فيلم إبراهيم الأبيض
0

في نهاية عام ٢٠٠٩ أو بدايات ٢٠١٠ كانت تلك هي المرة الأولى التي شاهدت فيها فيلم إبراهيم الأبيض، شاهدته في بيت جدي كنت صغيرًا حينها مثل التلفاز، انبهرت به وبتفاصيله، والآن بعد عشرة أعوام أعود لأكتب عن فيلم شاهدته أكثر من مرة دون لحظة ملل واحدة.

وقعت عيناي للمرة الأولى -في بداية الفيلم- على الجملة المكتوبة فوق الشاشة من شاعر عربي مجهول يقول فيها ”مساكين أهل العشق حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر“ ومن هنا بدأت الحكاية وبدأ عشري بالحديث.

فيلم إبراهيم الأبيض، هل صنع أسطورة إبراهيم الأبيض أم أسطورة عبد الملك زرزور؟

عمرو واكد في دور عشري

من دون عشري سيصبح الفيلم ناقصًا أو بالأحرى بدون تجسيد عمرو واكد، من اللحظة الأولى درس الشخصية عاش معها بكل تفاصيلها، وهذا ما يفسر التصميم الرائع الذي ظهر لنا على مدار الفيلم.

سيعيش دور عشري لآخر العمر، واحدة من أفضل أدواره في العموم، ضف على ذلك صوته في السرد وهو يقول ”إبراهيم مبيخافش غير من الغشيم، الغشيم يعني هيموتك أو يزنقك تقتله، الصياعة أنك تعور ما تموتش، تشرط سطحي ما تغوزش‏ تكسر عين الي قدامك وتخليه ماشي وعلى قورته توقيعك“ على الأغلب سمعتها بصوته وهنا تتجسد عبقريته.

عشري فشل في كل شيء، فشل أن يصبح ”صاحب صاحبه“، وفشل أيضًا أن يخونه، وقف به الزمن في المشهد الختامي حينما سقط منه كوب الشاي، فشل في الحفاظ على أمانة إبراهيم، طمع في حورية بلسان حال يقول ”وهي جت عليا“.

بعدها فشل في تقبل نفسه ووضع توقيعه على جبهته، حتى حينما قرر أن ينهي حياته، فشل بجدارة رغم ذلك كله من الصعب أن تكرهه، وربما من شدة حبه في إبراهيم كان يروي القصة بنفسه!

عمرو واكد

إبراهيم الأبيض الاسم المكتوب باللون الأحمر كرمز للدماء، ذلك اللون الأحمر الذي ينافي اسمه وينافي قلبه حينما أحب، كان إبراهيم معجبًا بنفسه، عنده ما يكفيه من الثقة كما أنه جريء ”والجرأة حلوة، الجرأة حلوة مفيش كلام“.

كان إبراهيم يمتاز بالذكاء ولديه قدرة على الإقناع ”يبني آدم مرواحي للحاجة عندي فرصة أرجع وبالحاجة كمان، مرواحنا إحنا الاثنين يعني حملة، يعني اثنين ميتين يا عشري“.

أدوار ثانية جابهت الأدوار الرئيسية وتفوقت عليها أحيانًا

ابراهيم وعشري فيلم إبراهيم الأبيض

دخل الحارة كبطل سينمائي وخرج منها حيًا ”كان ضارب ولا أرزخانة بحالها“ ”وزي ما قال سيد شيبة الله يرحمه يا روح ما بعدك روح“ من هنا ساقته الدنيا بعنفوانها، لم يهمه شيء بقدر ما همه الحب.

الحب الذي جعله يفر هاربًا من السجن من أجل مقابلة يوضح فيها موقفه، لكن للأسف انتهى الوقت ولم تعطيه حورية فرصة أخرى، حتى حينما اشتاقت، رغبة عشري فيها قتلت الكثير وإبراهيم وحده من هُزم بعد أن ظن أنه لا يُهزم.

أُحب كل كلمة في السيناريو وأحب الطريقة التي قيلت بها ”‏هو كان بيهلك وقتي وهو يعجز وعنيه تطفي زي الأول وأكتر“ حتى عبد الملك زرزور لم يسلم من الحب وعلى حد قوله ”الإنسان ضعيف“ ”ويوم الاثنين الساعة ٧“ أصبحت ذكرى تطل في طيف إبراهيم تناكفه بين الحين والآخر.

محمود عبد العزيز في عبدالملك زرزور

ورغم أن عشري طيلة الفيلم فاقد للوعي وغير مدرك، كان الوحيد الذي يعرف النهاية، كان يعرف أنها ”مش نصيبك يا إبراهيم عمرها ما كانت لك“.

على مدار الفيلم لا تغفل للحظة عن القصة ولا عن الحوار، عن الحب بين المستقبل والجُرح القديم، لا أصنفه فيلم عدواني أو مروج للبلطجة كنوعية أفلام أخرى تم تقديمها، فالفيلم يحمل في ثناياه تفاصيل كثيرة ذات قيمة.

حتى في لحظة الحقيقة، رفض إبراهيم تصديقها كان يظن عشري يمزح معه، حتى حينما خسر كل شيء لم يخسر صديقه وظل يناديه لحظة وفاته، لم يقوى عشري على مواجهة إبراهيم، قِلة العقل والخيانة من طرف واحد يقضي على الطرفين المشتركين في المعادلة بسهولة.

كانت حورية في ملكوت آخر كانت تظن الأمور ما زالت تحت سيطرتها لكنها خسرت أيضًا ونهايتها كانت ”أهون عليكي تهوني عليا“ لم يفز سوى زرزور وهو أمر متوقع لشخص لا يملك مشاعرًا تجاه أولاده، لا يخاف فهو يكمل قهوته بهدوء بينما السكين فوق رقبته.

هند صبري في إبراهيم الأبيض

ينتهي كل شيء وتبقى موسيقى هشام نزيه باقية لا تفارق ذهنك، لا تفارقك كادرات مروان حامد في مشهد حورية وعشري أثناء صراعاتهم وأثناء اتفاقهم.

حورية وعشري

ستشعر بالسعادة عند مشاهدة إبراهيم الأبيض وستحزن فقط على حزن إبراهيم حينما يدرك أنه لم يباع بقدر ما يستحق ”بعتني بكام يا صاحبي، خمس بواكي خمس بواكي شوية على إبراهيم الأبيض يا عشري“.

دعني الآن أخرج من أحداث الفيلم ولا أخرج منه، سأرافقك في رحلة الـ soundtracks يداي في يدك في يد هشام نزيه، بل في قلبه في عالم فريد من نوعه.

قبل الدخول في سحر المقطوعات سأخبرك أنه حين استلم جائزة فاتن حمامة مؤخرًا قال ”أساسًا أصعب حاجة أنك تطلب من مؤلف موسيقى أنه يتكلم، إحنا سبب رئيسي من اللي بيخلينا نألف موسقى إننا مبنتكلمش“.

هشام نزيه وتكريمه

دعني الآن أصطحبك للمقطوعة الأولى باسم Rage -الغضب- كما سماها نزيه، لا أطلب منك أن تتذكر المشهد المخصص لها، ركز في أدق التفاصيل عند الاستماع، دقق في صوت المنشد ”رَدَّ الغَيُورِ يَـدَ الجانِي عَن الحُرَمِ لها مَعَــانٍ كَموْجِ البحرِ في مَـدَدٍ“.

يُسِقط نزيه الإيقاع في منتصف المقطوعة نوعًا ما، ثم يعلو مرة أخرى، بعدها تشعر بالدماء تلاحقك في خيالك بل تسمع صوت سقوطها على الأرض.

تشاجر وحماس رهيب تلمحه في المقطوعة الثانية unleashed -إطلاق العنان- مبدع حتى في إختيار الأسماء، وبالطبع متقن في خياله.

يمكنك التنقل بسهولة بين المقطوعات، نزيه نفسه يفعل ذلك لكن في نفس المقطوعة تطير وتسقط تيأس وتفرح كل التناقضات في معنى واحد متشابه!

مقطوعة old love -الحب القديم- أساس القصة كما ذكرت يسأل نزيه لمن الغلبة من ينتصر، المنشد في قوله الله في البداية ثم الصمت التام لمدة ثانيتين ليعود عازفًا على وتر الحب يسأل ويجيب بالموسيقى.

تفقد برفق كمستمع مقطوعة no way back اللحظة التي أدرك فيها إبراهيم أنه لا رجوع من الحب إلا إليه، ولا فرار من القدر إلا إليه، تشعر بالشيب حين تسمع المقطوعة، انهزام تام للمشاعر ثم العودة للسكون والنسيان.

أحمد السقا إبراهيم الأبيض

أنهي كلامي بمقطوعة train حتى في ترتيب الموسيقى كانت الأخيرة، لا أعلم إن كان يقصدها، ولكن على الأرجح كان يقصدها، لن يتركك عالقًا في وسط المعركة أراد أن ينقذك بالرحلة بالسفر إلى الحب، فكل الحب لنزيه ولإبراهيم الأبيض.

0

شاركنا رأيك حول "محطات إبراهيم الأبيض في قطار الصداقة والحب"