مليون عام. تلك النتائج أثارت فضول علمي واسع حول قدرة الحياة على الاستمرار في الغياب شبه التام للطاقة والعناصر الغذائية، واعتمادها شبه الكامل على ترميم بنى البروتين والخلايا.

وهنا تتضح العلاقة الكبيرة بين ماضي الأرض ومستقبل أبحاث الحياة، فربما تحمل تلك الكائنات الحلول النهائية لفهم أصول البقاء والمرونة البيولوجية، بل وحتى كيف يمكن لمسبارات الفضاء يوماً ما استكشاف حياة مجهرية على كواكب متجمدة خارج الأرض.

هكذا، تمتد خيوط القصة من أعماق سيبيريا إلى خطوط البحث في أصل الحياة وتطورها، وحتى الاحتمالات المستقبلية حول اكتشافات في المريخ أو الأقمار الجليدية.

ذو صلة

كل هذه الاحتمالات تجمعها مفردات مثل "البيرمافروست"، "الميكروبات القديمة"، "الحمض النووي"، "إصلاح البروتين"، "الخلايا المعقدة"، "البيئات المتطرفة"، "آليات البقاء"، "العصور الجليدية"، "الرواسب البحرية"، "النشاط البيولوجي"، "تجديد الخلايا"، و"استكشاف الفضاء".

بينما يواصل العلماء الكشف عن أسرار الحياة المجمدة في باطن الأرض، تبقى هذه الاكتشافات شاهداً على مرونة الحياة وقدرتها على تحدي أقسى الظروف عبر الزمن. من يدري؟ لعل الإجابة عن أقدم ألغاز الوجود البشري والبيولوجي توجد في تلك الكائنات الصابرة، تحت أفواه الجليد وفي هدوء الظلام، حيث لا تزال الحياة تصر على البقاء، ولو بعد مائة ألف سنة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة