الاغتراب الديني
0

نولد ونحيا ضمن مجتمعات تؤطرنا وتعمل على أدلجة عقولنا دينياً واجتماعياً وسياسياً… إلخ.

وتبدو الأدلجة الدينية من أقوى أنواع الأيديولوجيا ضمن المجتمعات، فهي تحاكي الغيبيات التي لا نستطيع الحكم عليها بالصواب أو الخطأ، وتلامس عواطفنا لأنها تشعرنا بقربنا من ذلك البعد المخفي؛ الذي لا يمكن إدراكه إلا بالتسليم.

وإذ يقال بأن الإيمان فطرة، فكل منا يُخلق حسبما تروي الأديان بفطرة تدفعه لتعرّف الخالق وإدراكه، إلا أن هذا الكلام لا يعني أبداً أن فعل التدين هو فعل فطري، فالتدين هو جملة من الأفعال التي يقوم بها الإنسان لكي يثبت أنه واثق من إيمانه، متأكد من فطرته.

هنا تماماً تتدخل الأيديولوجيا لتقدم الدين لكل فئة ولكل ملة حسبما يتفق مع طبيعة الانتماء الذي يجب أن يحققه الفرد ضمن المجتمع الذي يعيش فيه، فيتحول الدين من كونه علاقة مع الخالق إلى كونه علاقة تجمع الأفراد الذين ينتمون لفئة معينة تحت مظلة ظاهرها الدين وباطنها فكر أيديولوجي يخدم هذه الجماعة.

وعندما يبدأ الوعي بالتبلور لدى الإنسان، تصبح التساؤلات الكبرى هاجساً في حياته، خاصة إن كان صاحب ذهن متقدّ ورغبة بالبحث والفحص والتمحيص، فتغدو كل المعتقدات والمسلمات لديه عرضة للشك.

في لحظة ما يتخذ هذا الشخص قراراً بالانفصال عن كل ما كان يؤمن به، ويشعر بالاغتراب عن كل ما كان يمثّل بالنسبة إليه حقيقة لا تحتاج إلى برهان.

ويعد الاغتراب أحد أهم المواضيع في الدراسات الفلسفية والاجتماعية، خاصة أن الجيل المعاصر بات يعاني من حالات الاغتراب نتيجة للحروب والظروف الاجتماعية والصحية القاسية.

وقد يكون الاغتراب الديني أحد أكثر أشكال الاغتراب التي تتبلور في المجتمعات المنغلقة، والتي يطغى التقييم الديني على مكوناتها كافة، فما هو الاغتراب الديني؟ وما هي أسبابه ومبرراته؟ وكيف يستطيع الإنسان إيجاد الحلول للخروج من سيطرة شعور الاغتراب؟

الاغتراب الديني كمفهوم قديم جديد

فكرة الاغتراب الديني فكرة قديمة العهد، ارتبطت بعصيان آدم لله وارتكابه الخطيئة التي جعلته ينفصل عن العالم السماوي، فالإنسان اغترب عن جوهره حين طرده الله من الجنة، وأنزله إلى الأرض عقاباً له على معصية خالقه.

مع انتقال الإنسان من الجنة إلى الأرض، يبتعد عن مقام ربه حاملاً معه الخطيئة التي لن يستطيع التكفير عنها للعودة إلى جوهره الأساسي بجانب ربه إلا عن طريق الدين، لكنه يعود فيغترب مجدداً عندما يتطرف بمفاهيمه عن الدين ويبتعد مرة أخرى عن خالقه.

وعموماً يعني الاغتراب الديني انفصال الإنسان عن معتقداته وأفكاره التي كان يؤمن بها، نتيجة لشعوره بأن هذه الأفكار لم تعد تلبي وعيه واحتياجاته، وهذا ما قد يحدث عندما يصطدم أي شخص بواقع ازداوجية المتدين، التي يعاني منها البعض فيؤمنون بشيء لا يقومون بتطبيقه إلا حسبما يرغبون، ويبررون أفعالهم بأن الأطراف المقابلة ليست مؤمنة، فمثلاً بعض المتدينين يقومون بمضايقة المرأة غير المحجبة ولا يغضون أبصارهم تحت حجة أن هذه المرأة سافرة وهي المخطئة، فتناقض الفعل مع الفكر يؤدي مع الوقت لدى الكثير من الشباب المتدين إلى شعور الاغتراب والانفصال عن الدين.

وعليه يمكننا القول بأن الإنسان يمر بمرحلتين من الاغتراب الديني، الأولى عندما اغترب آدم عن عالمه السماوي، والثانية عندما اغترب الإنسان عن معتقده الديني الذي لم يحقق له جوهره الحقيقي.

أسباب الاغتراب الديني

يعتبر الفيلسوف فيورباخ أن سبب شعور الإنسان بالاغتراب هو الدين، وبعيداً عن وجهة النظر هذه، يسعى الإنسان إلى التدين كي يبرر حالة العجز التي يعيش فيها، وعدم قدرته على تجاوز وتفسير الكثير من المشكلات التي تعترضه في حياته.

هنا يبدو الدين خلاصاً حقيقياً للفرد لما يقدمه من سلام داخلي، لكن المبالغة في ممارسة الشعائر الدينية والانتقال من حالة الإيمان المعتدل إلى الإيمان المتطرف، يحوّل الإنسان تدريجياً إلى شخص غير قادر على التمييز بين الصحيح والخاطئ.

في لحظة من اللحظات يبدأ الفرد المؤمن باكتشاف المشكلة الحقيقية لتطرفه المبالغ فيه خاصة أنه يتحول لشخص غير متقبل لأي فكر مخالف له، ويبدأ بمناقضة نفسه ويتصرف بلا منطقية، معتبراً أن ما يقوله ويفعله يتسم بالصحة والدقة، رافضاً كل ما يقوله أي مخالف له أو لرأيه.

وعندما يبدأ هذا الفرد بالوعي، يراقب ما تؤدي إليه طبيعة أفعاله وأفعال من يفكرون بطريقته كعدم تقبل الرأي الآخر وفي تبرير الحكم على الناس المختلفين، ويكتشف الازدواجية التي تفرضها الأفكار المتناقضة شيئاً فشيئاً، فتبدأ آراؤه بالتغيير تدريجياً، ويعيد النظر بالأفكار التي لطالما آمن بها خاصة وأن هذه الأفكار المتطرفة لا تخدم الدين وإنما تخدم الأشخاص.

عند ذلك تبدأ رحلة الاغتراب الديني عند هذا الشخص الواعي ويشعر بعبثية كل ما آمن به فيتخذ قراراً بتغيير موقفه بشكل كامل منتقلاً إلى النقيض ومعتقداً أن في ذلك يكمن الحل.

ربما هنا يبدو تعبير هيغل أساساً حول شعور الإنسان بالاغتراب، من خلال علاقة الذات والعالم، فعندما لا يتعرف الإنسان على ذاته في هذا العالم يكون مغترباً، ولذلك فإن الاغتراب هو مرحلة لمصالحة الذات مع الوجود، وإذا طبقنا ذلك على الفكر الديني سنجد أن الاغتراب يبدأ عندما يكتشف الإنسان عدم توافق ذاته مع العالم الذي يعيش فيه.

أخيراً لا بد أن نشير إلى أن اغتراب الإنسان عن فكره الديني الذي آمن به لزمن طويل، يرتبط بالدرجة الأولى في اكتشافه أن إيمانه لم يكن ناتجاً عن وعي حقيقي، وإنما كان عبارة عن انصياع لأفكار البيئة والمجتمع الذي يعيش فيه، ولذلك فإنه عندما يبدأ بتحليل ما يحدث يعيد النظر بكل شيء.

تصيب هذه الحالة فئة الشباب غالباً وتزداد خلال الحروب وضمن المجتمعات المنغلقة والمتشددة، لأنهم في مرحلة المراهقة ينصاعون لأيديولوجيا المجتمع وفكره ومعتقداته، وعندما تبدأ ذهنيتهم بالتفتح يقومون بالمقارنة بين ما اعتنقوه وبين ما يؤمنون به حقاً، لتكون الغلبة في بعض الأحيان للوعي الذي تكوّن لديهم، وقد تكون ردة الفعل سلبية على حياتهم فيذهبون إلى النقيض دون تفكير أو تيقن ويعيشون تخبطاً يؤثر في حياتهم كلها، بينما يتخذ البعض الآخر موقفاً متفحصاً باحثاً عن إجابات شافية فيتطور الوعي لديه ويؤسس لفكره الخاص المبني على أسس منطقية معقولة.

المراجع:

زيادة، معن، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، لبنان، 1986م.

حده، ذيب، الاغتراب الديني عند فيورباخ وأثره على كارل ماركس، جامعة عباس لغرور، دون تاريخ.

 

0

شاركنا رأيك حول "الاغتراب الديني: نقلة وانفصال في حياة الإنسان"