LEAP26

كيف يقضي الموظفون في العالم العربي يوم عملهم فعليًا؟

محمد كمال
محمد كمال

6 د

يعتمد الموظفون في العالم العربي على الصباح للتركيز والإنتاجية بسبب الهدوء وقلة المقاطعات.

الطوارئ غير الموثقة والمفاجئة تشكل العدو الأول للتركيز وتزيد التشتت.

يعتمد الموظفون بشكل كبير على قوائم المهام وتقويمات لضبط يومهم في العمل.

الأدوات الرقمية تساعد على تنظيم اليوم وتقليل الفوضى والتحكم في المقاطعات.

يجب على الشركات إعادة تصميم يوم العمل لحماية التركيز وتوحيد قنوات التواصل.

لم يعد سؤال الإنتاجية في المؤسسات الحديثة مرتبطًا بعدد ساعات الدوام بقدر ما يرتبط بما يحدث داخل هذه الساعات. قد يجلس الموظف ثماني ساعات كاملة، ومع ذلك يخرج من يومه وهو يشعر أنه كان “مشغولًا” أكثر مما كان “منتجًا”. هذا الفارق—بين الانشغال والإنتاج—هو ما يجعل فهم سلوك يوم العمل ضرورة، لا ترفًا إداريًا.

في محاولة لفهم هذا السلوك كما هو، لا كما نتخيله، أُجري استطلاع بعنوان “كيف يقضي الموظفون في العالم العربي يوم عملهم فعليًا” على مجموعة من مستخدمي Bitrix24. النتائج لا تقدم صورة مثالية، لكنها تُظهر نمطًا يتكرر في كثير من بيئات العمل العربية: متى يرتفع التركيز، ما الذي يقطعه، وما الأدوات التي يعتمد عليها الناس كي “يمسكوا يومهم” بدل أن يبتلعهم اليوم.


أول اليوم… نافذة تركيز لا تدوم طويلًا

النتيجة الأكثر وضوحًا كانت مرتبطة بالوقت:

68% من الموظفين قالوا إنهم أكثر إنتاجية في ساعات الصباح الباكر.

هذه ليست مفاجأة لمن عاش يوم عمل حقيقي. الصباح عادة أقل ضجيجًا، عدد المقاطعات أقل، والذهن لم يدخل بعد في دوامة الردود والاجتماعات والطلبات المستعجلة. في تلك الساعات الأولى تظهر القدرة على التفكير العميق، والإنجاز الذي يحتاج تركيزًا متصلًا: كتابة، تحليل، مراجعة، تخطيط، أو اتخاذ قرار.

الجزء اللافت ليس أن الصباح هو ذروة الإنتاجية، بل أن هذه الذروة غالبًا تُهدر داخل كثير من المؤسسات في أعمال منخفضة القيمة: متابعة رسائل، بحث عن ملفات، أو اجتماعات “تحديث” يمكن أن تكون تعليقًا واحدًا داخل مهمة.

ومن زاوية إدارية، يفتح هذا الرقم سؤالًا عمليًا:

إذا كانت الطاقة الذهنية الأعلى موجودة صباحًا، لماذا لا تُحجز تلك الساعات للأعمال الثقيلة فعلًا؟

توزيع اليوم بناءً على “إيقاع التركيز” يصنع فرقًا في جودة الأداء، لا في سرعته فقط.


المهام الطارئة… ليست مشكلة لأنها طارئة، بل لأنها بلا نظام

عند سؤال المشاركين عن أكبر مسببات التشتت، جاءت الإجابة الأكثر حضورًا:

63% اعتبروا أن المهام الطارئة والمفاجئة هي العدو الأول للتركيز.

بينما جاءت المناقشات الجانبية بنسبة 25%، وكانت الاجتماعات واستراحات القهوة أقل تأثيرًا نسبيًا.

وهنا نصل إلى نقطة حساسة في كثير من بيئات العمل العربية: “الطوارئ” لا تتعب الفريق لأنها موجودة، بل لأنها تدخل من أبواب كثيرة وبشكل غير موثق. طلب عاجل في واتساب، تعديل سريع في مكالمة، ملاحظة في ممر المكتب، ثم يُطلب من الجميع أن يعيد ترتيب يومه بلا وضوح: ما الأولوية؟ من المسؤول؟ متى ينتهي؟ وما أثره على الخطة؟

المشكلة الحقيقية أن هذه المهام لا تُسجَّل غالبًا داخل نظام يُرى من الجميع، فتتحول إلى عمل تفاعلي مستمر. ومع كل انتقال مفاجئ، يحتاج الدماغ وقتًا ليعود إلى المهمة الأصلية. والنتيجة ليست “تأخيرًا بسيطًا” بل نزيفًا غير مرئي في التركيز والجودة.

إذا أرادت مؤسسة أن تقلل أثر الطوارئ، فالحل ليس أن تمنعها—هذا مستحيل—بل أن تضع لها مسارًا: توثيق، أولوية، توزيع، وتحديد مسؤولية. مجرد وجود قناة واحدة لتسجيل الطلبات يجعل “الطارئ” أقل فوضى، وأكثر قابلية للسيطرة.


ماذا يستخدم الموظفون ليبقوا على المسار؟

حين سُئل المشاركون عن أكثر ما يعتمدون عليه يوميًا للحفاظ على الإنتاجية، جاءت الإجابات واقعية جدًا:

  • 50% يعتمدون على قوائم المهام والتقويم.
  • 25% يعتمدون على المشروبات المنبّهة.
  • 19% يرون أن بيئة العمل المريحة عنصر أساسي.
  • 6% فقط اعتبروا التواصل المباشر مع الزملاء أداة إنتاجية رئيسية.

الرقم الأول مهم: الاعتماد على المهام والتقويم يعني أن الموظف العربي بدأ يتعامل مع يومه كشيء يحتاج نظامًا، لا “ذاكرة”. وهذا تحول صحي؛ لأن الذاكرة تنهار تحت الضغط، بينما القائمة والتقويم يثبتان اليوم في مكان واحد.

لكن الرقم الثاني يكشف جانبًا آخر من الواقع: ربع الموظفين يلجؤون للمنبهات بوصفها حلًا سريعًا للطاقة. وهذا يعكس ضغطًا متكررًا: ساعات طويلة، مقاطعات كثيرة، ونوم غير منتظم. هنا لا يعود الحديث عن الإنتاجية مجرد أدوات، بل عن نمط حياة وبيئة عمل.

أما بيئة العمل (19%) فهي عامل يُظلم عادة في خطط التحسين. كرسي غير مريح، إضاءة سيئة، حرارة مزعجة، ضوضاء دائمة… هذه تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تستهلك التركيز تدريجيًا. ومن السهل جدًا أن تطلب من الموظف “أن يكون أكثر إنتاجية”، لكن من الصعب أن تتجاهل أن البيئة نفسها تجرّه إلى التشتت.

واللافت أن 6% فقط يرون التواصل المباشر أداة إنتاجية أساسية. قد يُفهم هذا على أنه رفض للتواصل، لكنه أقرب إلى شيء آخر: كثيرون صاروا يربطون الحديث غير المنظم بالتشتت. وهذا لا يعني أن التواصل غير مهم، بل يعني أن الموظف يريد تواصلًا “محسوبًا” مرتبطًا بسياق العمل، لا حديثًا يقطع العمل ثم يترك أثرًا مبهمًا.


ما الذي تقوله هذه الأرقام عن الموظف في العالم العربي؟

إذا وضعنا النتائج في صورة واحدة، سنخرج بثلاث ملاحظات واضحة:

  • الوضوح يرفع الإنتاجية أكثر من الضغط. حين تكون المهام واضحة ومسجلة، يعمل الموظف بأفضل ما لديه.
  • المقاطعات هي الخسارة الأكبر. العمل لا يتعثر دائمًا بسبب صعوبته، بل بسبب انقطاعه المستمر.
  • الأدوات الرقمية أصبحت تعويضًا عن الفوضى التقليدية. قوائم المهام والتقويم ليست رفاهية؛ هي محاولة للسيطرة على يوم يتغير بلا إنذار.

هذا التحول يعني أن بيئة العمل العربية تتحرك تدريجيًا من نمط يعتمد على العلاقات والاتفاقات الشفهية إلى نمط يعتمد على الأنظمة والتوثيق والبيانات—ولو ببطء وتفاوت بين مؤسسة وأخرى.


كيف يمكن للشركات أن تحسّن “يوم العمل” بدل أن تطارد النتائج؟

الإنتاجية لا تبدأ من زيادة ساعات العمل، بل من إعادة تصميم اليوم نفسه.

  • في شركات الخدمات مثلًا، يضيع وقت كبير في البحث داخل الرسائل عن معلومة واحدة. توحيد القنوات داخل مساحة عمل واحدة يقلل هذا الهدر فورًا، لأن المعلومة تصبح مرتبطة بسياق: عميل/مهمة/طلب.
  • وفي فرق التطوير أو التصميم، يقلّ عدد الاجتماعات تلقائيًا عندما يرى الجميع تقدم العمل لحظيًا عبر لوحة مهام واضحة، بدل انتظار اجتماع يشرح “أين وصلنا”.
  • وفي المؤسسات الكبيرة، تُخفف الأتمتة من استنزاف الطاقة في الأعمال الروتينية: موافقات، تذكيرات، تقارير دورية… فتعود الطاقة للأعمال التي تحتاج عقلًا لا تكرارًا.

أما العمل المرن، حين يُدار ببيانات واضحة وليس بالشعارات، فيمكنه أن يقلل الإرهاق ويرفع الالتزام، لأنه ينسجم مع حقيقة ظاهرة في الأرقام: الناس لا تعمل بنفس التركيز طوال اليوم، فلماذا نصرّ على نموذج واحد للجميع؟


لماذا لا تنجح “الكوبي–بيست” من مؤشرات الـ KPI؟

في النهاية، ليست كل نماذج القياس قابلة للنقل كما هي. بعض مؤشرات الأداء صُممت لبيئات عمل فردية، بينما بيئات كثيرة في المنطقة العربية تقوم على تداخل الأدوار والتعاون السريع والتواصل العالي. عندما تُفرض مؤشرات غربية بلا تكييف، تتحول إلى ضغط شكلي، أو إلى لعبة “أرقام” لا تحسن جودة العمل.

ما نحتاجه ليس رفض القياس، بل جعله أكثر واقعية:

قياس يراعي إيقاع اليوم، ويعترف بأن الطوارئ حقيقة، ويقيس أثر المقاطعات، ويكافئ الوضوح، لا مجرد الحضور.


الخلاصة

تقول النتائج شيئًا بسيطًا: الموظفون في العالم العربي يملكون طاقة إنتاجية واضحة—خصوصًا في الصباح—لكنها تتآكل بسبب المقاطعات والمهام الطارئة غير الموثقة. كما أن اعتمادهم المتزايد على أدوات التنظيم الرقمية يشير إلى رغبة حقيقية في العمل بطريقة أكثر وضوحًا.

الشركات التي تفهم كيف يمر يوم موظفيها فعليًا تستطيع أن تعيد تصميم هذا اليوم: تحمي ساعات التركيز، وتضبط مسار الطوارئ، وتوحد القنوات، وتستخدم التقنية لخدمة الناس لا لمراقبتهم.

وهنا تظهر قيمة منصات مثل Bitrix24 حين تُستخدم بوصفها مساحة عمل مرجعية تجمع المهام والتواصل والتوثيق في مكان واحد، فتقلّ فوضى المتابعة ويصبح العمل أكثر قابلية للقياس والتحسين. لأن الإنتاجية في النهاية ليست مسألة وقت فقط، بل مسألة إدارة ذكية للطاقة البشرية والأدوات معًا.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.