كيف يرسم ChatGPT ملامح نفسية دقيقة لمستخدميه؟
تقرير يكشف كيف يبني ChatGPT ملفات نفسية عن المستخدمين عبر ذاكرته.
روبوت المحادثة ينشئ صورة خوارزمية ذاتية تتعدى تذكر الأسماء والمهن.
الذاكرة تفيد المستخدم المتكرر، لكنها تسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية.
الباحثون يحذرون من تحول البيانات إلى تتبع سلوكي دائم ومعقد.
أحياناً يبدأ الأمر من تفصيل صغير جداً: تسأل المساعد عن فرقة موسيقية تشبه فرقتك المفضلة، أو تطلب منه صياغة رسالة عمل، أو تشرح له روتينك اليومي كي تحصل على إجابة أدق. لكن هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتراكم داخل ذاكرة النظام، قد تتحول إلى صورة شخصية واسعة المدى. هذا بالضبط ما يسلط عليه الضوء تقرير جديد تناول كيفية بناء ChatGPT ملفات نفسية وسلوكية عن مستخدميه عبر ميزة الذاكرة، في تطور يكشف أن التخصيص لم يعد يعتمد فقط على النقرات وسجل التصفح، بل على ما نبوح به في محادثات تبدو خاصة وحميمة.
من التخصيص إلى البورتريه الرقمي
بحسب دراسة عُرضت في مؤتمر ACM Web Conference 2026 ونقلتها Futurism، فإن روبوتات المحادثة لم تعد تكتفي بفهم الطلب اللحظي، بل أصبحت تنشئ ما وصفه الباحثون بأنه صورة خوارزمية للذات. الفكرة هنا أعمق من مجرد تذكر اسم المستخدم أو طبيعة عمله. نحن أمام نظام استدلالي يجمع الإشارات المتفرقة من المحادثة ليبني ملفاً شخصياً يتضمن تفضيلات وسمات نفسية وانطباعات سلوكية.
هذا التحول مهم لأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على العلاقة المستمرة مع المستخدم. وكلما عرف عنك أكثر، بات قادراً على تقديم ردود تبدو أكثر فهماً وسلاسة وملاءمة. لكن الراحة هنا تأتي دائماً بجوار تكلفة أقل وضوحاً: اتساع نطاق البيانات الشخصية التي تُستخلص من الحديث العابر نفسه.
ما الذي وجدته الدراسة فعلاً
اعتمد الباحثون على سجلات محادثات تبرع بها 80 مستخدماً حصلوا على بياناتهم عبر قوانين الخصوصية الأوروبية. ومن خلال هذه السجلات، جرى رصد 2050 إدخالاً في ذاكرة النظام لدى 65 مستخدماً. الرقم الأهم ليس فقط حجم الذاكرة المخزنة، بل الطريقة التي تتكون بها: 96 بالمئة من هذه الذكريات أُنشئت من طرف النظام نفسه، لا بطلب صريح من المستخدم.
وتشير الدراسة إلى أن 28 بالمئة من الذكريات المصنفة احتوت على بيانات شخصية وفق معايير اللائحة الأوروبية لحماية البيانات، بينما تضمنت 52 بالمئة منها ما وصفه الباحثون برؤى نفسية غنية. هذا يعني أن المسألة لا تتعلق بتذكر معلومة عملية مثل نوع الوظيفة أو اللغة المفضلة، بل بقراءة أنماط الاهتمام، والميول، وطريقة التفكير، وربما الحالة الذهنية نفسها.
- الذاكرة هنا ليست أرشفة حرفية فقط، بل تلخيص واستنتاج.
- المستخدم قد لا يعرف بالضبط أي تفصيل جرى الاحتفاظ به أو لماذا.
- القيمة التشغيلية لميزة الذاكرة ترتفع كلما زادت حساسيتها.
حين يبدأ النظام في الافتراض
أحد أكثر الجوانب لفتاً في النتائج أن بعض الذكريات لم تُبنَ على تصريحات مباشرة، بل على افتراضات. المثال الذي أوردته الدراسة بسيط لكنه كاشف: عندما طلب أحد المستخدمين فرقاً شبيهة بـ Nirvana، استنتج النظام أنه يحب Nirvana. قد يبدو هذا الاستنتاج منطقياً، لكنه يوضح كيف تنتقل المنصة من تسجيل ما قيل إلى تفسير ما يُحتمل أنه مقصود.
تقنياً، هذه النقلة طبيعية في الأنظمة المبنية على النماذج اللغوية الكبيرة، لأنها لا تعالج اللغة كوقائع جامدة بل كسياق قابل للاستدلال. لكن من منظور الخصوصية والحوكمة، يصبح السؤال أكثر تعقيداً. حين تخزن المنصة استنتاجاً عن شخصيتك أو ذائقتك أو حالتك النفسية، فهل تتعامل مع حقيقة أم مع احتمال مرجح فقط؟ الفارق هنا ليس لغوياً، بل تنظيمي وأخلاقي أيضاً.
كلما أصبحت المحادثة أكثر طبيعية، صار استخراج المعنى الشخصي منها أكثر سهولة وأقل وضوحاً للمستخدم.
ميزة مفيدة وحدود مقلقة
لا يمكن إنكار أن الذاكرة تقدم فائدة حقيقية. المستخدم المتكرر لا يريد أن يعيد تعريف نفسه في كل جلسة، خصوصاً إذا كان يعتمد على المساعد في الكتابة أو البرمجة أو تنظيم العمل. من هذه الزاوية، تبدو ميزة الذاكرة امتداداً منطقياً لتجربة استخدام أفضل وأكثر كفاءة.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الفائدة إلى بنية دائمة للتتبع السلوكي. فالعلاقة مع الشات بوت تختلف عن العلاقة مع محرك البحث أو متجر إلكتروني. نحن لا نضغط فقط، بل نشرح ونعترف ونتردد ونطلب النصح. هذا النوع من التفاعل يجعل البيانات أكثر كثافة من الناحية النفسية، ويمنح المنصة قدرة أكبر على التخصيص والإقناع وربما التأثير في السلوك بمرور الوقت.
ليست مجرد خصوصية تقليدية
التحذير الأهم في هذا النوع من الدراسات أن الخطر لا يقتصر على تسرب البيانات أو إساءة استخدامها في الإعلانات. الباحثون يلفتون النظر إلى أن روبوت المحادثة قد يشغل أدواراً متعددة في حياة الشخص: مساعد، زميل، مستشار، صديق، وربما مساحة فضفضة. ومع غياب الحدود الواضحة بين هذه الأدوار، تتضخم كمية المعلومات الحساسة التي يحصل عليها النظام عن المعتقدات، والمخاوف، والتحيزات، ونقاط الضعف.
هنا يتغير تعريف المخاطرة. لم نعد نتحدث فقط عن ملف بيانات تقني، بل عن بنية قادرة على معرفة كيف يفكر المستخدم وما الذي يطمئنه وما الذي يدفعه للعودة. وإذا اقترن ذلك بنظام يهدف إلى إبقاء التفاعل مستمراً، فإن احتمالات المجاملة المفرطة، أو تعزيز القناعات، أو تكريس الانحيازات، تصبح جزءاً من النقاش الجاد حول تصميم المنتجات الذكية.
التحديثات لا تلغي السؤال الأساسي
صحيح أن الدراسة تناولت نظام ذاكرة سبق أن خضع لتحديثات لاحقة، وأن الشركات المطورة تتيح في بعض الحالات أدوات للتحكم أو إيقاف ميزة الذاكرة، لكن ذلك لا يبدد جوهر القضية. فالمسألة ليست فقط في إصدار بعينه، بل في الاتجاه العام لصناعة الذكاء الاصطناعي: كل منتج يسعى لأن يكون أكثر معرفة بالمستخدم كي يصبح أكثر إقناعاً وفائدة واستمرارية.
وهذا يضع المستخدمين والمنصات والمنظمين أمام معادلة حساسة. كل تحسين في تجربة الاستخدام قد يحمل معه طبقة جديدة من الاستدلال الشخصي. وكل خطوة نحو مساعد أكثر ذكاء قد تكون أيضاً خطوة نحو مراقبة أكثر نعومة، لا تُشبه المراقبة التقليدية لأنها تأتي ملفوفة بلغة المساعدة والاهتمام.
ما تكشفه هذه الدراسة ليس فضيحة تقنية بقدر ما هو وصف دقيق لاتجاه يتشكل بهدوء: الذكاء الاصطناعي لا يريد فقط أن يفهم سؤالك، بل أن يفهمك أنت. وبين الخدمة الشخصية العميقة والاختراق الصامت للخصوصية، يبدو أن الحد الفاصل سيصبح أحد أهم أسئلة التقنية في السنوات المقبلة.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
GITEX
Ai Everything
LEAP26








