عندما يأتي على مسامعنا اسم إيلون ماسك، فإننا غالبًا ما سنفكر بشركة السيارات الكهربائية الأشهر في العالم "تيسلا" أو بشركة الفضاء الخاصة "سبيس إكس" أو حتى بإثارة الجدل بتغريداته على تويتر والثراء الفاحش الذي يعيش فيه. ولكن مؤخرًا ازداد الحديث عن مشروع ماسك القادم المتعلق بإيصال الإنترنت لكل شخص في العالم أينما وجد تحت أي أرض وفوق كل سماء، وذلك عن طريق إرسال أقمار صناعية خاصة إلى الفضاء لتغطي كوكب الأرض بالكامل.

بعد سنوات من تطوير شركة الفضاء خاصته "سبيس إكس"، وبعد ضمان حصوله على تمويلٍ ضخم -حوالي 885.5 مليون دولار- من لجنة الاتصالات الفيدرالية في نهاية 2020، استطاع ماسك أن يسّرع وتيرته وانتهز أول شهر من العام الماضي ليعلن أن هناك ما يربو عن الألف قمر صناعي قد أطلقوا بنجاح. والآن، تفتخر الشركة بأكثر من 2000 قمر صناعي يدورون في أماكنهم المحددة ويستعدون لاستقبال أقرانهم لينشروا الإنترنت في كل مكان.

قال إيلون ماسك مؤخرًا إن شركته قد شحنت أكثر من 100 ألف "رواتر" إنترنت في أكثر من 14 دولة حول العالم. المشكلة الكبرى بالنسبة للبعض أنهم سيُحرمون من استخدام "Starlink" رُغمًا عن أنوفهم بسبب العقوبات التي تفرضها بعض الدول على استخدام تلك الأجهزة. انظر إلى مصر على سبيل المثال؛ فبعدما صرح إيلون ماسك بتزويد الأوكرانيين بالمزيد من خدمات الإنترنت خاصته، بدأ المستخدمون المصريون يتساءلون عن إمكانية تزويدهم بالخدمة هم أيضًا وعن تكلفتها. وعلى الرغم من تكلفة الخدمة الباهظة، إلا أنها لم تكن العائق الوحيد أمام المصريين، ولا حتى العائق الأكبر؛ فالأمر الجلل والذي سرعان ما أصبح "تريند" هو أن استخدام تلك الأجهزة هو أمرٌ محظور في مصر من الأساس، ومن سيخالف هذا الأمر، سيُعاقب. ولهذا السبب قررنا أن نلقيّ نظرة سريعة على الخدمة ونتعرف على الوضع القانوني لـ Starlink في مصر، فهيا نبدأ!

في البداية، ما هي خدمة Starlink؟

من الناحية الفنية، Starlink هو أحد أقسام شركة الفضاء الشهيرة SpaceX، وهو القسم المسؤول عن مجموعة من الأقمار الصناعية التي يسعى رجل الأعمال الشهير إيلون ماسك إلى إطلاقها في الفضاء وتغطية أكبر قدر ممكن من كوكب الأرض لإمدادهم بإنترنت فائق السرعة. بدأ العمل على تطوير ذلك المشروع في عام 2015 وأٌطلقت النسخة الأولية منه في 2018.

تعمل الشركة منذ ذلك الحين على تطوير آلاف الأقمار الصناعية وإطلاقها في الفضاء، وآخر دُفعة أطلقت كانت في الثالث من شهر مارس 2022 وكانت عبارة عن 49 قمراً يدورون على ارتفاع منخفض من كوكب الأرض؛ ولكن تعرضوا لعاصفة مغناطيسية شديدة تسببت في خروج 40 قمرًا منهم عن مساره.

أقمار Starlink

إحدى المميزات التي يستغلها إيلون ماسك في التسويق لخدمته الجديدة هي الطريقة غير الاعتيادية في توصيل الإنترنت إلى العالم المتمدن عامةً، والريفي خاصةً؛ فالأول يصله الإنترنت بدون أدنى مشاكل، ولكن الثاني يعاني من أجل الحصول على اتصال متواضع بالإنترنت ناهيك عن الاتصال به من الأساس. انفصال الأقمار الصناعية الخاصة بـ Starlink عن البنية التحتية سيسهل من وصول الإنترنت إلى الجميع.

سرعات فائقة بالنسبة لنا كعرب، مع سعات تحميل غير محدودة

خلال الربع الأخير من عام 2021، ووفقًا لموقع Speedtest by Ookla، فإن سرعة الإنترنت الخاصة بـ Starlink قد تخطت 100 ميجابت في الثانية الواحدة في 15 دولة مختلفة، وهذا يعني أن الأداء قد تحسن مقارنةً بأداء السرعة في الربع الثالث من نفس العام. وفي نهاية عامنا الجاري 2022، من المتوقع أن تتخطى السرعة 300 ميجابت في الثانية.

إذا اتخذنا من الولايات المتحدة مثالًا، فسنرى أن متوسط سرعة التحميل أو "الداونلود" وصلت إلى 105 ميجابت، أما بالنسبة لسرعة رفع البيانات أو "الأبلود"، فوصلت إلى 12 ميجابت. تلك السرعات هي أفضل بحوالي 5 أو 6 مرات من متوسط السرعة التي يحصل عليها المواطن الأمريكي من شركات الاتصالات المنافسة مثل Viasat أو HighesNet، ولكنها في نفس الوقت متواضعة أمام بعض السرعات اللاسلكية الأخرى، وبالتأكيد تفوق سرعات الإنترنت المدحورة في أوطاننا العربية، ناهيك عن سعات التحميل غير المحدودة التي تعتبر حلمًا لأغلبيتنا.

وفقًا للموقع الرسمي للخدمة، فمن المتوقع أن يستمتع المستخدمون بسرعات تتراوح من 50 إلى 150 ميجابت في الثانية، مع معدل استجابة من 20 إلى 40 ميللي ثانية في معظم الأماكن التي ستغطيها الخدمة خلال الشهور القليلة القادمة. تعترف الشركة أيضًا أن المستخدمين قد يواجهون بعض المشاكل -ولكنها نادرة- في الاتصال لدرجة قطع الاتصال تمامًا.

مصر تظهر ضمن الدول المدعومة في خدمة Starlink

ظهرت دولة مصر ضمن العناوين المدعومة داخل موقع Starlink الرسمي، وذكر الموقع أن الخدمة ستكون متاحة في عام 2023، ولكي تتمكن من حجزها فيجب عليك دفع 99 دولارًا مقدمًا، بالإضافة إلى مصاريف الحصول على الخدمة والتي ستكلف ما بين 500 إلى 2500 دولارًا، ثم الاشتراك في الحزمة التي ترغب بها فور إتاحتها والتي تبدأ أسعارها من 99 دولارًا.

ظهور دولة مصر في موقع Starlink الرسمي

وبالطبع فإن مصاريف الخدمة باهظة لأبعد حد، فنحن نتحدث عما يقارب 2600 دولارًا فقط رسوم للتركيب والحصول على جهاز المٌستقبِل "Starlink kit" ناهيك عن المصاريف الشهرية لتفعيل الخدمة، وعلى الرغم من هذا، وجدت الحكومة المصرية أهمية من تذكير مواطنيها بقانون قديم قد يأتي لسجنهم في حال الاشتراك في إنترنت إيلون ماسك الفضائي!

قد ينتهي بك الحال في السجن في حال اشتركت في خدمة Starlink داخل مصر

كما ذكرنا سالفًا، فخدمة Starlink تعتمد على إطلاق أقمار صناعية في الفضاء، ولكي يغطي ماسك العالم أجمع بالإنترنت، سيحتاج إلى إرسال عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية وهذا ما قد تسبب في ذُعر علماء الفلك لأن إطلاق هذا العدد الكبير قد يَحُول بين العلماء واستكشاف الفضاء.

في ديسمبر الماضي، صرح رئيس وكالة الفضاء الأوروبية "جوزيف أشباخر" أن إيلون ماسك قد اتخذ إجراءات منسقة مع الاتحاد الأوروبي لضمان إطلاق العديد من أقماره الصناعية دون أن يتسبب في مشاكل تذكر وبطريقة لن تمنع الدول الأخرى من إطلاق أقمارها الصناعية.

قد تتساءل عن علاقة الفقرتين السابقتين بعنوان الفقرة، ألا وهو سجن المستخدمين للخدمة في مصر، وسأقول لك إن بينهما علاقة وطيدة؛ فتوصيل الإنترنت من خلال أقمار صناعية أُطلقت في الفضاء واستخدام أجهزة دِش تستقبل الإشارة من تلك الأقمار الصناعية سيعرضك للمساءلة القانونية في مصر لأن تلك الأجهزة تدخل ضمن حيز "الأجهزة بدون تصريح".

كنا قد علمنا بالتخطيط المصري لإطلاق الإنترنت الفضائي الخاص بها عن طريق "قمر الاتصالات طيبة TIBA-1"، وذلك لكافة الشعب وستقدم الخدمة بشكل تجاري بدلًا من الاقتصار على الجهات الحكومية والهيئات الدبلوماسية فقط. أما بالنسبة لـ Starlink، فيجب أن تحصل على تصريح وإلا فستعاقب وفقًا للمادة رقم 48 من قانون الاتصالات رقم 10 لعام 2003 والذي سيعاقبك بالحبس لمدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه مصري ولا تتجاوز الـ 50 ألفاً (1100 دولار لـ 2730).

منافسة شركات الاتصال المصرية ليست الدافع وراء هذه القرار

وفقًا للقانون المذكور، فإن عقوبة السجن والغرامة لا تتمحور حول الخوف من منافسة شركات الاتصال المصرية -حتى الآن- فالقانون المذكور يأتي للتأكد من مراقبة جميع أجهزة الاتصال والشبكات داخل الدولة، ولهذا يتم إعطاء تصاريح قبل السماح لأي منتج بالدخول في الأسواق المصرية.

ولأن Starlink لا تتبع أي دولة، فلا يوجد سلطة مصرية عليها، وبالتالي فستزداد المخاوف من مراقبة إيلون ماسك للشعب المصري والتجسس على أسرار الدولة، ما دفع الحكومة المصرية لتذكير مواطنيها بالقانون الذي سيزج بهم في السجون في حال اشتراكهم في إنترنت Starlink الفضائي.

الخلاصة

موقف مصر من خدمة Starlink حتى الآن غير واضح، ولا يمكن إنكار أن الخوف من منافسة شركة الاتصال الحكومية (We) ليس من أسباب محاولة حظر الخدمة داخل الأراضي المصرية، ومع ذلك فمن المفترض أن نرى خدمة Starlink على الأراضي المصرية في العام القادم، ولكي يتم ذلك فيجب أن تتم بعض المفاوضات بين SpaceX المسؤولة عن الأقمار الصناعية، والحكومة المصرية.