0

حُلُم الإنسان بالطّيران قديمٌ قِدمُ الزّمن، ولربّما حظي هذا الحُلُم بالحيّز الأكبر من مخيّلته عبر العصور والحضارات المتعاقبة، فالطيران يعني الحريّة، والارتقاء بعيداً إلى أعالي السماوات، وتوسيع الآفاق بلا حدودٍ والوصول إلى عوالم جديدة مزخرفة بالنجوم المتلَألِئَة والكواكب الجميلة، وإن نظرت إلى ميثولوجيا وأساطير وفولوكلور كلّ حضارةٍ من الحضارات الإنسانية ستجد حُلُم الطيّران حاضراً في جزء كبير منها من إيكارُس اليونانيّ الذي طار عالياً بأجنحةٍ من ريش وشمع حتى جاور الشّمس فتكسّرت أجنحته بعد أن ذاب الشمع وسقط المسكين في البحر وعلاء الدّين الذي يطير على سجّادته في قصصِ ألفِ ليلةٍ وليلة. وغيرها من الأمثلة.

بقي الطّيران حُلُماً في خيال الإنسان يهرب به بعيداً عن واقعه ومآسيه، حتى جاء العبقري ليوناردو دا فينشي وقام بتصميم أوّلِ آلةٍ طائرةٍ في القرن الخامس عشر، معتمداً على ما تقدّمه الطيور والحشرات والخفافيش من نماذج عمليّة.

نظريّاً كانت أفكار دافينشي رائعة ومتقدّمة نسبياً، أمّا عملياً فبدون قوّة دفعٍ صناعيةٍ فإن أبحاثه وتصاميمه بقيت حبيسة الكُتُب ولم تعرف سبيلاً إلى التحقّق.

بعد محاولات دافينشي، لُم يُسجلّ أيّ خرقٍ جديدٍ في مجال الطيران حتى القرن الـ 18 والـ 19 فعادت مُختلف التجارب والأفكار للظهور بزخمٍ كبير، من الآلات الطائرة إلى البالونات والطائرات الشراعية التي تمتلك أجنحة كأجنحة الخفّاش.

إلى أن جاءت اللحظة التّاريخيّة في الـ 17 من كانون الثّاني عام 1903 عندما كتب الأخوان رايت التاريخ بصناعتهم لأول طائرةٍ بمحرّك، أقلعت بـ “أورفيل رايت” وطارت به لمسافة 37 متراً على الأقل في 12 ثانيةً، وهبطت ثانيةً بأمانٍ في ولاية كارولاينا الشمالية، ليكون أوّل إنسانٍ ينجحُ بتحقيق حُلُم البشرية بالطيران.

أمّا في زمننا الحاضر، وبالتحديد في الرابع عشر من تمّوز في العام 2019 خلال العيد الوطني الفرنسي ظهر رجلٌ طائرٌ فوق مدينة باريس يقف على أداةٍ أو منصّةٍ صغيرةٍ ليطير بسلاسةٍ أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكارون في الاحتفال وسلاحه بيده، ثمّ قدّم له تحيّة عسكرية وسط تصفيق الرئيس والحاضرين، فملأت صوره وفيديوهاته الشبكة العنكبوتيّة وأصبح حديث السّاعة.

نعم إنّه “فرانكي زاباتا Franky Zapata“، على لوحه الطائر “Zapata Flyboard Air” كاتباً أحدث صفحاتِ قصّة الإنسانِ والطيران، ومفتتحاً فصلاً جديداً من الحكاية.

صحيحٌ أنّ حُلم الطيّران قد تحقّق منذ زمن، وصناعة الطائرات بأنواعها وصلت إلى مراحل متطورة جدّاً تفوق الخيال، والإنسان اليوم بعد أن طار إلى القمر يخطط للطيران إلى المريخ في السنوات القليلة المقبلة، لكنّ الأمر مختلفٌ هنا، إنّها تجربة مختلفةٌ كليّاً مع الطيران، فزاباتا هنا لا يطير على متنِ طائرةٍ بل يطير هو بنفسه ويتأرجح بالهواء ويغيّر اتجاهه بدوران جسمه ويتوازن بقدميه، إنّه شعور مختلفٌ كُليّاً فهو يطير فعلاً فلنشاهده معاً في هذا الفيديو من العيد الوطني الفرنسي ثمّ ننتقل لنتعرّف عليه بتفصيل أكثر.

من هو فرانكي زاباتا؟

هو سائق دراجّة مائيّة -أو ما تُعرف بالـ “جِت سكي”- فرنسي الجنسيّة، وهو مخترع اللوح الطائر Zapata Flyboard Air واللوح المائيّ Flyboard ومؤّسس شركة “Zapata Racing”.

بدأ فرانكي بممارسة ركوب البحر على الـ “جِت سكي” في عمر الـ 16 وربح بطولة RUN F1 العالمية عدّة مرات، وبعد سنواتٍ عديدة من صناعة الجِت سكي قام أخيراً بابتكار اللوح المائي الطائر فلايبورد Flyboard، فمنذ العام 2012 وضع زاباتا جُلّ تركيزه على تطوير وتصنيع أجهزةٍ شخصيّة طائرة مخصّصة للعمل فوق الأسطح المائيّة وفي الجوّ personal watercraft أو اختصاراً PWC.

إضافةً إلى خبراته في الركوب المكتسبة من مشاركاته في بطولات الجِت سكي، عمد زاباتا إلى توسيع مهاراته في مجال الميكانيك من خلال إتمام العديد من الدورات التدريبية، ثمّ أنشأ مع والده “كلود” مؤسسة “Zapata Racing” عام 1998 المتخصصة بإقامة البطولات المتقدمّة في سباقات الجِت سكي. وفاز بالعديد من البطولات الأوروبية، وقام بتصنيع العديد من معدّات السباقات والمركبات.

كيف تطوّرت الفكرة؟

في خطوةٍ توسُّعية قامت شركة Zapata Racing بنقل السبّاقات إلى البحار المفتوحة من خلال ابتكار الـ Flyboard، وهو منصّة صغيرة يُمكن ارتداؤها وتعتمد على قوّة ضخّ المياه لتدفعك من تحت قدميك عالياً في السّماء، يعمل هذا النّظام كمضخّات الماء التي يتمّ ارتداؤها في الظهر water-powered jetpack والتي تعتمد على قوّة ضخّ المياه لرفعك في السّماء، والتي يُمكن ربطها بالجِت سكي (كما في الصورة أدناه).

water-powered jetpack
water-powered jetpack

لكنّ الاختلاف أنّ Flyboard تضخّ المياه من المنصّة تحت قدميك لتدفعك إلى الأعلى، يتمّ التحكّم بحركتها بجهازي تحكّم في مقبضيّ اليدين.

Zapata Flyboard

قام فرانكي لاحقاً باختراع اللوح الطائر Zapata Flyboard Air وهو منصّة مزوّدة بأربعة محرّكات نفّاثة تمنحك القدرة على الطيران في الهواء دون قيود أو حدود، وهي مزوّدة بنظامٍ حاسوبيّ يبقيك متوازناً، سجّل زاباتا في العام 2016 رقماً قياسيّاً عالمياً بأعلى مسافة طيرانٍ على اللوح الطائر Zapata Flyboard Air بمسافةٍ بلغت 2252 متراً على الشواطئ الجنوبيّة لفرنسا.

الانتقال من من المنتجات المائيّة إلى المنتجات القادرة على الطيران في أيّ مكانٍ استناداً إلى خبراته الواسعة التي استقاها من flyboard الأول خُطوةٌ تطوريّة منطقية طبيعية من زاباتا، والطّريف بأنّه راهن صديق طفولته في إحدى البطولات الأوروبيّة بأنّه سينجح بتسجيل رقمٍ قياسيّ في موسوعة غينيس بأطولِ رحلةٍ على لوحٍ طائرٍ ثمّ جاء Zapata Flyboard Air ليُكسبه الرّهان.

آلية عمل اللوح الطائر Zapata Flyboard Air

هذه المنصّة الطائرة مزوّدة بمحرّكٍ توربينيّ نفّاث يعمل بوقود الكيروسين المستعمل في الطائرات، يُوضع الوقود في خزان على شكلِ محفظة ظهر مثبّتة بالراكب، قام زاباتا بالاعتماد على المحرّكات النّفاثة للحصول على قوّة الدفع اللازمة للطيران والقادرة على حمل أوزان أفضل بـ 10 مرّاتٍ من مصادر الدّفع الأُخرى تصل إلى 1000 حصان، كما يُمكنك أن تزيد من تلك القوّة في مجالاتٍ محدّدة كما يذكر زاباتا على الموقع الرّسميّ.

هذه المركبة قادرةٌ على حمل إنسانٍ يزن 100 كغ، بالاستناد إلى المحرّكات النّفاثة الأربعة بقوّة 250 حصاناً لكلّ منها واثنان إضافيّان على الجوانب لتأمين التوازن.

كما قام ببناءِ خوارزميّة خاصّة لتأمين هذا التوازن، فكلّ محرّك يمكن أن يعمل بشكلٍ منفصلٍ لتغيير الاتجاه وزاوية الحركة، كما يُمكنها الطيران بثلاثِ محرّكاتٍ فقط لضمان سلامة الراكب عند فشلِ أحد تلك المحرّكات في الجوّ. لذا فعند فقدان أحد المحرّكات تستمر Flyboard Air بالعمل، أمّا إذا تعرّض لفشل محرّكين معاً يهبط الجهاز بأمان.

في مقبضيّ الراكب جهازيّ تحكّم لقيادته، توفّر لك أجهزة التحكم القدرة على التحكّم بقوّة الدفع والارتفاع والالتفاف والدوران، لكن عليك أن تقوم بموازنته بجسمك كما تفعل مع السكوتر أو الدرّاجة، وهو الأمر الذي يتطلب القليل من التدريب.

اللوح الطائر Zapata Flyboard Air

عُبور القناة الإنكليزية

كان زاباتا يبحثُ عن خطوةٍ جريئة يتحدّى بها نفسه ويثبت للعالم فاعلية لوحه الطّائر وإمكاناته، فقرر عبور القناة الإنكليزية التي تفصل فرنسا عن بريطانيا على متن Flyboard Air، اختار 25 من تمّوز موعداً لمحاولته الأولى، في الذكرى الـ 110 للعبور الأول في التاريخ لتلك القناة على متنِ طائرة لكن هذه المحاولة لم تُكلّل بالنّجاح للأسف، حيث سقط بطل الجت سكي السّابق في البحر أثناء محاولته الهبوط على سفينة للتزوّد بالوقود.

صرّح أحد أعضاء فريقه بأنّ حركة الأمواج كانت سريعة، والأمر يتطلب اختيار توقيتٍ دقيقٍ للهبوط إلّا أنّ اللوح قد تحرّك لبضع سنتيمتراتٍ قليلة مما أفقده التّوازن.

بعد عشرةِ أيّامٍ تماماً كان موعد المحاولة الثّانية مستخدماً سفينة أكبر ذات مضمارِ هبوطٍ أوسع للتزوّد بالوقود، كما رافقته قطعات من البحريّة الفرنسيّة للتدخّل عند الطوارئ. ورغم ضيق الوقت الذي حظي فيه الفريق لإصلاح اللوح والتّحضير للعمليّة، نجح زاباتا بتحقيق حُلمه بعبور القناة على متن لوحه الطائر Flyboard Air.

من مدينة Sangatte على الشواطئ الشّمالية الغربية لفرنسا إلى خليج St Margaret وراء الجرف الأبيض في مدينة Dover في بريطانيا قاطعاً مسافة 35 كيلومتراً في رحلة استغرقت 22 دقيقة فقط وسط تصفيق العشرات من المتفرجين والصحفيين المتجمهرين ليشهدوا هذا الحدث التّاريخي.

قال زاباتا أنّ المؤشرات على شاشة خوذته سجلت سرعة 170-180 كيلومتراً في السّاعة، وقد اضطّر إلى تغيير وضعية جسمه بحركات زيك-زاك ليُخفّف الضّغط المستمرّ على قدميه.

اللوح الطائر Zapata Flyboard Air

ماذا عن الأمان؟

السؤال الذي يخطر على بال الجميع، هل بإمكاننا الذهاب إلى أعمالنا على متن لوحٍ طائرٍ يوماً ما؟

يجيب الخُبراء بأنّ الأمر مستبعد في المدى المنظور والسبب ليس تقنياً، فالتقنية أصبحت متوفّرة وقد أثبت زاباتا فاعليّتها مراتٍ عديدة، بل بسبب أخطارها، فتلك المحرّكات النّفاثة الصغيرة والجميلة تنفثُ هواءً يوازي في سخونته الحمم البركانيّة، وهي قادرة على قتل أي شخص يتعرّض لها أو ربّما أساء شخصٌ ماء التقدير ونفذ منه الوقود فوق شوارع لوس أنجلوس مثلاً.

لذا فتوفّر التكنولوجيا اللازمة ليست العائق الوحيد أمامنا دائماً، فمنذ أكثر من مئة عام يعدنا العلماء بقرب موعد انتشار السيّارات الطائرة، لكنّها ما زالت غير مرئيّة في المدى المنظور من المستقبل.

لذا فالتّحدّي الحقيقي هو جعل هذه الأجهزة صالحة لعامّة النّاس، وقادرة على حمل الأوزان الثّقيلة، بالإضافة إلى تخفيض التّكلفة المرتفعة وسهولة الاستعمال، فلا ننسى أنّ فرانكي استطاع إتمام مهمّته فوق القناة الإنكليزية بالإقلاع والطيران والتوازن والهبوط لأنّه مدرّبٌ جيّداً، فهو بطل سباقاتِ جت سكي عالمي لعدّة مراتٍ متتالية.

ما الأُفُق التي يفتحها Flyboard Air في المستقبل؟

ثلاثة مجالاتٍ رئيسيّة تخطر في البال عند التّفكير بـِ Flyboard Air؛ العسكريّة والصّناعيّة والترفيهية.

بالنسبة للمجال العسكري، يقول مخترع Flyboard Air أنّه يُمكن استعماله في عمليّات الإخلاء والإنقاذ، أمّا في المجال الصّناعيّ يُمكن استعمالها لإصلاح الآلات المعطّلة العملاقة أو عمليات التوزيع، أمّا الترفيه فلن يجد الإنسانُ متعةً أجمل من الطّيران كما يقول فرانكي، وبالرّغم من أنّ الجهاز ما زال قيد العمل والتطوير إلّا أنّه يأمل بأن تبدأ مرحلة الإنتاجِ التجاري قريباً.

الجيش الفرنسيّ وضع هذه التكنولوجيا نُصب عينه، فقام بتقديم منحةٍ بقيمة 1.3 مليون يورو لمساعدته بالإسراع في أبحاثه، وفي حديثٍ لإذاعة France Inter radio قالت وزيرة الدّفاع الفرنسية “فلورانس بارلي” أنّ الـ flyboard سيخدم الجيش في الكثير من المجالات، كمنصّة نقلٍ لوجستيّ أو حتّى لأهدافٍ هجوميّة.

لكن الحقيقة أنّ أمام زاباتا الكثير من التحدّيات ليتجاوزها، فالحكومة الفرنسيّة قامت فعلاً بحظر الطيران على flyboard في الوقت الرّاهن، وعلى زاباتا التنسيق مع الحكومة وطلب الإذن لاستعمالها، كما سيتوجّب عليه العمل مع باقي الحكومات في العالم إذا أراد أن يصبح الإنتاج التجاريّ لها حقيقة، أمّا في الوقت الراهن، فمن المؤكّد أنّ Zapata Flyboard Air اختراعٌ عظيم، وخطوةٌ كبيرة نحو المستقبل وعليك مشاهدة هذه اللقطات التي تحبس الأنفاس (في الفيديو أدناه) حتى تشعر بعظمة وروعة هذا اللوح الطّائر.

0

شاركنا رأيك حول "اللوح الطائر Zapata Flyboard Air التقنية التي ستطير بك بعيداً نحو المستقبل"