في سلسلة أفلام هاري بوتر، وعلى مدار الثمانية أجزاء، كانت شخصية المعلم دمبلدور من أكثر الشخصيات غموضًا وأقلهم كلامًا. وحتى في الروايات الأصلية التي يحظى بها جميع الشخصيات على مساحة أكبر لتظهر جوانب متعددة معقدة من شخصياتهم، إلا أن البروفسور "ألباس دمبلدور" كانت شخصيته تمثل الحكيم قليل الكلام شديد الذكاء، صاحب الخطط التي تسبق عدوه بثلاث خطوات أو خطوتين على الأقل، وبالطبع المضحي. وأخيرًا هناك سلسلة جديدة تعرض هذا الجانب وهي سلسلة وحوش مذهلة Fantastic Beasts، وبالأخص فيلم أسرار دمبلدور.. من إخراج ديفيد ياتس وتأليف جي كي رولينج وستيف كلوفز، من بطولة إيدي ريدماين، جود لو ومادس ميكلسن.

ألباس براين دمبلدور.. مدير مدرسة هوغوورتس وصديقنا المقرب

"مع أنه كبير جداً في السن، إلا أنه يعطي دائماً انطباعاً بالطاقة الكبيرة، شعره ولحيته يمتدان على طول أقدام، نظارة هلالية الشكل، وأنف معقوف بشدة. كان يوصف غالباً بأنه أعظم سحرة العصر، لكن هذا لم يكن ما جعل هاري يحترمه. لا أحد يستطيع إلا أن يثق بألباس دمبلدور".

ألباس برسيفال وولفريك براين دمبلدور.. واحد من عرّابي عالم السحرة، مدير مدرسة هوغوورتس للسحر التي تعد من أعرق مدارس السحر في العالم، فائق القوة وذائع الصيت ومع ذلك، مثلنا مثل هاري شعورنا الأول تجاهه هو أنه "صديقنا المقرب". يرجع ذلك لتواضعه وهدوئه الشديد في التعامل مع الجميع. بجانب ذلك، يعد ألباس المثل الأكثر وضوحًا على شخصية "المرشد- Mentor" التي ذكرها جوزيف كامبل في كتابه البطل بألف وجه التي يقابلها البطل في المرحلة الثانية من رحلة بطولته، مع العلم أن مساعدة دمبلدور لهاري استمرت طوال رحلة الأخير البطولية، وحتى بعد موت الأول.

ولأن لكل جواد كبوة، بالتأكيد لم يتفق الجميع على حب العجوز دمبلدور، أولهم المعلم سيفروس سنيب، المعذب في حب ليلى، الذي حمى طفلها فقط لأنه "لديه عيون والدته". ففي المواجهة الأخيرة بين دمبلدور وسنيب يستنكر الأخير السهولة التي يضحي بها بطفل ليلى بعد أن رباه مثل ماشية الأضحية. الحقيقة أن الحكمة الكبيرة تأتي معها قسوة محتملة، فوجود دمبلدور في موضع الحكيم متخذ القرار، وانتظار رأيه في الأمور المهمة يأتي معه عرض جانبي أحيانًا ضار لبعض الأطراف لحساب المصلحة العامة. هل تتخيل كم الأضرار الجانبية التي الحقها ألباس بشخص ما على مدار 115 عامًا مليئة بالأحداث المصيرية؟ تخيل إحساس الذنب الذي يحمله في قلبه باستمرار! بالتأكيد لم تكن حياة العزيز دمبلدور هينة.

في Fantastic Beasts.. دمبلدور بين الحب والواجب الأخلاقي

على مدار سبعة أفلام تقريبًا لم يقدم إلينا أية معلومات عن الحياة الشخصية للبروفسور ألباس دمبلدور، لنفاجأ في نهاية الفيلم الأخير بوجود أخ يشبهه بدرجة كبيرة و أخت متوفية في ظروف غامضة، وهو الأمر الذي جعل محبي السلسلة في تساؤل دومًا عن حياته خارج جدران هوغوورتس مستغلين اللقاءات الصحفية التي تقوم بها الكاتبة جي كي رولينج. وبوم! في عام 2007 تصدم الجميع في لقاء صحفي بمعلومات شخصية -حساسة– للغاية عن دمبلدور، بالأخص عن الشاب ألباس دمبلدور. توضح رولينج أن المعلومة الأولى التي عرفناها عن ألباس دمبلدور من الكارت السحري في الجزء الأول عن هزيمته للساحر الشرير جيليرت جریندیلولد، لم تكن كاملة. فالجزء الناقص منها أن جريندل فالد هو حبيب دمبلدور الوحيد، نعم فإن دمبلدور مثلي الجنس منذ لحظة كتابته الأولى في عقل جي كي رولينج.

هل تراودك الشكوك حول تأثير الصوابية السياسية حول هذا الأمر؟ بالتأكيد هو تفكير منطقي للغاية، ففي العشر سنوات الأخيرة لا يمكن إنكار تغيير الصوابية السياسية لشكل العديد من الأعمال الفنية، ولنا في أعمال ستوديوهات مارفل أفضل مثال. وقد تزداد شكوك عند تتبع شخصية دمبلدور في الأفلام التي بدأت في 2001 وانتهت في 2011، لم يكن هناك أية إشارة من قريب أو من بعيد لهذا الأمر. مع ذلك يبدو الأمر منطقيًا للغاية، ففي ظل الخوف من فشل فيلم معتمد على روايات لم تلقَ استحبابًا من دور النشر في البداية، وضع ميزانية كبيرة في فيلم واحد وفي النهاية كونه موجهًا للأطفال في المقام الأول، كل تلك الأسباب -ومع مراعاة التوقيت- تعد أسبابًا قوية لتجاهل ذكر معلومة أن البروفيسور/ المرشد للبطل، مدير المدرسة مثلي الجنسية.

إذا، ووفقًا للكاتبة، علينا التسليم بحقيقة أن ألباس هو شاب مثلي الجنس، وقع في حب الساحر -لفظيًا ومعنويًا- جریندیلولد بمجرد أن تعرف عليه. وبناء عليه يوافق المسحور ألباس على أفكار صديقه النازية التي تطمح لسيادة وسيطرة عرق السحرة على العالم، حتى وإن كان ثمن ذلك إبادة عرق العامة بأكمله. وتكليلًا لهذا التعاهد -الضمني- على السير معًا للنهاية، يعقد جریندیلولد ودمبلدور عهدًا بالدم على عدم محاربة بعضهما البعض. وأخيرًا، وفي غمرة من عنفوان الشباب يقرر الحبيبان السفر معًا، ومع معارضة أبرفورث للأمر واحتداد النقاش الذي يتطور لمبارزة يسفر عنها قتل أختهم الصغيرة أريانا. في تلك اللحظة ينفصل الحبيبان ويعود دمبلدور لرشده ويبدأ في محاربة أفكار الشرير جریندیلولد، وحتى وإن كان سيظل يحبه للأبد.

في Fantastic Beasts.. يبدو أن الحب هو عماد البشرية بالفعل عزيزي فرويد

"الحب هو مأساة دمبلدور العظيمة.. إن الوقوع في الحب يمكن أن يصيبنا بالعمى لبعض الوقت".

يبدأ فيلم الوحوش المذهلة: جرائم جريندلوالد - Fantastic Beasts The Crimes of Grindelwald بمشهد صامت لنقل المجرم جيليرت مقطوع اللسان من سجنه لمكان آخر لمحاكمته، وأثناء عملية النقل يهرب ببراعة شديدة في مشهد قتال ظلامي حماسي. في حين يبدأ فيلم الوحوش المذهلة: أسرار دمبلدور Fantastic Beasts: The Secrets of Dumbledore بمشهد هادئ للغاية يجمع بين صديقين/ حبيبين قدامى، وبشكل متحضر للغاية يتوعد كلٌّ منهما بالقضاء على أفكار الآخر حتى وإن كان ثمن ذلك هو قتل صاحب الفكرة نفسه.

وبالرغم من أن اسم الفيلم يحتوى على اسم دمبلدور، إلا أنه نجح ببراعة أن يناقش جوانب متعددة من حياة الأخير بدون أن يكون هو البطل الأساسي الذي يظهر في معظم المشاهد. فلم يغفل الفيلم أن البطل الأساسي للفيلم هو نيوت سكمندر/ إيدي ريدماين، حيث حافظ السيناريو على مساحة دور كل منهما. إلا أن الفيلم بشكل عام وقع في فخ المماطلة والإطالة بلا هدف، 150 دقيقة تقريبًا يمكن حرفيًا اختزال أحداثها في 75 دقيقة على الأكثر. ومع انتهاء الجزء الثالث من السلسلة حتى الآن لم نر المعركة التاريخية التي قضى بها على واحد من أخطر السحرة في التاريخ، تلك المعركة التي سمعنا عنها منذ عشرين عامًا تقريبًا في فيلم هاري بوتر وحجر الفلاسفة.

الحقيقة أن فيلم أسرار دمبلدور لم يهدف إلا إلى شيء واحد -بجانب استعراض الوحوش المذهلة- وهو كشف جانب كبير من شخصية ألباس، كيف يتحكم به إحساس دائم بالذنب بسبب قتل أخته، إحساسه الدائم بعدم استحقاق التقدير، بشكل أو بآخر يشعر دومًا بأنه ليس بهذا الحسن الذي يراه الناس به. ليظهر ذلك في النهاية بعد اختيار حيوان التشيلين له كشخص يستحق التقدير وعليه يستحق أن يتزعم السحرة، يرفض المنصب لأنه يرى نفسه لا يستحقه. فكما كان يعلم العجوز دمبلدور أن عليه أن يضحى بهاري في النهاية من أجل الصالح العام، يعلم الشاب ألباس أنه سيفقد ابن أخيه كرينديس فلم لا يفقده فيما يفيد الصالح العام كذلك؟

وأخيرًا، في لقطة ممهدة للقتال الأكبر المنتظر يتواجه الحبيبان السابقان مستعدين لتوجيه الضربة القاتلة لكل منهما، ولكن مع ذلك لا يقدر أي منهما على توجيهها، فعلى الرغم من كل ذلك، وحتى الآن يظل دمبلدور ضعيفًا أمام مشاعره القوية تجاه حبيبه القديم، ومن المفترض أن توضح لنا الأجزاء القادمة دوافع نفسيه قوية تجعله قادرًا على مواجهة حبيبه وهزيمته ووضعه في السجن ما تبقى من عمره.

اقرأ أيضاً: ترتيب سلسلة أفلام هاري بوتر من الأسوأ إلى الأفضل