فيلم Against the Ice.. رعب البقاء الذي حرّكته دوافع الهيمنة السياسية

فيلم Against the Ice
الشيماء أحمد فاروق
الشيماء أحمد فاروق

6 د

يمنحك فيلم Against the Ice الذي يعرض على منصة Netflix نظرة ممزوجة بين الدراما والتوثيق، على مهمة تأمين مطالبة الدنمارك بجزيرة غرينلاند، من خلال معالجة تحكي قصة شخصين يكافحان لأجل البقاء على قيد الحياة ، حيث يروي العمل بناء على قصة حقيقية رحلة المستكشف إيجنار ميكلسن، من إخراج بيتر فلينث، وسيناريو نيكولاي كوستر والداو وجو دريك استنادًا إلى مذكرات ميكلسن. 

يبدأ الفيلم بعودة أحد المستكشفين إلى معسكرهم "أبالما" من رحلة استكشافية فاشلة وقد أصيبت قدماه بالصقيع الشديد والانتفاخ، وما كان أمامهم إلا أن يقرروا قطع أصابع قدمه المتورمة، وقام بهذا صديقه ميكلسن -نيكولاي كوستر فالداو- ورغم ذلك يرفض ميكلسن الاستسلام وإعلان فشله في وجود علامات الجزيرة، ولاءً لوطنه ورسالته، ولكنه لم يجد أحدًا من أعضاء البعثة متحمسًا لاستكمال البحث أو الانضمام إليه، باستثناء إيفر إيفرسن -جو كول- الذي يعمل في مجال الميكانيكا، ولكنه يحب ميكلسن لذلك يقرر التطوع معه، رغم عدم علمه الكافي بتفاصيل الاستكشاف. 

فيديو يوتيوب

سرديات درامية مختلفة ساقها الفيلم في إطارات متضافرة وممزوجة بدقة شديدة، وإن شابها بعض الملل نتيجة لموقع التصوير الواحد، ثلوج في كل مكان وكوخ صغير من الخشب وفردين فقط في مشاهد شملت 80% من أحداث الفيلم، وبالتالي قد تشعر بالملل، والذي اعتقد أنه مقصود لكي يدمجنا المخرج مع مشاعر الأبطال ونتوحد معهم. 


تعددت الأحبة في فيلم Against the Ice

الحب هو الدافع الأكبر والمحرك للشخصيات في العمل، والولاء هو ما دفعهم لكثير من التضحيات، وإن بدا غير ذلك، الأول وهو ميكلسن ذاته، الذي يبدو صارمًا ونزع من قلبه الرحمة أو الحب، ولكنه على العكس نكتشف مع الأحداث أنه يقوم بكل ذلك ويخاطر بحياته لأجل وطنه الذي يحبه كثيرًا واسترداد أراضيه، ووفاءً لذكرى صديقه الذي وجده متجمدًا تحت تراكم من الثلوج الثقيل، لذلك يقطع آلاف الأميال وتتعرض حياته لكثير من المخاطر ويكاد يفقد حياته ثم يكاد أن يفقد عقله ويصاب بالجنون بسبب الوحدة وفقدان الأمل في نهاية الأحداث، ولكن الحب، حب حبيبته التي تنتظره في أرض الوطن، يجعله يحاول ويصمد ويحاول أن يشعر بها، يتخيلها ويلمسها ويقترب منها في خياله، ويدفئ روحه بروحها حتى وإن كان كل ذلك خيالًا. 

ذو صلة

فيلم Against the Ice

أما الشخص الآخر الذي دفعه الحب والعاطفة، إيفرسون، وهو شاب صغير وقع في إعجاب المستكشف الشهير ميكلسن والحكايات التي تروى عنه، ورغم قلة خبرته في العمل الاستكشافي، ومعرفته بالمخاطر الشديدة التي قد تحيط به بسبب مغامرته مع ميكلسن إلا أنه قرر بكل شجاعة ألا يخذل المستكشف الحزين ويساعده على إتمام عمله، وعندما يعودا سويًا ويكتشفا مغادرة أعضاء البعثة لا يلوم ميكلسن أو يحاول التعدي عليه بل يكون له عونًا وسندًا في مدة زمنية تجاوزت العام في القطب الشمالي.

والشخصية الثالثة هي حبيبة ميكلسن، والتي تحملت سنوات من البعد والعذاب بعيدًا عن حبيبها، بعد سفره إلى القطب الشمالي وشغفه تجاه عمله، لذلك انتظرته رغم وجود احتمال أنه مات بالفعل إذ حاولت البعثة التواصل معه ولكنه لم يجدوا أحدًا في الكوخ -أبالما- ولكنها كانت أول المنتظرين له عند عودته إلى بلاده ومعه دلائل استكشافه ونجاحه. 


مرارة الاختيار.. الوقوف بين شقي رحا

في أحد الخطوط الدرامية الأفضل على مستوى السرد في العمل ككل، الخط الذي يتناول حالة التخبط الذي يعيشها ميكلسن بعد فقدانه الأمل في كل شيء، وأن تأتي البعثة مرة أخرى، بعدما اكتمل تجمد الماء وأصبح جليدًا.

لحظات من العذاب يعيشها البطل بين الوهم والحقيقة، وعشرات الأسئلة التي تتدفق على العقل وتسحقه، هل كان  القرار صائبًا عندما قررت استكمل البحث؟ هل كان صحيحًا العودة مرة أخرى للتأكد من سلامة العلامات التي وضعتها أول مرة لإثبات ملكية الجزيرة؟ هل كان صوابًا أن اصطحبت هذا الشاب عديم التجربة في هذا العمل معي؟ وغيرها من الأسئلة كانت تحيط به، وأهمها ما يتعلق بحبيبته، هل كان صوابًا المغادرة وتركها بمفردها، ولم يترك صناع العمل هذه الأسئلة تنساب على لسان ميكلسن بل خلقها داخل عقله وجعلنا نراها تخرج على لسان حبيبته التي يتخيلها وتوجه له اللوم. 


فيلم Against the Ice

بعد مرحلة الأسئلة بدأت الخيالات والأوهام تطارده حتى قادته إلى حافة الجنون، وقد خلق المخرج صورة بصرية معبرة عن هذه الحالة، التي وصل لها المستكشف ذو التركيز العالي، فقد قدم المخرج عددًا من المشاهد التي تعبر عن حالة التيه والتخبط الذي يعيشه، ومشاهد تجمعه مع حبيبته في خياله، وهو يحتضنها ويقبلها، رغم أننا نراه واقفًا بمفرده ويحتضن الهواء، حالة من التناقض تعبر عن شعور البطل بالحزن وفقدان الأمل في العودة لحبيبته.

يصل ميكلسن لقمة التخبط، واختلاط الخيال بالحقيقة، عندما يهجم على إيفرسون، ويحاول قتله ويطارده ثم يحاول إطلاق النار عليه، عندما يمزح معه إيفرسون حول الفتاة التي يتخيلها ميكلسن ويخبره أنها زارته في منامه بالأمس، ورغم كل ما فعله ميكلسن لكن إيفرسون لا يهاجمه أو يوجه له اللوم على كل ما هم فيه، بل بالعكس يخفف عنه ويعاونه، لأنه يحبه. 

في اعتقادي هذا الجانب من أهم عوامل استكمال مشاهدة الفيلم إلى جوار السؤال المهم هل سوف تنقذ البعثة المستكشف ومساعده أم لا؟ لأنه ممتلئ بالحب والحنين والشاعرية مما يجعله أكثر جاذبية.


السياسة على هامش الأحداث وفي قلبها

قد تعتقد أن الفيلم غير متعلق بالسياسة، ولكنها في صميم تفاصيله وإن لم تكن مباشرة ولكنها تحرك الأحداث، فهذه البعثة وغيرها من البعثات العديدة التي أرسلت كان هدفها الأساسي الحفاظ على هذه الأرض من السيطرة الأمريكية، ونجد أن البطل يكرر هذا الكلام أكثر من مرة في حديثه. 

في عام 1909، انطلق المستكشف القطبي الدنماركي إجنار ميكلسن في مهمة لاستعادة الخرائط والمجلات المفقودة لبعثة استكشافية في القطب الشمالي محكوم عليها بالفشل إلى الساحل الشمالي الشرقي لجرينلاند. 

في عام 1891، حدد المستكشف روبرت إي. بيري الخطوط العريضة للساحل الشرقي لجرينلاند ورسم خريطة لقناة تفصل ما يعتقد أنها جزيرة سماها جزيرة بيري لاند عن البر الرئيسي، مما يسمح لأمريكا بالمطالبة بالجزيرة، أدى ذلك إلى قيام البحارة الدنماركيين العازمين في رحلة خطرة للاعتراض على هذا الادعاء في عام 1907.


فيلم Against the Ice

لكن في أغسطس 1909، تعلق سفينة ميكلسن في جليد القطب الشمالي على بعد حوالي 200 ميل من المكان الذي كان يعتقد أن أسلافه قد ماتوا فيه، ووفقًا لسيرته الذاتية Two Against the Ice، بدأ ميكلسن الرحلة مع ستة رجال للكشف عن المكان، ولكن يتركه الرجال حينما يذهب الرجل ومتطوع آخر لاستكمال البحث، ويجد نفسه مجبرًا على تحمل شتاءين في القطب الشمالي، مع مواد غذائية تركها الرجال له قبل أن يغادروا. 

بعد فشل إحدى الرحلات الاستكشافية طالب ميكلسن، الذي عرفه عنه تمتعه بوطنية وحب شديد لوطنه، بتمويل الرحلة بأموال دنماركية، وافقت حكومته على تمويل نصف التكلفة والسماح للجمهور بجمع الباقي، واختار ميكلسن طاقمًا مكونًا من ستة رجال ومركبة شراعية ضخمة "ألاباما" وغادرت كوبنهاجن في 20 يونيو 1909.

في عيد ميلاد إجنار ميكلسن التسعين في عام 1970، تم تكريمه على المستوى الوطني من قبل الحكومة الدنماركية. توفي بعد أشهر قليلة، في الأول من مايو عام 1971، ومع تسمية سفينة دورية دنماركية وسلسلة جبال جرينلاند باسمه.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة