كتب التراجم والسير
0

كان العرب يهتمون قديمًا بالأنساب، والمشتغل بها اسمه نسَّاب وهو الشخص الذي يعرف أصل القبائل بكل فروعها، واهتموا أيضًا بعلم التراجم، فخلفوا وراءهم إرثًا عظيمًا من “كتب التراجم والسير”.

وفي هذا المقال سأتحدث عن كتب العرب من التراجم وأنواعها، وعلاقة كتب التراجم بالتاريخ، كما أنني سأتحدث عن كتب التراجم الحديثة والتراثية، وجئت بأجزاء من الترجمات حتى أعطي القارئ فكرة عن شكل الكتاب إن كان لا يعرفه.

كتب التراجم والسير كنوز مهدرة

كتب التراجم - العرب
كتب التراجم العربية كنوز مهدرة.. عندما تقرأ تاريخ العرب من خلال شخصياته.

التراجم علم يقدم السير الذاتية لأهم الشخصيات، وألفوا في ذلك مئات الكتب، واختلفت المناهج فيها كل حسب رؤيته، فهناك اهتم بقرن معين، أو تخصص في مجال ما، أو كتب كتابًا عامًا ضم فيه قرون متعددة.

تعتبر كتب العرب من التراجم والسير جزء مهم من التاريخ، فكما كتب المؤرخون الأحداث التاريخية لعصور معينة، جاء كتّاب التراجم فسجلوا تاريخ الأفراد، فبقراءة تاريخ الناس تستطيع أن تعرف طبيعة العصر الذي يتحدث عنه الكتاب عن طريق معرفة أهم الشخصيات والأعلام، فهي بمثابة السجل المدني للعصور.

أنواع كتب التراجم

هنا أنواع متعددة من كتب التراجم، كتب ضمت عصورًا مختلفة: مثل كتاب الأغاني لصاحبه أبي فرج الأصفهاني والأعلام للزركلي، والوافي بالوفيات للصفدي، ووفيات الأعيان لابن خلكان.

كتاب الأغاني
يصنف كتاب الأغاني لصاحبه أبي فرج الأصفهاني ضمن كتب التراجم والسير.

وكتب لقرن معين مثل الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لصاحبه شمس الدين السخاوي، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والنور السافر عن أخبار القرن العاشر لعبد القادر العيدروس، وكتب القرن الواحد لا تفترق عن كتب التاريخ التي تتحدث عن هذا القرن، فلكي تعرف أكثر عن قرن أو عصر معين يجب أن تقرأ عن أشهر أعلام هذا العصر، كيف كانوا يعيشون كيف كانوا يتعلمون، ماذا كتب عنهم، وكتب لتخصص معين من فقهاء وشعراء وقضاة وخلفاء وفلاسفة وأهل التصوف، وكتب عن شخصية بعينها.

ترجمات لتخصصات معينة

كتاب تاريخ قضاة الأندلس من كتب التراجم المتخصصة حسب المهنة
كتاب تاريخ قضاة الأندلس من كتب التراجم والسير المتخصصة حسب المهنة.

كتاب تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)، لأبي الحسن المالقي الأندلسي، المتوفى نحو 792 هـجرية.

جاء في ترجمة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف:

ذكر القَاضِي أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، وَمن الْقُضَاة بِتِلْكَ الْبِلَاد المشرقية، أَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، حَاجِب القَاضِي إِسْمَاعِيل الْمُتَقَدّم الذّكر، وَابْن عَمه. وَفِي أَيَّام هَذَا القَاضِي قتل الحلاج. وَابْن عَمه هُوَ الَّذِي أفتى بقتْله، بعد تَقْرِيره على مذْهبه، وَقيام الشَّهَادَات عَلَيْهِ بإلحاد. فَضرب ألف سَوط، ثمَّ قطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، ثمَّ طرح جسده، وَبِه رمى من أَعلَى مَوضِع ضربه إِلَى الأَرْض وأحرق بالنَّار، وَالْعِيَاذ بِاللَّه.

ترجمات لشخصيات بعينها

طه حسين كان له تجربة ناجحة مع أبي العلاء المعري، حيث شكل لجنة أخرجت كتاب “تعريف القدماء بأبي العلاء”، وهو كتاب مخصص فقط لأبي العلاء المعري، وكان المجهود رائعًا، جمع فيه طه حسين كل ما كتب عن المعري في الكتب القديمة فجمع الترجمات من 27 كتابًا.

أمثلة من داخل كتب التراجم

قراءة الكتب التراثية عمومًا تحتاج إلى تمرس، فالأسلوب مختلف، لكنها في الوقت نفسه ممتعة، لذلك سأعرض أمثلة وأبدأ بكتاب تراثي محللًا أسلوبه، ليستطيع من يريد قراءة كتب التراجم خوض غمارهم.

أولًا: كتاب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (12 جزءًا)

من كتب التراجم المخصصة لقرن معين الضوء اللامع لأهل القرن التاسع
من كتب التراجم المخصصة لقرن معين الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.

من عنوان الكتاب “الضوء اللامع لأهل القرن التاسع” يتضح أنه كتب للقرن التاسع الهجري، أي من كتب القرون، والقرن التاسع من سنة 800 إلى 899 هجرية، كتبه شمس الدين السخاوي المتوفى سنة (902 هجرية)، يقول السخاوي في مقدمة كتابه:

“جمعت فِيهِ من عَلمته من أهل هَذَا الْقرن الَّذِي أَوله سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة ختم بِالْحُسْنَى من سَائِر الْعلمَاء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء وَالشعراء والخلفاء والملوك والأمراء والمباشرين والوزراء مصريًا كانَ أَو شاميًا حجازيًا أَو يمنيًا روميًا أو هنديًا مشرقيًا أو مغربيًا”.

مثال ترجمة من الكتاب:

سأعرض ترجمة متوسطة محللًا إياها لأن الأسلوب القديم مختلف عن الكتابة الآن، وحتى يعرف القارئ دلالات بعض المصطلحات المستخدمة قديمًا.

يقول السخاوي في إحدى الترجمات:

أحمد بن عَليّ بن أحمد بن عبد العزِيز بن القسم الشهاب بن النور العقيلي الهاشِمِي النويري المكي الْمَالِكِي. ولد في صفر سنة ثمانين وسبعمائة بمكة وَحفظ الْقُرْآن والرسالة لابْن أبي زيد وسمع من الْعَفِيف النشاوري وَابْن صديق وأَجاز له ابن حاتم والمليجي وأَبو الهول الْجَزرِي والعراقي والهيثمي وجماعة وحضر دروس الشريف عبد الرَّحْمَن بن أبي الْخَيْر الفاسي وَولي إِمَامَة مقَام الْمَالِكِيَّة شَرِيكا لأخيه وناب فِي الْقضاء ثم وليه استقْلالا عوضا عن التقي الفاسي ولكنه لم يتمكن من المباشرة ولم يزل يحصل لَهُ من التجارة الدنيا الطائلة وهو ينفدها أَولا فأولا. مات في ربيع الآخر سنة سبع وَعشْرين ودفن بالمعلاة، وقد طول التقي الفاسي ترجمته فِي تاريخ مكة.

  • أحمد بن عَليّ بن أحمد بن عبد العزِيز بن الْقسم الشهاب بن النور العقيلي الهاشمي النويري المكي (مكان الولادة) الْمَالِكِي (مذهبه)
  • الرسالة لابن أبي يزيد (ببحث بسيط على الإنترنت سيظهر لك كتاب الرسالة لابن أبي يزيد القيرواني وشهرته مالك الصغير).
  • وَسمع من (تتلمذ لـ).
  • وأَجاز له (أجازوه أي أعطوه تصريحًا بالتدريس).
  • طول التقي الفاسي تَرْجَمته فِي تَارِيخ مَكَّة. (وضع لنا الكاتب مصدرًا آخر لترجمة رجلنا).

النموذج السابق يوضح أننا أمام منهج علمي دقيق في رصد السيرة الذاتية وسردها.

ثانيًا: “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” لابن خلكان المتوفى سنة 681 هجرية

من كتب التراجم العامة وفيات العيان لابن خلكان
من كتب التراجم العامة وفيات العيان لابن خلكان.

قال ابن خلكان في مقدمة كتابه “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان“:

“هذا مختصر في التاريخ، دعاني إلى جمعه أني كنت مولعًا بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم ومواليدهم ومن جمع منهم كل عصر فوقع لي منهم شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع، فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده في كتاب”.

نلاحظ هنا أن حبه للتاريخ هو السبب الرئيس في كتابة هذا المؤلف، حتى ذهب يقابل الأئمة والشيوخ ليسمع منهم وبالفعل وجد عندهم ما لم يقرأه في الكتب.

من كتب التراجم العامة الحديثة

“الأعلام” لخير الدين الزركلي

كتاب الأعلام للزركلي من كتب التراجم الحديثة
كتاب الأعلام للزركلي من كتب التراجم الحديثة.

بدأ الزركلي كتابه “الأعلام” عام 1912، ولم ينفض يده منه طيلة ستين عامًا، الأعلام يميزه أسلوبه السهل، وأسلوب الزركلي مختلف على مستوى السرد فلن تجد صعوبة في فهم المكتوب، وأهم ما يميزه هو وجود مصادر كل ترجمة، فتستطيع بكل سهولة الرجوع إلى أمهات كتب التراجم لتعرف حياة الرجل تفصيليًا. وأضع مثالًا لترجمة حاتم الطائي كما وردت في الكتاب:

حاتم الطائي (000 – 46 ق هـ) = (000 – 578 م)

يبدأ الزركلي بالاسم المشهور للمُترجَم له، ثم تاريخ الميلاد والوفاة، والأصفار تعني أن تاريخ الميلاد لم يرد في الكتب، و “ق ه” قبل الهجرة، ثم يسرد الترجمة.

حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عدي: فارس، شاعر، جواد، جاهلي.

يضرب المثل بجودة، كان من أهل نجد، وزار الشام فتزوج ماوية بنت حجر الغسانية، ومات في عوارض (جبل في بلاد طيء) قال ياقوت: وقبر حاتم عليه. شعره كثير، ضاع معظمه، وبقي منه (ديوان – ط). صغير. وأخباره كثيرة متفرقة في كتب الأدب والتاريخ. وأرخوا وفاته في السنة الثامنة بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم. (2)

مصادر الترجمة: (2) تهذيب ابن عساكر 3: 420 – 429 وتاريخ الخميس 1: 255 وشرح شواهد المغني 75 والشعر والشعراء 70 وخزانة البغدادي 1: 494 ثم 2: 164 ونزهة الجليس 1: 284 والشريشي 2: 332.

سبعة مصادر للترجمة، تستطيع من خلالها معرفة الكثير عن حاتم الطائي، فهوامش الكتاب كنز حقيقي نستطيع استغلاله بسهولة.

في النهاية، نحن نمتلك تراثًا ضخمًا من كتب التراجم، يستحق النظر والقراءة، معرفة العصر من خلال الشخصيات هو أمر ممتع، التجول فيه هذه المرة ليس من خلال الأحداث إنما عن طريق الناس، تخيل أنك تقرأ كتابًا عبارة عن أشخاص عاشوا في قرن كامل، كيف كانوا يعيشون ويتعلمون ويعملون من هم شيوخهم، ما هي المذاهب المنتشرة وقتها.

ستعيش معهم حياتهم وستعرف تفاصيلها، يظن كثير من الناس أنها كتب مملة جامدة لكنه أمر غير صحيح، حجم المعلومات الضخم والمهول في هذه الكتب جدير بالاحترام والتقدير والقراءة وتأمل هذا العلم كيف ساهم في الحفاظ على تاريخ هؤلاء البشر، وكيف اهتموا قديمًا بهذا العلم، فكما كان يدون الفراعنة حياتهم على الجدران، كان العرب يدونون تفاصيل حياتهم في كتب العرب من التراجم والسير.

0

شاركنا رأيك حول "كتب التراجم والسير كنوز عربية مهدرة: عندما تقرأ تاريخ العرب من خلال شخصياته"