معضلة الأقليات .. كيف تخفي مشاكلك وتبررها دون أن تواجه نفسك بالحقيقة

الأقليات
0

وفق المعنى المتعارف عليه للأقليات، فالأقلية هي أي جماعة تشكل جزءاً صغيراً فقط من عدد أفراد مجتمع أكبر، وبالنتيجة تعاني من بعض التمييز ضدها من قبل فئة أكبر عدداً وبالنتيجة أكثر سلطة. وعادة ما يتم تصنيف الأقليات وفقاً لميزات واضحة إما ظاهرية مثل العرق أو القومية أو الجنس، أو أنها فكرية مثل الدين والتوجهات السياسية والفلسفية والميول الجنسية والهوية الجندرية حتى.

بشكل مثير للاهتمام، كلمة الأقلية لا تعني قلة العدد بالضرورة، فمع أن الغالبية العظمى من الأقليات تعاني من كونها ذات عدد صغير وسط جماعة أكبر عدداً ومختلفة بأحد المعايير، فبعض الأقليات مختلفة بهذا الخصوص، حيث أن تعرض الإناث للتمييز ضدهن والحرمان من المساواة في الحقوق ضمن الكثير من المجتمعات يعني أنهن يصنفن كأقليات في كثير من الحالات ولو أنهن أكثر عدداً من الذكور عادة، وبنفس الشكل فقد كان السود يعدون أقلية في جنوب أفريقيا عندما كانت محكومة من قبل نظام أبارتيد العنصري مع أنهم يشكلون أكثر من 75% من السكان.

أهم الأعمال الكلاسيكية في الأدب الكردي

معظمنا أقليات بشكل أو بآخر

لدى التفكير بالأقليات، عادة ما ينجذب تفكير معظم الأشخاص إلى الولايات المتحدة (نتيجة تأثيرها الثقافي الهائل) وحالة الأفارقة فيها كأقلية بينما البيض الأوروبيون هم الأكثرية، لكن وبغض النظر عن هذه التصور المعتاد والواضح ربما كونه يتناول لون البشرة، فالمجتمعات الشرقية والغربية متخمة بمختلف أنواع الأقليات في الواقع، وفي حال فكرت بالأمر هناك احتمال شبه مؤكد بأنك تنتمي لأقلية من نوع ما.

من حيث المبدأ ربما تكون ذكراً من الفئة العرقية الأساسية في بلدك ومن الدين والطائفة المهيمنين ومن عائلة ثرية كذلك مما يضعك ضمن عدة أكثريات، لكن بالمقابل قد تكون كارهاً لكرة القدم ببساطة أو أنك حتى تعاني من حساسية لمشتقات الحليب، ومع أن تفصيلاً كهذا يبدو تافهاً كون الصراع حوله ليس كبيراً حقاً، فهو بالنتيجة يعني أنك أقلية.

الأقليات العرقية

كون شخص ما من أقلية لا يعني بالضرورة كونه مضطهداً، وهذا الأمر مهم للغاية في الواقع حيث الأقليات غير متساوية بمقدار التمييز ضدها في الواقع. حيث من الممكن أن تنتمي لأقلية وتعيش حياتك دون أن تفكر بالأمر حتى لأنه لا يؤثر عليك حقاً، كما من الممكن أن تنتمي لأقلية وتعاني الأمرين في حياتك إلى درجة تجعلك تختزل كيانك بأكمله ضمن هذه الأقلية، ولا تعود شخصاً مع العديد من الميزات بل تتحول بنظر نفسك إلى مجرد صفة واحدة ربما تكون طائفتك أو لون بشرتك أو قوميتك أو مدينتك أو حتى توجهك الجنسي.

ما بين الحالتين المتطرفتين أعلاه، وبين الأبيض والأسود هناك الكثير من تدرجات الرمادي، حيث أن معظم أتباع الأقليات لا يقضون حياتهم دون انتباه، لكن بنفس الوقت لا يحصرون أنفسهم بكونهم من هذه الأقلية نتيجة الحرب الشديدة ضدهم، بل أن معظم الأشخاص يتعرضون ببساطة للمضايقات والتمييز الذي يحد من قدراتهم أحياناً لكنه لا يشلها بشكل كامل تماماً.

فيروزة عزيز تضرب عصفورين بحجر واحد: الحكومة الصينية وحيادية السوشال ميديا

مشكلة تعريف النفس كجزء من الأقلية

لكل إنسان كان كبيراً أم صغيراً الكثير من الميزات والخصال التي تميزه، سواء كانت هذه الميزات جسدية وظاهرية أم أنها ببساطة فكرية فقط، ومع أن معظم الأشخاص يمكن وصفهم عادة بعدة صفات فقط لتبسيط الأمر، هناك في الواقع نسبة من الأشخاص الذين عادة ما يختزلون أنفسهم في صفة واحدة فقط تطغى على كل شيء آخر.

عندما يتعرض أي شخص للهجوم على جزءٍ من شخصيته يصبح لديه عدة خيارات في الواقع، إما أن يخضع للهجوم الموجه عليه ويحاول إخفاء هذا الجزء من نفسه، أو أن يتجاهل الأمر (وهذا أندر الاحتمالات) أو الخيار الثالث والأوسع انتشاراً ربما: التمسك بما تعرضت للهجوم عليه أكثر وأكثر وجعله يحتل جزءاً متزايداً من كيانك إلى أن يختزلك بأكملك.

في الواقع إن بحثت بين من تعرفهم، فالأرجح أنك ستجد شخصاً على الأقل يمكن اختزاله (أو أنه على الأقل يختزل نفسه) بصفة واحدة فقط، وإذا نظرت إلى هذه الصفة عادة ما تكون أكثر ما يتعرض الشخص للهجوم بموجبه. والسبب هنا بسيط للغاية، حيث أن كلاً منا يريد هوية له بشكل أو بآخر، طريقة تميزه عن الآخرين وتجعله مختلفاً بين الجموع، وعندما لا تمتلك أمراً حقيقياً يميزك، يصبح من السهل اللجوء إلى ما يجعلك أقلية من نوع ما، فمن حيث المبدأ هذا الأمر يميزك ويمكنك أن تبني هوية لنفسك حوله.

فكر الأقليات وتأثيره المدمر على تطورك كفرد

في حال كنت تنتمي لأقلية واضحة مع الكثير من التمييز ضدها (مثل الأقليات العرقية والدينية والجنسية والسياسية)، فالأرجح أنك قد تعرضت للضرر وكنت ضحية للتمييز في أمر أو بآخر، وإن لم تتعرض له شخصياً فربما شاهدت أو عرفت عن أفراد آخرين من أقليتك قد تعرضوا للأمر. ربما طردت من وظيفة أو رفض متجر بيع المنتجات إليك أو مُنعت من حق أساسي كالتعليم أو التملك، أو أنك ببساطة عانيت من الأمر بشكل أقل على شكل نظرات مشككة وأخرى مهددة أو عبارات تسمعها من زملاء أو غرباء.

عند التعرض للتمييز وبالأخص نتيجة الكون من أقلية ما عادة ما يكون نسيان الأمر صعباً للغاية، حيث أن الفشل في دخول سباق مثلاً لأنك بطيء هو أمر محبط لكن يمكن التعايش معه، أما منع دخولك إلى سباق أنت مؤهل تماماً له لسبب لا يتعلق به كأن تكون أسمر البشرة مثلاً فهو حدث سيء للغاية وتأثيره عادة ما يبقى محفوراً وبشدة في الذاكرة.

في حال تجاهلنا الأقليات كجماعات ونظرنا إلى الأفراد فالتأثير مشابه في الواقع، فربما لم تتعرض أنت شخصياً لموقف تمييزي سيء، لكن قريباً أو صديقاً أو جاراً لك تعرض له، ومع أن التأثير لم يكن عليك بيوم من الأيام، فقد يترك الأثر على شخصيتك لأنه كان على أحد أفراد الجماعة وأنت ببساطة فرد من هذه الجماعة.

في كل ما كتبت أعلاه يبدو كل الضرر الواقع على الأقليات كأمر خارجي تماماً، لكن في الكثير من الحالات يتطور الأمر لتصبح الأقليات هي من تؤذي نفسها بنفسها، وبدلاً من أن يكون هناك ضرر خارجي يصبح الضرر داخلياً ومستنداً على الضرر الخارجي حتى ولو زال الضرر الخارجي في الواقع.

تعدد الخيارات وذهنية المستهلك…. نظرة عن كثب

النرجسية وحب الذات من جهة، ولوم سبب خارجي من الجهة الأخرى

بالنسبة لنا كبشر، هناك دائماً خوف شديد من الخطأ أو على الأقل خوف من الاعتراف به. ومع أن الاعتراف بأخطائنا للعمل على تصحيحها أمر أساسي لبقائنا كجنس، فالجميع تقريباً يحاول إخفاء أخطائه والتهرب من المسؤولية لأنه ببساطة يخشى العقاب (العقاب القانوني أو ببساطة العقاب الاجتماعي)، وبالنتيجة هناك رحلة بحث دائمة عن من نلقي اللوم عليه لكل مشكلة تواجهنا في حياتنا.

بالنسبة للأغلبية عادة ما تلام الأقليات على كل شيء، وأول من يدفع ثمن عدم الاستقرار أو الفقر أو الأزمات هو الأقليات ببساطة، لكن بالنسبة للأقليات نفسها فمن السهل لوم الأكثرية بغض النظر عما يحدث، وسواء كان هناك أزمة أم لا فكل شيء يُلقى على الشماعة الموجودة أصلاً، وكون الأكثرية غير بريئة تماماً في معظم الحالات يعني أن إلقاء اللوم بكل شيء آخر عليها أسهل ببساطة فهي مذنبة أصلاً بأشياء أخرى.

بالنتيجة هناك صفة كثيرة الانتشار وربما شديدة الدمار في مجتمعات الأقليات وهي ببساطة غياب المسؤولية تماماً، حيث أن الأفراد يتعاملون مع كل شيء وكأنهم طفل مدلل يرفض النظر إلى أي سبب آخر عدا عن كون العالم يتآمر عليه. وببساطة يمكن لهذا التفكير أن يساعد الكثيرين على الاحتفاظ بثقتهم بأنفسهم حتى عندما يثبت خطأهم، فالمدير لم يرفض ترقيتك لأنك غير جاد بعملك أو لا تستحق، بل فعل ذلك لأنك من طائفة ما، وكذلك طلبك لقرض بنكي لم يُرفض لأنك لا تمتلكين أية من الشروط المسبقة، بل لأنك ببساطة أنثى.

بالطبع ربما يكون هذا التخمين حقيقياً، قد يكون مديرك متعصباً دينياً ويكره من ينتمون إلى طائفتك، وقد يكون موظف البنك الذي أشرف على معاملتك متحيزاً ضد النساء ويرفض مساواتهن بالرجال. لكن هنا من المهم النظر إلى الأمور بشكل أكثر نقدية، ومع أن احتمال كون الأمر قد حصل لأنك من أقلية ما، يجب أن تبحث عن الأسباب الأخرى المحتملة والبديلة، لأن الاستسلام لسبب جاهز مسبقاً كارثي.

في حال كان كل رفض تتعرض له يمتلك سبباً خارج إرادتك، سيكون من السهل للغاية أن تحافظ على تصورك لنفسك كشخص ذكي ومؤهل وربما كريم (أو أية صفة إيجابية أخرى). حيث أن التبرير الخارجي الجاهز يعني أنك لا تحتاج لأن تعرف السبب الحقيقي، ولا حاجة لأن تكتشف محدودياتك وتواجه صورة لنفسك قد لا تكون جميلة بالشكل الذي تصورته، والأهم ربما: أنت لا تحتاج لمراجعة نفسك أو تغييرها لتجاوز ما أعاقك في الماضي.

اتباع منهج التفكير الأقلياتي خطر للغاية على الأفراد دون شك، لكنه أخطر بكثير على الجماعات وبالأخص عندما يتجذر فكر الضحية عند هذه الجماعات وتتحول من فئات تحاول التقدم لكن هناك عوامل خارجية تبطئها إلى جماعات لا تهتم لتغيير واقعها أصلاً بل تكتفي بإلقاء اللوم في كل مشكلة تعاني منها على الآخرين، وتماماً كما الأفراد الذين يتبعون هذا الأسلوب فمصير هذه الجماعات سيء للغاية.

اقتصاديات الفقر: أن ترى الواقع بعين أفقر رجل في العالم!

جميعنا مذنبون

قبل سنوات عدة مضت طُردت من عمل كنت قد بدأته بالكاد لأسباب خارج إرادتي حينها، حيث كان صاحب العمل واضحاً تماماً بكونه لا يرغب بالتعامل مع أفراد يصنفون ضمن أحد التصنيفات الأقلوية. بطبيعة الحال فقد ترك هذا الأمر تأثيراً كبيراً علي كون العامل الذي أدى إلى خسارتي لذاك العمل لم يكن متعلقاً بطبيعة العمل أصلاً بل بي كشخص محسوب ضمن جماعة وتصنيف معين فقط.

بعد سنوات من التنقل من عمل لآخر بنجاح دون معاناة أية مشاكل حقيقية مع أصحاب العمل كنت قد تجاهلت تأثير ذلك الحدث علي ولو جزئياً، فأنا أعرف مقدار الضرر الذي يحدثه التفكير طوال الوقت كضحية، لكن منذ بضعة أسابيع عاد الأمر إلى ذاكرتي بسرعة عندما اكتشفت أن تفكير الضحية ليس غريباً عني تماماً، فعندما عرفت أن أحد الأشخاص قد اتخذ موقفاً سلبياً ومعادياً لي فجأة تجاهلت أية عوامل شخصية أو خارجية ربما قادت لذلك، وأول ما خطر ببالي هو السبب الذي يجعلني ضحية للتمييز ببساطة.

في الواقع الآن وبعد التفكير أنا أعلم جيداً أن سبب ما حصل على الأرجح لم يكن نتيجة تمييز من أكثرية ضد أقلية مثلاً، لكن لم يعد يمكنني تجاهل واقع أن تفكير الضحية الذي أبغضه موجودة نسبياً لدي ولو بشكل طفيف، ومع هذا الإدراك بدأت ألاحظ الأمر أكثر وأكثر في الأشخاص الآخرين.

الكثيرون يفكرون بأنفسهم كشهداء ومضحين عظماء يجب النظر إليهم مع احترام زائد اليوم، لكن بين من يركزون على جعل أنفسهم كذلك كم هو عدد الضحايا الحقيقيين يا ترى؟ وبالمقابل كم هو عدد أولئك الذين يحملون انتمائهم لأقلية ما كغطاء فوق رؤوسهم يستخدمونه ضد كل انتقاد مهما كان، فأنت عنصري بغيض لأن ذوق صديقك الأسمر بالملابس لم يعجبك، وربما تكون ذكورياً متعنتاً إن أشرت إلى عدم أهلية إحدى صديقاتك دائمة التذمر من أنها لا تتقاضى كفاية على عملها.

0

شاركنا رأيك حول "معضلة الأقليات .. كيف تخفي مشاكلك وتبررها دون أن تواجه نفسك بالحقيقة"