ريح الجنوب رواية عبد الحميد بن هدوقة عن أثر الثورة الزراعية في الجزائر
0

اِرْتأَى “عبد الحميد بن هدوقة” أن يصدر أول عمل أدبي له في الرواية الجزائرية ليعرض فيه أبعاد وتداعيات الثورة الزراعية على الفرد، خصوصًا والمجتمع عمومًا، فكانت رواية “ريح الجنوب” الصادرة في الجزائر سنة 1971 عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

نرشح لك قراءة: حقائق مُدهشة لا يعرفها الكثيرون عن الجزائر!

فقد عرفت الجزائر بعد ثورة نوفمبر المسلحة عام 1954 ضد المستدمر الفرنسي، ثورة نوفمبرية أخرى سنة 1971، هي الثورة الزراعية، في زمن الرئيس الراحل “هواري بومدين”، وقد كانت بمثابة رد اعتبار للطبقة الكادحة المتمثلة في العمال والفلاحين، لما كابدوه زمن حرب التحرير من عناء؛ بسبب تحويل الأرياف إلى ملاجئ للمجاهدين، ولما كابدوه بعد استقلال الجزائر بالصبر على شظف العيش في سبيل إنعاش الاقتصاد الوطني الذي خلفته فرنسا عند خط الصفر عام 1962 غداة الاستقلال، فكان إصدار ميثاق نوفمبر 1971 الذي من أهدافه:

  • إنشاء مشروع 1000 قرية ريفية.
  • إنشاء 5000 تعاونية ريفية، تحت شعار “الأرض لمن يخدمها”.
  • تحقيق العدالة الاجتماعية.

وذلك عن طريق تسخير كل الطاقات المحلية -بشرية أو مادية- من أجل بناء دولة قوية اقتصاديًا وإقليميًا ومؤسساتيًا، وبذلك تحسّن المستوى المعيشي، وتم التجهيز للثورة الصناعية والقضاء على التبعية الاقتصادية.

الرواية الجزائرية “ريح الجنوب” 

الرواية الجزائرية ريح الجنوب رواية عبد الحميد بن هدوقة الأولى عن الثورة الزراعية في الجزائر
الرواية الجزائرية – ريح الجنوب رواية عبد الحميد بن هدوقة الأولى عن الثورة الزراعية في الجزائر

تدور أحداث الرواية الجزائرية “ريح الجنوب” حول فتاة اسمها نفيسة، تدرس بالعاصمة، وترغب في إتمام دراستها، وأثناء عودتها إلى القرية لقضاء عطلة الصيف تفاجئها أمها خيرة برغبة والدها عابد بن القاضي في تزويجها من مالك شيخ القرية (رئيس البلدية)؛ من أجل حماية أراضيه وممتلكاته من التأميم الحكومي، تدور الأرض بنفيسة وترفض رفضًا قاطعًا مسألة الزواج قائلة لوالدتها:

قولي له لن أتزوج، ولن أنقطع عن دراستي، سأعود إلى الجزائر مهما كان الحال.

تفكر بعدها في الاستنجاد بالخالة خيرة، فتكتب لها رسالة، وتبقى دائمًا تترقب مرور رابح الراعي من أجل إيصال الرسالة لها، يوافق رابح على تولي المهمة إلا أن رؤيته لنفيسة تطبع في قلبه رغبة تجاهها نظرًا لمعاملتها الرقيقة معه؛ تأتي العجوز رحمة إلى بيت عابد بن القاضي تلبية لدعوة نفيسة، فتتبادل مع أمها بضع كلمات حول نفيسة، تنصحها فيها بترك ابنتها تواصل دراستها، وتتكفل هي بتعليمها إدارة شؤون البيت، ولا تتعجل في تزويجها.

يظل الراعي رابح يفكر في لقائه بنفيسة، وتشتعل في قلبه الرغبة في لقائها، وتعتمل في رأسه فكرة اقتحام غرفتها من النافذة ليلًا وهذا ما يقع، تتفطن له نفيسة مرعوبة، وتهدده بالصراخ، وفضح أمره إن لم يخرج من غرفتها، وتطرده بكلمات وشتائم تهز كيانه وتعيره بمهنته، فيعود أدراجه خائبًا، ويعتزم عدم العودة إلى مهنة رعي الأغنام.

تتطور أحداث رواية “ريح الجنوب”، وتوافي المنية الخالة خيرة، ويجد رابح مهنة أخرى، وأثناء مراسم الدفن يجد عابد بن القاضي فرصة للتقرب من مالك، نظرًا لتأثر الأخير الشديد بموت رحمة التي ساندته في عدة مواقف حرجة، ليعرض عليه بعد ذلك رغبته في تزويج ابنته نفيسة له.

نرشح لك قراءة: مولود فرعون .. “ابن الفقير” الذي خلد القرية الجزائرية القديمة

الدلالة والترميز في الرواية

ما يميز رواية “ريح الجنوب” هو أسلوب المؤلف “بن هدوقة” في طرح الصورة، صورة المجتمع الجزائري مطلع السبعينيات، وتركيب الفقرات وكذلك استعماله للرمزية عن طريق الشخصيات.

فمن خلال نفيسة فإنه يرمز للجزائر الجديدة، أو جزائر ما بعد الاستقلال، مشيرًا إلى رغبتها في طلب العلم، وعيش حياة كريمة، بعيدة عن حياة الذل والهوان التي وصفت بها أمها ونساء القرية.

ومن خلال الراعي رابح الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ولا عمل له غير رعي الغنم، فإنه يرمز إلى المجتمع الذي أصابه السأم من واقعه المرير، ويظهر ذلك جليًا من نوبة الغضب التي اجتاحته بعد محاولته النيل من نفيسة (الجزائر) بطريقة غير شرعية، وأيضًا من جملته التي ظل يرددها في كل وقت باحتقان:

يجب أن يتغير هذا الواقع… يجب أن يتغير كل شيء.

أما مالك رئيس البلدية فهو رمز النخبة والطبقة المثقفة من المجتمع، وإحجامه عن فكرة الزواج في بداية الرواية بسبب نقص في الميزانية، ما هو إلا تلميح إلى أن نخبة المجتمع لا بد لهم من دعم وتمويل في سبيل النهوض بأي بلد، ويظهر جليًا من أحاديث مالك في الرواية بُعد النظر والحكمة التي يتمتع بها وتحسره على الجهل والدجل والتضليل الذي كان يسبح فيه المجتمع آنذاك، مثلًا كقوله ردًا على بن القاضي الذي اتهم الناس بالتكاسل عن حرث الأرض:

الناس لا يحبون العمل في أرض الآخرين. إنهم لا يريدون أن يظلوا عبيدًا طوال حياتهم.

أو كقوله ردًا على قراء المأتم وهم يخوضون في الحلال والحرام، وهل يجوز للرجل أن يرتدي الذهب وكيف هي أهوال يوم القيامة:

لقد حررتنا الثورة المسلحة من الاستدمار، لكنها لم تحررنا من الأساطير. ثورة أخرى لا يزال يتعين القيام بها. من سيكون قادرًا على تنفيذها؟ المدرسة وحدها لا تكفي لهذه المهمة.

وفيما يخص العجوز رحمة فإنها ترمز لجزائر ما قبل الاستقلال، المرأة التي أنهكها الاستدمار ووباء التيفوس وقساوة الظروف المعيشية، تتقاسم مع نفيسة كل ما تملكه من حكمة ونصائح ووصايا في آخر زيارة لها في بيتها، وهي أيضًا مثال للمرأة التي سُرق منها شبابها، وباتت حريصة على تأمين بقائها على قيد الحياة فقط بعدما مات عنها زوجها منذ أزيد عن عشرين سنة.

نهاية الرواية بين النص والسينما

المفارقة الجميلة بين الفيلم ونص رواية “ريح الجنوب” هو المشهد النهائي حيث نجد في النص الأدبي محاولة نفيسة للهرب بعد تقدم مالك لخطبتها، فتعرضت للدغة ثعبان أين عثر عليها رابح فيحملها إلى بيته لمعالجتها، يصل الخبر إلى والدها فيتوجه مباشرة إلى بيت الراعي وتقع المأساة، فتفشل خطة نفيسة بالهرب وتهب ريح الجنوب؛ وفي هذا المشهد إشارة من بن هدوقة إلى الحال كيف يؤول عند تضارب المصالح والرغبات وأن المشاكل لا تُواجه بالهرب وإنما بالمواجهة، وعبّر بريح الجنوب عن ما يعتمل في النفس الإنسانية لحظة الانهزام ونزول الألم.

أما نهاية الفيلم الذي أخرجه “سليم رياض” فإن النهاية مختلفة، حيث استطاعت نفيسة أن تهرب مع الراعي إلى العاصمة قبل أن يتمكن والدها من اللحاق بهم، وبهذا أراد المخرج أن ينقذ الجزائر (المتمثلة في نفيسة) في دعوة منه إلى الالتفاف حول الجزائر وإنقاذها مما هي فيه؛ وقد قال بن هدوقة عقب مشاهدته للفيلم:

من قرأ الرواية فعليه مشاهدة الفيلم ومن شاهد الفيلم فعليه قراءة الرواية.

الصراع في رواية “ريح الجنوب”

الصراع بين الأجيال لابد منه كما هو واضح في رواية “ريح الجنوب”، ولا يمكن النجاح بالهروب أيضًا كما حدث في النهاية، والسؤال المطروح: (هل ستشهد الجزائر خاصة ودول العالم العربي عامة ثورة إنسانية جديدة بعد عديد الثورات العسكرية والزراعية والصناعية؟ ألم يحن الوقت للتفكير الجاد في طريقة للاستثمار في الإنسان في سبيل إيجاد حلول لمشاكل العالم الحالية؟ وهل يأتي اليوم الذي يصبح فيه الأدب وسيلة لإصلاح الشعوب؟).

عبد الحميد بن هدوقة هو روائي وقاص وشاعر ومترجم ومسرحي وإعلامي، من مواليد 1925 بالمنصورة ولاية برج بوعريريج، درس بقسنطينة وتونس والجزائر وفرنسا، تقلد عدة مناصب أهمها مدير المؤسسة الوطنية للكتاب، رئيس المجلس الأعلى للثقافة وعضو المجلس الاستشاري الوطني ونائب لرئيسه كذلك. وتعتبر رواية “ريح الجنوب” أول عمل روائي له وأول رواية عربية، صدرت سنة 1971، وتُرجمت إلى عدة لغات منها: الهولندية، الفرنسية، الإسبانية، الإيطالية والروسية.

0

شاركنا رأيك حول "ريح الجنوب رواية عبد الحميد بن هدوقة عن أثر الثورة الزراعية في الجزائر"