0

تخيل نفسك الآن داخل غرفة مظلمة، وتبحث عن قطة سوداء، لا تصدر أي صوت، لقد امتنعت حتى عن المواء، ساكنة لا تعطي أي إشارة عن وجودها، لكنك مُصر على وجودها. بعد ذلك، خرجت من الغرفة لمقابلة صديقك الذي أتى لزيارتك، وأخبرته أنك تبحث عن قطة سوداء داخل غرفتك المظلمة، وعرض عليك المساعدة ووافقت. قرر صديقك الدخول للغرفة وفي يديه كشاف أو مصباح وبحث عن القطة السوداء، بعد قليل خرج وقال..

هنا أترك لك مهمة استكمال القصة، فلك مطلق الحرية بين اختيار إثبات أو نفي صديقك لوجود القطة السوداء داخل هذه الغرفة المظلمة. لكن سأخبرك بشيء ضروري، وهو محور موضوعنا هذا. في القصة السابقة أنت فيلسوف وصديقك عالم. نعم، هذا باختصار شديد الفرق بين الفلسفة والعلم.

“الفلسفة أم العلوم”

هكذا عُرفت العلاقة بين الفلسفة والعلم كلما تساءل الناس عن سر الصلة بينهما، والحقيقة أنّ علاقتهما أقدم مما نتصور، تمتد إلى عصور ربما لم نسمع عنها، عندما قرر الإنسان إعمال عقله والقيام بالحضارة. قصتنا اليوم شيقة، أبطالها الفلسفة الأم وابنها العلم. قبل الانتقال إلى تاريخ فصلهما والأحداث الكثيرة التي شتتهما عن بعضهما، لنتعمق أكثر في الفرق بين كل من الفلسفة والعلم.

اقرأ أيضًا: سيل من النصائح لتجاوز تبعات التباعد الاجتماعي .. ما الأفضل برأي العلم والفلسفة؟

الفلسفة والعلم وما بينهما من فروق

بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟

لألخص لك بعض الفروق بين العلم والفلسفة في نقاط سريعة:

  • يهتم العلم بالظواهر الطبيعية، في حين تحاول الفلسفة فهم طبيعة الإنسان، وتبحث في الوجود.
  • اشتُقت كلمة علم “Science” من كلمة لاتينية “Scientia”، بينما اشتُقت كلمة فلسفة “Philosophy” من الكلمة اليونانية “Philosophia”.
  • يحاول كل من العلم والفلسفة شرح المواقف المختلفة والعثور على إجابات، لكن تفعل الفلسفة ذلك متبعة حجج منطقية، بينما يستخدم العلم البيانات التجريبية.
  • تعتمد التفسيرات التي تأتي بها الفلسفة على حجج المبادئ، في حين يقدم العلم تفسيراته بناءً على نتائج التجارب وأدلة موضوعية وحقائق يمكن ملاحظتها.
  • يستخدم العلم في حالات تتطلب التحقق التجريبي، حيث يبحث عن الحلول المحتملة للمشكلات ثم يتحقق من صحتها أو خطأها بموضوعية، بينما تستخدم الفلسفة في الحالات التي لا يمكن تطبيق التجارب والقياسات فيها.
  • قد تطرح الفلسفة أسئلة موضوعية أو غير موضوعية، لكن العلم يطرح فقط الأسئلة الموضوعية.
  • يمكن تطبيق العلم على نطاق محدد، على عكس الفلسفة التي تبحث في جميع المجالات.
  • تساعد الفلسفة في اكتساب المعرفة من خلال التفكير، أما عن العلم، فهو يفعل نفس الشيء لكن عن طريق الملاحظة.

مفارقة تاريخية.. عندما كان العلم جزءًا من الفلسفة

بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟

قد يختلط الأمر على بعض الناس ويعتقدون أنّ الفلسفة كانت جزءًا من العلم، ولكن الحقيقة هي العكس، حيث كان العلم أحد فروع الفلسفة. وهنا، يجب الإشارة إلى أنّ العلم الحديث بدأ كـ “فلسفة طبيعية”، فقد كان عبارة عن مزيجًا من الفلسفة والعلوم، لكن ما هو الحال اليوم؟

عند ذِكر بعض الأسماء المشهورة مثل: جاليليو وكليبر وويليام هارفي وكريستيان هويغنز وروبرت هوك وإدموند هالي وإسحاق نيوتن..كل هذه الأسماء المرموقة في التاريخ، نصنفهم على أنهم علماء رائدون للعلم الحديث. في حين، عندما نذكر بعض الأسماء الأخرى مثل: فرانسيس بيكون وغوتفريد لايبنتس وباروخ سبينوزا ورينيه ديكارت وتوماس هوبز وجون لوك، نصنفهم على أنهم فلاسفة.

كلهم كانوا يعتبرون أنفسهم فلاسفة، فقد كانت الفلسفة تبحث في المشكلات الخاصة بالميتافيزيقا (ويسمى علم ما وراء الطبيعة، وهو أحد فروع الفلسفة التي تبحث في جوهر الأشياء) والفلسفة. بالإضافة إلى بحثها في المشكلات الأخرى المتخصصة مثل: الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والميكانيكا وما إلى ذلك. لذلك، تجد هذه الأسماء كانوا يفكرون بطريقة مختلفة تجعلهم يتفوقون على إمكانات الحقبة الزمنية محدودة التكنولوجيا التي عاشوا فيها. لقد دمجوا العلم مع الفلسفة، وكانوا يعتمدون على التفكير الفلسفي النقدي في حل المعضلات بإبداع. هذا المزيج من العلم والفلسفة كان يسمى بـ “الفلسفة الطبيعية“.

اقرأ أيضًا: أفضل الكتب العلمية الممتعة: لتقرأها في ليالي الشتاء وعلى طريقة البوب ساينس

هنا انفصل العلم عن الفلسفة.. عندما قتل نيوتن الفلسفة الطبيعية دون قصد!

بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟

في 5 يوليو عام 1687، صدر كتاب “The Principia” للعالم الفيزيائي المشهور “إسحاق نيوتن”. واتضح من خلال الطبعة الأولى أنه اعتمد على 9 فرضيات في تفسير قوانينه، ما يعني أنّ الفلسفة الطبيعية كان لها دور بارز فيما توصل إليه. ولكن في الطبعة الثالثة التي صدرت عام 1726، عدّل مفهوم الفرضيات وقال أنه اشتق قوانين الجاذبية عن طريق الاستقراء، أي من خلال البحث والاعتماد على الجانب التجريبي. ووضع نوعان من قواعد التفكير والتي تحمل الطابع الاستقرائي في الأساس وأنكر الفرضيات ووضع بعض الملاحظات التي تفرق بين الفرضيات وحجة الاستقراء في نطاق الفلسفة التجريبية كالتالي:

  • الفرضية: هي مجرد افتراض لا يعتمد على الظواهر سواء كانت ميتافيزيقية أو مادية، فهي لا تقع في نطاق الفلسفة التجريبية، لأنها ببساطة محض فكرة تحتمل الصواب أو الخطأ.
  • حجة الاستقراء: وهي تعنى استنتاج فرضيات من خلال الظواهر ثم تخضع الفرضية إلى المنهج الاستقرائي وتصبح فيما بعد نظرية علمية.

(هل تذكر قصة القطة السوداء في بداية التقرير؟ يمكنك تطبيق الفرق بين الفرضية وحجة الاستقراء عليها وستلاحظ ما يقصده نيوتن.)

من خلال ذلك، استطاع نيوتن تحويل عمله الخاص بقوانين الحركة والجاذبية من الفلسفة الطبيعية إلى العلم الاستقرائي أو التجريبي. بل وتحايل على مفهوم الفرضيات التي وضعها في الطبعة الأولى من كتابه وحول مفاهيمها إلى قواعد التفكير الجديدة التي تحدث عنها وهي الاستدلال والظاهرة، فحوّل الفرضيات كالتالي:

  • أول اثنين أدرجهما تحت مسمى قواعد الاستدلال.
  • وآخر 5 فرضيات المتعلقة بالنظام الشمسي أُدرجت تحت الظواهر.
  • تم استبعاد واحدة من الفرضيات.
  • أصبحت إحدى الفرضيات غير ضرورية لإثبات الحجة الرئيسية للقوانين.

لكن، ما الذي دفع نيوتن لفعل ذلك؟ حسنًا، ربما لاحظت أنني كتبت منذ قليل أنّ نيوتن قتل الفلسفة الطبيعية دون قصد. وهذه هي الحقيقة، لقد كانت نظرية الجاذبية خاصته مثيرة للجدل ولم يقتنع بها الكثير من العلماء، فقد كانت مفككة ويشوبها بعض الخلل الذي جاء أينشتاين فيما بعد ووضع البعد الرابع للكون وهو الزمان وخرج بالنسبية العامة التي فسرت قوانين الكون بصورة أفضل.

في حالة نيوتن، بما أنّ نظريته لاقت هذا الهجوم، فهذا يعني أنه سمع بعض الكلمات بخصوص اعتماده على الفرضيات الفلسفية، لأن اسم نيوتن كان يندرج في قائمة فلاسفة الطبيعة وليس العلماء وقتها، أي حجته ليست قوية لأن فيها شيء من عدم اليقين، فجزء من نظرياته يعتمد على الفرضيات غير المُثبتة بصورة قاطعة. وهنا اضطُر صديقنا لتغيير المفاهيم وضم ما يؤيد نظريته تحت مفهوم الاستقراء، أي نظرية قائمة على دليل ملموس وليس مجرد افتراض.

رفض نيوتن الجدال في هذا الأمر، ولأنه رجل يحظى بمكانة مرموقة في المجتمع العلمي أو الفلسفي، اقتنع البقية بوجهة نظره وكُتبت النهاية التي تربط العلم بالفلسفة، ووُلد العلم الحديث الذي نعرفه بالعلم التجريبي القائم حتى يومنا هذا.

اقرأ أيضًا: سيغموند فرويد وتلميذه كارل يونغ: ما تأثير “اللاوعي” على صداقة العلم بينهما؟

لم ينفصل العلم فقط

بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟

كان نيوتن شخصية مرموقة – كما ذكرت – وتأثر الفلاسفة الطبيعيون به وتبنوا مفهومًا خاطئًا عن طبيعة العلم، فكانت نهاية الفلسفة الطبيعة، وفقدت الفلسفة جزءًا كبيرًا منها، والذي كان أكثر الأجزاء إثارة ولفتًا للنظر. وبدأت الفلسفة تخطو خطواتها نحو الانحطاط، فقد انفصلت عنها الكثير من الفروع الأخرى في صورة تخصصات مستقلة، منها: علم النفس وعلم الإنسان والمنطق واللغويات وعلمي الاجتماع والكونيات.

وبدأ الصدع يزيد بين العلم والفلسفة

رحل عالمنا الجليل نيوتن أثناء القرن الثامن عشر، وترك الفلاسفة والعلماء منفصلين، كل منهما يتمسك بفكره الخاص، وأصبح التصنيف السائد: عالم وفيلسوف. وزاد الاختلاف حدة أثناء القرن التاسع عشر. وفي هذا الصدد يقول الأمير “لويس دي برولويه”:

“نشأ في القرن التاسع عشر حاجز بين العلماء والفلاسفة، فالعلماء ينظرون نظرة شك إلى تأملات الفلاسفة التي كثيرًا ما بدت لهم وقد أعوزتها الدقة في الصياغة كما أنها تدور حول قضايا عديمة الجدوى ولا حل لها. أما الفلاسفة فلم يعودوا بدورهم مهتمين بالعلوم خاصة لأن نتائجها كانت تبدو محدودة. ولقد كان هذا التباعد ضارًا بكل من الفلاسفة والعلماء.”

ما قاله دي برولويه جدير بالاهتمام حقًا، فانفصال العلم عن الفلسفة جعل العلماء والفلاسفة يفقدون الجوهر العميق لطبيعة العلم، وصار لكل منهما وجهة مختلفة عن الآخر، رغم الارتباط الجوهري بينهما.

لكننا بحاجة لإعادة العلم إلى حظيرة الفلسفة

بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟

بالعودة إلى الوراء قليلًا. قدم كل من كليبر وجاليليو ملاحظات دقيقة وأجروا تجاربهم حتى خرجوا لنا بالعلوم التي قدموها للبشرية فيما بعد. لكن لحظة، هذا ليس كل شيء. لقد تبنوا وجهات نظر ميتافيزيقية (علمًا بأنّ الميتافيزيقا فرعًا من فروع الفلسفة) عن الطبيعة ساعدتهما على التوصل لحركة الكواكب كما فسرها كليبر، كذلك حركة الأجسام الأرضية التي اكشتفها جاليليو. ويعبر جاليليو عن هذا الأسلوب المُتبع قائلًا: “كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات”. حيث افترضا أنّ القوانين الرياضية البسيطة التي نعرفها هذه تحكم الطريقة التي تحدث بها الظواهر الطبيعية، وكان لهذه الفكرة الميتافيزيقية دورًا قويًا في اكتشافاتهما.

وجاء القرن العشرين، وحاول العلماء المبدعون المزج من جديد من العلم والفلسفة، لكن ظلت فكرة الفصل قائمة، فقد كان يرى بعض العلماء أنّ العلم بحاجة إلى فلسفة حتى يصبح أقوى. وفي هذا الصدد علق عالم الفيزياء العبقري “ألبرت أينشتاين” وقال:

“أستطيع أن أجزم بأنّ أقدر من لقيت من الطلاب أثناء تدريسي لهم كانوا مهتمين اهتمامًا كبيرًا بنظرية المعرفة. ولا أعنى بأقدر الطلاب هؤلاء المتفوقين في قدراتهم فقط، بل أيضًا في استقلالهم في الرأي. ويميل هؤلاء في إثارة المناقشات حول بديهيات العلم وطرقه، ويثبتون بعنادهم في الدفاع عن آرائهم أهمية هذا المنطلق بالنسبة لهم.”

ويُلقي أينشتاين الضوء على أهمية الاهتمام بالجانب الفلسفي من العلم، فعند النظر إلى التغيرات العلمية القوية، نجد أنّ أساسها هو التفكير الفلسفي، مثل تغيير النظام البطليمي إلى الكوبرنيكي. كذلك التحول من الهندسة الأقليدية إلى غير الأقليدية. ومن الميكانيكا النيوتونية إلى النسبية. كل هذه الانتقالات الحاسمة في العلم كان لها أسس فلسفية في البداية.

وأخيرًا.. يقول أينشتاين، الخيال أهم من المعرفة. والخيال واحد من الأمور التي تدفع الإنسان لوضع افتراضات قد تصيب أو تخطيء، وهذه هي الفلسفة، فهي تجعلنا نتعمق فيما يحدث حولنا، وقد تدفعنا للتجربة وإثبات أو نفي الفرضية، وبذلك اجتمع العلم والفلسفة. والحقيقة إنّ العلم يستخدم الفلسفة، لكن كثير من العلماء ينكرون هذا، لأنّ هناك فكرة راسخة في أدمغة الجميع وهي أنّ العلم والفلسفة منفصلان تمامًا. وهذا غير صحيح، وهنا نجد ضرورة اجتماعهما معًا.

اقرأ أيضًا: تاريخ العلم في الحضارات القديمة، ومفهوم فلسفة العلم!

0

شاركنا رأيك حول "بعدما كان جزءًا منها.. متى وكيف فُصل العلم عن الفلسفة؟"