متى تبدأ حياتنا إذاً؟

مفارقة الحاضر
عبدالرحمن عرفة
عبدالرحمن عرفة

6 د

“أعترف أني لم أعد شجاعاً أبداً يا عزيزتي. هذا العالم نشيده فينهار، ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن!” – آرنست هيمنغواي

العالم ما بعد كورونا. العالم ما قبل كورونا. العالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. العالم ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. العالم ما قبل حروب الخليج. العالم ما بعد حروب الخليج. العالم قبل احتلال العراق. العالم بعد احتلال العراق. العالم قبل الحرب العالمية. العالم بعدها. العالم قبل دخولي للحمام. العالم ما بعد خروجي منه. العالم ما قبل.. (فراغ املأه أنت كما تريد). والعالم ما بعد.. (الفراغ نفسه).

كلها محاولات يسعى الإنسان أن يقنع نفسه من خلالها، أن حدثاً ما سيحصل وأن التغيير سيتم، فلا بد أن أنتظر تلك اللحظة. لحظة الانعطاف القادمة -سواءً للأفضل أم للأسوأ- حينها سأقوم بالتحرك، في محاولة بائسة لرهن الحاضر بقبضة المستقبل الذي سيأتي، فلا تكن بذلك أهمية من التركيز في اللحظة الحالية، كون هناك تبدّل في الظروف سيحدث فلا بد من الانتظار قليلاً.

لكن ماذا لو طال الترقّب كثيراً؟ وتلاشى الحاضر من بين أيدينا، وأصبح المستقبل غير معينٍ أبداً؛ بل أقرب لحالة من الغموض والتكهن؟

“لكن دعني أخبرك بشيء مهم، لا تقضِ حياتك بأن تنتهي الفترة كذا والفترة كذا. أن تنتهي فترة الدراسة، أن تنتهي فترة التجنيد الإجباري، أن تنتهي فترة انتدابك في كينيا… إلخ. لسوف تجد أن حياتك صارت مجموعة من الفترات يجب أن تنتهي، ثم تكتشف أنك بلغت نهاية العمر ولم تنعم بحياتك يوماً واحداً، يجب أن تستمتع بكل فترة كأنها هي الصورة الوحيدة النهائية لحياتك” – أحمد خالد توفيق

في فيزياء الفوضى على سبيل المثال، تصنّف أنظمة الشواش لقسمين. نظام شواش من الدرجة 1. ونظام شواش من الدرجة 2. يمكن القول أنّ الحياة بما فيها من أيام تأتي وحيوات تُعاش، تقع ضمن نظام الشواش الثاني. فالنظام من الدرجة الأولى هو نظام لا يتفاعل مع المدخلات والتفاعلات والشروط الأولية، أي أنه ثابت، وبالتالي يترتب عليه نتائج محددة مسبقاً قابلة للتنبؤ، كونَ لا وجود للارتياب في شروطه البدائية. مثلاً، لنتخيل أن: (2+2 = 4).

ذو صلة

هل يمكننا أن نؤثر على أو نتفاعل مع هذه الأطراف؟ هل بالإمكان مثلاً أن يموت والد الرقم 2 فجأة فتتعطل وظيفته ولا يجمع نفسه مع نفسه ويؤدي إلى 4؟ قطعاً لا. هو ثابت لا يتفاعل مع المدخلات. فتكون النتيجة دائماً قابلة للتوقع، وهذا ينطبق على الرياضيات والكيمياء والعلوم الصلبة.

على العكس تماماً، يأتي نظام الفوضى من الدرجة الثانية والذي صنفنا الحياة ضمنه، ويمكن أن نضع التاريخ أيضاً، فهو نظام يتفاعل مع المدخلات والمعطيات، وتكون ضريبة هذا التفاعل والمرونة في الشروط البدائية أن التنبؤ بما سيحصل يصبح شبه مستحيل.

على سبيل المثال، لدينا مجموعة من البشر البدائيين اضطروا للهجرة إلى مكان ما سالكين دروب الغابات. على طريق الذهاب يمكن للكثير من التفاعلات أن تغيّر النتيجة وتجعل التنبؤ بالمصير صعباً؛ فمن الممكن أن يكون هناك نهر ما يقطع مسيرة هذه المجموعة، ومن الوارد أن يُواجه هؤلاء المهاجرون بقطيع من الحيوانات المفترسة فيأكلونهم، ومن الممكن أن يموتوا من الجوع على الطريق بسبب قلة المخزون الغذائي.. إلخ.

عودةً إلى كورونا، وإلى أننا في النهاية مجرد بشر ضعفاء نخضع لقوانين الطبيعة ونؤثر في مدخلاتها، يمكننا القول أنّ المستقبل دائماً ما سيكون ضبابياً غير قابل للتوقع إلا في نطاقه القريب. أي أننا كالسيارات التي تملك ضوءاً يُنير قُبالتها فقط. ضوء محدود للأمام ليس إلا، أما أن تقول أنّنا طائرات حوامة ترى للأمام والخلف والأطراف فهذه مجازفة كبرى ستأتي أقرب “بجعة سوداء” بلغة نسيم طالب لتحطّم مسيرتها.

الدافع لقول هذا الكلام، تلك التنبؤات الأخيرة بخصوص فيروس كورونا وكيف أن الجميع يستشرف ما سيحصل. الصين ستصعد. النيوليبرالية ستسقط. العالم سيتوحد. الاقتصاد سينهار. أمريكا إلى زوال. كروش الناس إلى نمو… إلخ.

قد يسأل أحدهم ويقول: انظر هذه توقعات. ألم تقل الآن أن التاريخ بما فيه من حيوات هو نظام فوضى من الرتبة 2؟ أي أنه غير قابل للتوقع والتنبؤ، انظر هذه توقعات وتنبؤات!

في الحقيقة هذا الكلام ليس صحيحاً، لأن هذه ليست تنبؤات من شروط بدائية أبداً، بل هذه أصبحت في مرمى البصر تماماً. أن تقول أنّ الاقتصاد سينهار وأن الولايات المتحدة ستضرر ليس توقعاً، بل أمر يمكن استنتاجه بسهولة كونه أصبح في نطاق رؤية ضوء السيارة الأمامي الخاص بنا، أي أنه قريب جداً. مَن لا يراه يكن ضعيف البصر. التنبؤ الحقيقي هو ذلك الذي يكون بعيداً لا يملك سوى صيغة بسيطة. حالة أشبه بالإنسان الأعلى لفريدريش نيتشه على بعد قرن من الآن وليس على بعد أشهر من كارثة واضحة نتائجها للعيان وحدث مثيلها من قبل عشرات المرات!

فالظاهر لنا جميعاً أننا لا نملك المستقبل، والأكثر من هذا، أننا خسرنا الماضي، وقلة هم من تعلموا منه. ففي ظل كل هذا التيه، يبقى الأهم أن نمسك الذي بين أيدينا. هذا الحاضر المظلوم دائماً في جميع السرديات والأدبيات، الجميع إما يتفاءل بالمستقبل أو يندب حظه على الماضي الجميل الذي فقده، ودائماً ما يكون الحاضر هو الضحية المظلومة، فيغدو مداساً للأقدام على عتبة أمنيات ستأتي وحسرات كانت قد رحلت.

إلا أن الحقيقة عكس ذلك. فبالرغم من أن الجميع ليسوا من مؤيدي الحاضر، يجب أن نكون صرحاء ونقول أنّه هو متهرّب وزئبقي إلى حد كبير، إذ لا يحب لأحد أن يمسكه، فهو نخبوي لا يهب نفسه لأي شخص كان. فكّر معي للحظة في مقدمة هذا المقال الذي تقرأه الآن. أين هي المقدمة؟ أصبحت ماضي. لقد قرأتها وانتهيت منها. إذن، أين هي الخاتمة؟ لا تزال الخاتمة في حيّز المستقبل فأنت لا تراها.

أوقف الزمن للحظة وقُل لي، أين أنت؟ أنت موجود في الحاضر حالياً. لكن أي حاضر؟ الكلمة التي قرأتها مؤخراً ذهبت. والآن كلمة ذهبت قد ذهبت! أصبحت ماضي. والكلمة القادمة لا تزال مستقبلاً! وهكذا مع الأحرف كلها! كيف نضبط الحاضر إذاً؟ فأي شيء قبل وصولي إليه هو مستقبل، وبعد وصولي إليه يُصبح ماضياً؟ كيف أقبض على الحاضر بيدي؟

ربما الحل كان عند الفلسفات الشرق آسيوية التي أشادت دائماً بالتأمل واستحضار الذهن والتركيز، لدرجة أن أحد الرهبان كان عندما يُدخل لقمة طعام لفمهِ، يستمر بمضغها لمدة طويلة. يريد القبض على الحاضر بهذه اللقمة الصغيرة. فهي سرعان ما تذوب وتنزل وتصبح ماضياً. وما قبل ذلك تكون مستقبلاً أثناء تحضيره إياها.

أما لحظة الحاضر فهي شديدة الحساسية، تحتاج حضوراً، تركيزاً. وليس لأي أحد القدرة على ذلك.

“أدركنا منذ زمن طويل أنه ليس بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره نحو الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس نحو الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة، وهي ألا نأخذه على محمل الجد” – ميلان كونديرا

دع عنك العالم يا عزيزي. العالم ما بعد كورونا وما قبلها. العالم ما قبل كوراثه والعالم كما بعد كوارثه. أنزل هذا العالم الثقيل عن كتفك الواهن ولا ترهق نفسك، إنه يدور في حلقته المفرغة منذ زمن. ليس شيئاً جديداً. ما يعنينا هو التركيز على ما بين أيدينا. أين هي مقدمة المقال؟ أصبحت ذكرى الآن.. أين هو ما ستفعله لاحقاً؟ لا يزال مستقبلاً. إما مستقبل قريب تدركه كضوء السيارة في مرمى النظر، أو ذلك البعيد غير القابل للتوقع كما في أنظمة الفوضى والشتات.

ما نملكه حيّز ضئيل جداً وغير منضبط من الحاضر، سدد عليه. لأساعدك الآن قليلاً. لنبطئ وتيرة هذا المقال. لنبطئ صوت القراءة في ذهنك الآن، الصوت الذي تتخيله كصوت لي وأنا أكتب. أبطئ قليلاً… أبطئ أكثر.. أبطئ أكثر وأكثر…

هل أمسكتها؟ اللحظة الحاضرة؟ تلك اللحظة الزئبقية الخجولة؟

الإنسان هو الغائب الحاضر دائماً. إما أن يُخدّر نفسه في الماضي فيضع قدمه الأولى فيه. أو ينتشي بالمستقبل غير المعين ليضع قدمه الأخرى في نطاقه، فيركله الحاضر بين ساقيه، فلا يبقَ هناك عليه عتب، وتكون النتيجة الحتمية ضياع الماضي والمستقبل معاً. كون الزمن هو سهم فيزيائي ثابت قابل للتنبؤ والتوقع، وبمجرّد أن كنت صفراً في الحاضر، ستكون صفراً في المستقبل وصفراً في الماضي كتحصيل حاصل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة