معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا يحقق إنجازًا رائدًا في رقائق السيليكون والألياف الضوئية
يعمل باحثون في معهد كالتيك على محاكاة الأداء العالي للألياف البصرية على رقاقات السيليكون.
تتيح تقنية طباعة ضوئية تشكيل موجهات ضوئية على الشرائح تقلل فقدان الضوء بشكل كبير.
الإنجاز في نقل الضوء المرئي يمهد لاستخدامات متقدمة في الاستشعار والأجهزة الذرية الدقيقة.
هذا التطور يساهم في تقليل استهلاك الطاقة وتحسين كفاءة مراكز البيانات والتطبيقات الكمومية.
الرقائق الفوتونية تصبح منصة متكاملة للقياس والحوسبة عبر الضوء بدلاً من الوسائل التقليدية.
حين نضغط زر الاتصال أو نفتح تطبيقاً سحابياً، نادراً ما نفكر في الرحلة التي تقطعها البيانات داخل أسلاك الألياف البصرية. الضوء يعبر آلاف الكيلومترات بخسارة شبه معدومة، حاملاً المكالمات والبث والذكاء الاصطناعي في صمت. لكن ماذا لو استطاعت شريحة سيليكون بحجم بضعة سنتيمترات أن تحاكي ذلك الأداء نفسه تقريباً؟
هذا ما يعمل عليه باحثون في معهد كالtech، حيث نجحوا في نقل خصائص الألياف البصرية فائقة النقاء إلى رقاقات فوتونية مصنّعة على نفس رقاقات السيليكون المستخدمة في صناعة المعالجات. النتيجة ليست مجرد تحسين تدريجي، بل قفزة في تقليل فقدان الضوء، خصوصاً في نطاق الضوء المرئي، وهو نطاق كان يمثل تحدياً تقنياً للدوائر الفوتونية المتكاملة.
من لفائف الألياف إلى رقائق السيليكون
الألياف البصرية تحقق أداءها بفضل نقاء الزجاج وسلاسة السطح على مستوى ذري، ما يسمح للضوء بالانتقال لمسافات طويلة مع حد أدنى من الامتصاص والتشتت. التحدي كان دائماً كيف يمكن نقل هذه الجودة إلى شريحة صغيرة تحتوي على ممرات ضوئية نانوية تُعرف بالموجّهات.
الفريق اعتمد على مادة جيرمانو سيليكات، وهي نفس الزجاج المستخدم في الألياف، وطوّر أسلوب تصنيع قائم على الطباعة الضوئية يتيح تشكيل موجّهات مرتبة بشكل لولبي يطيل المسار البصري داخل الشريحة. عملياً، الضوء يسلك مساراً يشبه لفة ليف بصري مضغوطة داخل بضعة مليمترات.
لماذا الضوء المرئي مهم لهذه الدرجة؟
معظم المنصات الحالية في الفوتونيات المتكاملة تعتمد على نيتريد السيليكون وتؤدي جيداً في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، وهو النطاق الشائع في الاتصالات. لكن عندما ننتقل إلى الضوء المرئي، حيث تعمل العديد من التطبيقات الذرية وأجهزة الاستشعار عالية الدقة، ترتفع الخسائر بشكل ملحوظ.
بحسب ما نشر في دورية Nature، تمكن الباحثون من خفض الفقدان في النطاق المرئي إلى مستويات تتفوق بعشرين مرة على الأرقام القياسية السابقة لنيتريد السيليكون. هذه الأرقام ليست تجميلية، بل تعني أن الضوء يمكنه الدوران داخل الرنانات الضوئية لفترة أطول بكثير، ما يحسن جودة الإشارة والتماسك الليزري.
تماسك أعلى.. وأثر يتضاعف
في أنظمة الليزر المعتمدة على الرنان الحلقي، كل انخفاض بمقدار عشرة أضعاف في الفقدان يؤدي إلى تحسن يقارب مئة ضعف في التماسك. هذه المضاعفة تفتح الباب أمام ساعات ذرية مصغرة، وأجهزة جيروسكوب فائقة الدقة، وحتى أنظمة حبس أيونات للحوسبة الكمومية على مستوى الشريحة.
- تحكم أفضل في استقرار الترددات الضوئية.
- تقليل استهلاك الطاقة في مراكز البيانات التي تعتمد على الاتصالات الضوئية.
- إمكانية دمج الحساسات الذرية في أجهزة أصغر حجماً.
تقنياً، هذا يعني أن الشرائح الفوتونية لم تعد مجرد وسيط لنقل البيانات، بل منصة لأدوات قياس علمية كانت تتطلب يوماً مختبرات كاملة.
البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أيضاً
بعيداً عن المختبرات الفيزيائية، هناك تأثير مباشر على البنية التحتية الرقمية. مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تستهلك طاقة هائلة لنقل البيانات بين المعالجات عبر وصلات ضوئية. كل خسارة في الإشارة تعني تضخيماً إضافياً وطاقة أكبر.
موجّهات منخفضة الفقدان تعني نقل ضوئي أكثر كفاءة، وتكاملاً أسهل بين الليزرات وألياف الاتصالات، ما يقلل التكلفة التشغيلية على المدى الطويل. في سوق يتجه نحو تكثيف المعالجة ونقل أحجام بيانات غير مسبوقة، يصبح كل ديسيبل من الفقدان عاملاً اقتصادياً، لا فيزيائياً فحسب.
خطوة ضمن مسار أطول
رغم التقدم الواضح، يؤكد الباحثون أن الطريق لم يكتمل بعد. الأداء يقترب من الألياف البصرية، لكنه لا يطابقها تماماً. ومع ذلك، فإن القدرة على تصنيع هذه الدوائر على رقاقات 8 و12 بوصة المستخدمة في الصناعة الإلكترونية تمنحها ميزة تصنيعية حاسمة.
التحول هنا ليس في مادة جديدة فحسب، بل في فكرة أن الشريحة قد تصبح بيئة ضوئية متكاملة تنافس البنية التقليدية للألياف. ومع استمرار البحث، قد نجد أنفسنا أمام جيل من الرقائق التي تتعامل مع الضوء ليس كإشارة عابرة، بل كبنية أساسية للحوسبة والقياس والاتصال.
في النهاية، ما يحدث داخل هذه الموجّهات النانوية يذكرنا بأن مستقبل التقنية لا يُبنى دائماً على إضافة طاقة أكبر أو حجم أكبر، بل أحياناً على تقليل الخسارة إلى الحد الذي يسمح للضوء أن يحتفظ بصوته أطول مما اعتدنا.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.


