الفوتبول الأمريكي.. لماذا تعتبر من أخطر الرياضات في العالم؟

الفوتبول الأمريكي
نور حسن
نور حسن

5 د

جميعنا شاهدنا كرة القدم أو الفوتبول الأمريكية American Football من خلال الأفلام التي تبجل تاريخ أمريكا، حيث ظهرت هذه اللعبة بعد صراع ثقافي مع الإنجليز عندما حاولوا إيجاد لعبة وطنية تميزهم عن باقي العالم فعمدوا إلى دمج لعبة الرجبي مع لعبة كرة القدم الشائعة، فهل كان هذا الدمج موفقًا؟ وكيف أصبحت أشهر لعبة رياضية سببًا في وفاة عشرات اللاعبين؟


بداية الفوتبول الأمريكي

في البداية من المهم فهم العقلية الأمريكية حتى نتمكن من فهم هذه الرياضة، لأن الشعب الأمريكي شعب انتقائي جدًا، ويسعى أن يكون متميزًا في أي شي يحيط به، وهذا يفسر ظهور البطل في الأفلام الأمريكية بأنه لا يقهر ويمكنه الغوص في حقل ألغام ويخرج منها دون أي خدش يُذكر، من هذا المنطلق بحث الأمريكيون عن لعبة فريدة لا تشبه كرة القدم التقليدية الشائعة وتحتوي بعضًا من رياضة الركبي الشهيرة لدى الإنجليز، فقاموا باختراع رياضة ملعبها يشبه ملعب كرة القدم تتمحور حول إيصال كرة أسطوانية الشكل إلى أرض الخصم، وعلى الرغم من تسميتها كرة القدم لكن يمكن مسكها باليد مثل كرة الركبي مع مجموعة من المعدات الرياضية تشمل الخوذة ومجموعة من الوسادات تحمي الأعضاء الرئيسية في الجسم وأحذية مزودة بمسامير للتثبيت بأرضية الملعب.

تشتهر اللعبة بالتنافسية العالية والعنف البدني، وتعتمد على مجموعة من اللاعبين مع قوة جسدية كبيرة، وتعد إحدى أكثر الرياضات إثارةً للجدل حيث شهدت ملاعب هذه الرياضة موت لاعبين على أرضها في مشهد تراجيدي مؤسف أمام ملايين المشاهدين، وهذا ما يجعلنا نتساءل: ما هو المغري في مشاهدة مجموعة من الرجال يتنازعون بشكل دموي للتقدم بضعة ياردات في أرض الخصم؟


"لاعبو كرة القدم مثل البغايا، يعملون على تدمير أجسادهم من أجل متعة الغرباء"

في عام 1904 ذكرت صحيفة شيكاغو تريبيون وجود 18 حالة وفاة و159 إصابة خطرة وومميتة مثل انقطاع في الحبل الشوكي وكسور في الضلوع والجمجمة خلال دوري الجامعات لكرة القدم الأمريكية بسبب عنف الرياضة نفسها، ووصفت بعض الصحف حمامات الدم في الجامعات بالمذابح الجماعية، وقال رئيس جامعة هارفارد بأنها أكثر وحشية من الملاكمة ومصارعة الثيران، مما جعل الرئيس ثيودور روزفلت يصدر قرارًا بمنع العنف في هذه اللعبة ويشجع على اللعب النظيف لإنقاذ الشباب من الموت الحتمي، لكن سنة 1905 جاءت أعنف من السنة الفائتة وسميت "بحصاد الموت" وارتفعت الوفيات إلى 19 حالة وفاة مع 137 إصابة خطرة من بينها ابن الرئيس روزفلت نفسه، وكأن الشعب الأمريكي يقول "جوهر هذه اللعبة هو وحشيتها".

ذو صلة

يقال إن الرئيس روزفيلت أحب رياضة الفوتبول كثيرًا واعتبر استمراريتها واجبًا وطنيًا لأنها تمثل اللعبة الشعبية للبلاد كما أن إيراداتها تجاوزت الملايين ورفض أن تكون نهاية اللعبة بسبب هذه الحالات، واستخدم نفوذه لحث سلطات كرة القدم من أجل إجراء تغييرات جذرية في قواعد اللعبة وجعلها أقل ضررًا على اللاعبين، نتيجة لذلك تم إلغاء التشكيلات الجماعية الخطيرة وعمد المدربون إلى إيجاد منطقة محايدة بين الهجوم والدفاع، وحصلت اللعبة على مجموعة من التغييرات التي ساهمت في انخفاض عدد الوفيات إلى 11 حالة سنوية تقريبًا وبقيت اللعبة الأشهر حتى يومنا هذا، لكنها لا تزال من الرياضات الخطرة والتي تهدد حياة اللاعبين بشكل حتمي، فلماذا يدمن الجمهور على هذا العنف؟

في عام 1903 قال الرئيس روزفيلت للجمهور: "أنا أؤمن بالألعاب العنيفة والرياضات الرجولية الخشنة".


الفوتبول الأمريكي و المعضلة الأخلاقية

معظم الرياضات حول العالم تتمتع بنسب معينة من المخاطر، لكن الإصابات في الفوتبول الأمريكي حتمية وتتسبب بأضرار دائمة وخاصة في الدماغ بسبب الصدمات المتتالية والتي ترتبط بمرض الدماغ التنكسي المعروف باسم اعتلال الدماغ الرضحي المزمن أو CTE.

في دراسة أجريت على 202 لاعب كرة قدم أمريكي توفي منهم 111 لاعبًا من الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية للمحترفين (NFL )، تم تشخيص 177 لاعبًا بمرض اعتلال الدماغ الرضحي المزمن أي (87%) من اللاعبين تم تشخيصهم بالمرض، لكن المثير للدهشة أكثر أن 110 من لاعبي الدوري المحترف تم تشخيصهم بالمرض، ما يعني أن 99% من اللاعبين المحترفين أصيبوا بـ اعتلال الدماغ.

تشير الدراسة إلى أن احتمالية الإصابة بالمرض مرتبطة بشكل كبير بالمشاركة السابقة في كرة القدم، ويمكن أن يكون لإصابات الدماغ آثار قصيرة وطويلة المدى على حياة الرياضيين ومسار حياتهم، وخاصة الارتجاجات و الإصابات العظمية بالإضافة لفقدان في الذاكرة ونوبات غضب وخرف واكتئاب يمكن أن تؤدي للانتحار.

قامت جامعة هارفارد بدراسة حديثة عام 2017 على لاعبي كرة القدم ووجدت أن اللاعبين الذين يمارسون هذه اللعبة طوال حياتهم (أو حتى في العشرينيات فقط) معرضون للإصابة بالتهاب المفاصل بنسبة أعلى بثلاث مرات، كما أنهم معرضون لخطر ارتفاع ضغط الدم في العشرينيات من عمرهم بمقدار الضعف مقارنة مع الأشخاص العاديين الذين لايمارسون هذا النوع من الرياضة، كل هذه الدراسات وحقيقة أن رياضة كرة القدم الأمريكي هي رياضة مميتة جعلت بعضًا من الشعب الأمريكي في حالة حيرة، هل يستمرون في تشجيع واحدة من أمتع الرياضات على الرغم من معرفتهم بآثارها المميتة على اللاعبين؟

كتب الصحفي "جو دراب" joe Drape في صحيفة نيويورك تايمز في فبراير 2018 مقالًا بعنوان "المعضلة الأمريكية: لماذا مازلنا نشاهد كرة القدم؟" وقام بسؤال قس كاثوليكي يدعى "جيمس مارتن"عما إذا كان من الخطأ من الناحية الأخلاقية الاستمتاع بمشاهدة السوبر بول، لكن الغريب أن القس أجابه بأنه يستمتع أيضًا بمباريات كرة القدم على الرغم من العنف الكبير، وأرفق المقال بدراسات تؤكد أضرار اللعبة على الرياضيين والأرقام الهائلة للجمهور المتابع لها، لدرجة أن أحدهم علق قائلًا "أشعر بالحرج من مدى حبي لكرة القدم".

يمكن القول إن العنف هو مفتاح فهم الشخصية الأمريكية التي ساعدت في استمرار مثل هذه الرياضات المميتة، ويمكن مشاهدة ذلك في تاريخهم وأفلامهم التي تعتمد على الحروب والقوة العضلية والأكشن، بالإضافة للصورة النمطية التي تشجع لها الثقافة الغربية وهي مفهوم average Joe أي الشخص ذو القدرات المتوسطة الذي يستطيع بإصراره وعزيمته تحقيق أعلى النتائج كما في لعبة الفوتبول الأمريكي التي لا تحتاج لقدرات ومميزات خارقة وإنما الجري وتفادي الخصم والنصيب الأكبر للمجهود والعزيمة التي تجعلك تتخطى حدود الخصم.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات