مستقبل العمل لا يكمن في مزيدٍ من أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في بيئات عملٍ تتجاوب فعلاً
بقلم إرتوغ آيِك، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في HP Inc.
أنفقت المؤسسات العقد الماضي في استثمارات ضخمة في تقنيات الأجهزة الطرفية الأكثر ذكاءً. فأجهزة الكمبيوتر المخصصة للأعمال وأدوات التعاون والأجهزة المحمولة باتت اليوم مزوّدة بمعالجات متقدمة وقدرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي واتصال عالي الأداء صُمّمت لتحسين إنتاجية مكان العمل. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يزال الاحتكاك جزءًا متأصلاً من تجربة العمل اليومية.
لا يزال الموظفون يهدرون الوقت في نقل الملفات بين الأجهزة القريبة، وإعداد غرف الاجتماعات، وإدارة الانتقال بين أجهزة الكمبيوتر المحمولة والشاشات والطابعات وأنظمة الاجتماعات. ومع تحوّل العمل الهجين إلى نموذج تشغيلي أكثر شيوعاً، لم تعد أوجه القصور هذه مجرد مضايقات تقنية بسيطة، بل باتت تمثّل فجوة إنتاجية بنيوية بين ذكاء الجهاز وذكاء البيئة التي يعمل ضمنها.
ستتحدد المرحلة المقبلة من تحوّل مكان العمل بمدى فعالية المؤسسات في سدّ تلك الفجوة.
الطبقة الخاطئة
بُنيت تقنيات مكان العمل عموماً حول الجهاز الطرفي الفردي بدلاً من المساحة التي تعمل فيها هذه الأجهزة. والنتيجة مجموعة من الأجهزة عالية الكفاءة التي لا تتواصل فيما بينها بشكل طبيعي، مما يضطر الأشخاص إلى سدّ الفجوات يدوياً. فكل حلّ التفافي بالكابلات، وكل عملية رفع إلى السحابة لمشاركة ملف داخل الغرفة، وكل محاولة فاشلة لعرض الشاشة، هي مقاطعة تتراكم عبر الفرق والأرباع السنوية لتتحول إلى أمرٍ نادراً ما تقيسه المؤسسات لكنها تشعر بأثره باستمرار.
في مؤتمر HP Imagine 2026، سلّطت HP الضوء على مصدر الموجة المقبلة من مكاسب الإنتاجية. ويقع في صميم ذلك HP IQ – وهي طبقة ذكاء جديدة صُمّمت لتجمع بين الاتصال السلس وتنسيق الذكاء الاصطناعي وتجارب مستخدم أكثر تخصيصاً عبر الأجهزة والتطبيقات ومساحات العمل. وبدلاً من العمل ضمن جهاز واحد، تستخدم ذكاءً اصطناعياً محلياً واتصالاً قائماً على القرب لمساعدة الأجهزة على تبادل السياق والاستجابة بشكل أكثر طبيعية لبيئة المستخدم.
أحد الأمثلة على كيفية تجسّد ذلك واقعياً هو HP NearSense. فهو مبني على بنية اتصال بين الأجهزة، ويتيح لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة القريبة الاتصال فوراً، مما يجعل من الممكن نقل المحتوى وسير العمل بسلاسة دون مقاطعة تجربة المستخدم.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور الذكاء الاصطناعي في تبسيط سير العمل على مدار يوم العمل. فبدلاً من اضطرار الموظفين إلى التنقل المستمر بين التطبيقات والواجهات، صُمّمت HP IQ لجعل التفاعلات تبدو أكثر بداهة من خلال الذكاء المدمج في الجهاز. ويمكن للموظفين تلخيص الملفات وتدوين ملاحظات الاجتماعات وإنجاز المهام الروتينية بشكل أكثر طبيعية عبر الذكاء الاصطناعي المحلي، مع الحفاظ على الخصوصية من خلال المعالجة المحلية.
وفي الوقت نفسه، تزداد تقنيات مكان العمل طابعاً شخصياً وبداهة. ومع تنامي اندماج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، سيتوقع الموظفون بشكل متزايد تقنية تتكيف مع الطريقة التي يعملون بها على أفضل وجه، بدلاً من إجبارهم على التعامل مع أنظمة جامدة وأدوات غير مترابطة.
ويتجلى الأثر بوضوح في تفاصيل العمل اليومية. فنقل ملف بين زملاء في الغرفة نفسها يصبح عملية سحب وإفلات آمنة تُنجز في ثوانٍ. والانضمام إلى اجتماع في غرفة الاجتماعات يصبح بنقرة واحدة. وقريباً، سيتم عرض الشاشة على شاشة قريبة عبر اكتشاف القرب، مما يلغي الحاجة إلى خطوات اتصال تستهلك الوقت. ومع مرور الوقت، ستعمل الطباعة دون تثبيت برامج تشغيل. وهذه ليست ميزات تحتاج إلى شرح لأي شخص أهدر وقته في غرفة اجتماعات محاولاً تشغيل التقنية بسلاسة.
سؤال الحوكمة الذي يطرحه مدراء تقنية المعلومات فعلاً
مع تزايد وعي تقنيات مكان العمل بالسياق وترابطها، يركّز قادة المؤسسات بشكل متزايد على كيفية إدارة هذه التجارب بأمان ومسؤولية. وبالنسبة للمؤسسات التي تعمل في ظل توقعات متنامية بشأن إقامة البيانات والحوكمة الرقمية، تبقى الرؤية والتحكم أمرين أساسيين.
ويكمن الجواب في كيفية تصميم هذه الأنظمة. فعندما يعمل الذكاء بشكل أساسي على مستوى الجهاز، فإنه يقلل من مخاطر التعرّض ويبقي التحكم أقرب إلى المؤسسة. وهذا أمر مهم لأن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في مكان العمل كثيراً ما تعامل مع الإنتاجية والحوكمة باعتبارهما أولويتين متنافستين. فالمؤسسات المستعدة لقبول قدر أقل من التحكم تحصل على مزيد من السلاسة، والمؤسسات التي تصرّ على التحكم تقبل مزيداً من الاحتكاك.
والذكاء المكاني، حين يُطبّق عبر المعالجة المحلية على الجهاز والاتصال المحكوم بالسياسات، يجعل من ذلك خياراً زائفاً. فتصبح الحوكمة جزءاً من البنية ذاتها، لا قيداً مفروضاً فوقها.
التداعيات الاستراتيجية على المؤسسات
وجد مؤشر HP لعلاقة العمل لعام 2025 أن 20% فقط من العاملين يصفون علاقتهم بالعمل بأنها صحية، وأن الموظفين المزوّدين بالأدوات المناسبة أكثر ميلاً للشعور بالإيجابية تجاه وظائفهم. وهذا يتجلى بالفعل عملياً: إذ يستخدم 42% من الموظفين الذين يتمتعون بعلاقة عمل صحية أدوات الذكاء الاصطناعي يومياً، مما يؤكد مدى تجذّر التقنية في تشكيل تجارب عمل أفضل.
وفي وقتٍ تشتد فيه المنافسة على المهنيين المهرة وتتحول فيه ترتيبات العمل الهجين إلى القاعدة، يكتسب هذا الارتباط ثقلاً استراتيجياً. فلم يعد المعيار هو ما إذا كان الجهاز مدعوماً بالذكاء الاصطناعي – فمعظمها كذلك – بل ما إذا كان مكان العمل نفسه ذكياً بما يكفي لفهم السياق والحفاظ على الاستمرارية على مدار يوم العمل وخلق تجارب تبدو مترابطة ومخصصة.
إن تحسين الأجهزة الطرفية مشكلة تم حلّها؛ أما التحدي المتبقي فيكمن في البيئة. والمؤسسات التي تستثمر في تجارب عمل أكثر ترابطاً وبداهة وقابلية للتكيّف ستكون في موضع أفضل لتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز رضا الموظفين وتشكيل مستقبل عمل أكثر تجاوباً.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
LEAP26