فيلم The Best offer
0

على أنغام موسيقار السينما الراحل الإيطالي “إينو موريكوني” استطاع أن يغرد ابن بلاده المخرج “جوسيبي تورناتوري” بفيلمه ما قبل الأخير The Best offer الذي قدمه عام 2013، والذي حصل على تقييم 7.8 على موقع IMDb. ومن خلال هذا الفيلم عرض تورناتوري كعادته فلسفة أخرى، ونظرية أخرى تحتاج إلى التعمق والتأمل في الطريقة التي عُرضت بها، وهذه المرة يتحدث تورناتوري عن الحب بشكل ظاهري، أما في أعماق الأمر فالحب مجرد أداة استخدمها تورناتوري ليضرب بها العديد من الأشياء في مقتلها.

وكما عُرفِت أفلامه التي أغلبها كانت من كتابته مثل هذا الفيلم، أنها مليئة بالشخصيات المعقدة والمركبة، والمحملة بكثير من الاضطرابات النفسية، والتي دائمًا ترمز لشيء ما يريد تورناتوري أن يتحدث عنه بأسلوبه الفني الغير المباشر، وفي هذا الفيلم جاءت شخصية من أصعب وأعقد شخصيات أفلامه وهي شخصية “فيرجيل أولدمان” الذي قدمها الممثل الأسترالي القدير “جيوفري رش”.

مراجعة فيلم Tenet .. رجلٌ واحد عليه أن ينقذ العالم

قصة فيلم The Best offer

جيوفري رش في شخصية فيرجيل أولدمان فيلم The Best offer

في عالم المزادات والتحف الفنية الراقية، نرى “فيرجيل أودلمان” العجوز الخبير في تقييم الأنتيكات واللوحات الفنية، صاحب مزادات البيع الأكثر شهرة في العالم لهذه الأشياء، غريب الأطوار ونرجسي النزعة ويعاني من الوحدة الشديدة في حياته، كما أنه لديه هوس شديد بلوحات النساء الشهيرة ويقوم بتجميعها، بطريقة ما بمساعده صديقه الرسام المغمور “بيلي” العجوز.

يتم تكليف “فيرجيل” من قبل وريثة شابة تدعى “كلير إبيتسون” لبيع مجموعة كبيرة من التحف والأعمال الفنية التي تركها لها والدها، ولسبب ما ترفض “كلير” رؤية “فيرجيل” وتتواصل معه لفترة طويلة من خلال الهاتف فقط دون أن يرى بعضهما البعض، وأثناء قيام “فيرجيل” بعمليات الجرد في فيلاتها يلفت انتباهه أجزاءً ميكانيكية غريبة وفريدة الشكل، يرجع عمرها للقرن الثامن عشر حيث تم استخدامها في عمل أول إنسان آلي في التاريخ، فيعرضها على صديقه الشاب “روبرت” الميكانيكي الخبير في النساء، ليساعده في تجميعها وعمل إنسانًا آلي منها، ولينصحه في علاقته الغريبة مع “كلير”، والتي تتطور بتجميع “فيرجيل” لتلك الأجزاء مرة وراء الأخرى، ومن هنا تبدأ أحداث القصة في التصاعد شيئًا فشيئًا.

طريقة التناول

فيرجيل في بيت كلير فيلم The Best offer فيرجيل في معرضه مع كلير
لا يوجد خلاف على أن تورناتوري يعتبر من أفضل المخرجين الذين يقدمون قصص فريدة وسينمائية بحتة، وأن أفلامه لها طابعها الساحر الذي ينسجه تورناتوري دائمًا بعناية فائقة، وبرؤية فلسفية شديدة العمق والبساطة في الوقت نفسه. وفي هذا الفيلم يقدم لنا تورناتوري فلسفة جديدة للحب، ليس فقط حب الأشخاص بل وحب الأشياء أيضًا. فـ “فيرجيل” رجل محب للوحات الفنية التراثية، وخاصة ما رُسم للنساء منها، وللتحف والأنتيكات التاريخية، ومن شدة حبه لهذه الأشياء أصبح خبيرًا فيها وأصحبت هي مصدر رزقه وشهرته، وعلى حساب هذا أفنى عمره كله في ذلك المجال وأصبح وحيدًا في النهاية، إلى أن أتت “كلير” وقلبت موازين حياته كلها.
فشخصية مركبة مثل “فيرجيل” استطاع تورناتوري أن يظهرها بالشكل الواقعي جدًا لها، وفي الوقت نفسه استطاع أن يتلاعب بها من خلال أحداث قصته -التي كتبها هو نفسه- وحكم عليها أن تعيش في صراع نفسي مؤلم من خلال “كلير”. ذلك الصراع الذي يجعل أي مشاهد للفيلم يتماهى ويتعايش مع الشخصية وكأنه مكانه، وهذا هو سر براعة وذكاء تورناتوري الفني دائمًا. فـ “كلير” تعتبر مرآة “فيرجيل” والصورة الأوضح لأزمته النفسية التي لا يراها أو يرهب منها دائمًا وهي “الاختلاط”، ذلك الذي نشأ من عقدته تجاهه حرمانه من الحب طيلة حياتي، وقلة ثقته بمن حوله، ونرجسيته أيضًا في الوقت ذاته. ومن هذه النقاط التي يتشابهان الاثنان فيها، استطاع تورناتوري أن يبني عامود فيلمه من خلال قصة حب تجمع بينهما بشكل ما كلف كل منهما، وبالأخص “فيرجيل”، الكثير من المتاعب والعناء.

وكل ذلك طبعًا جاء مُغطى في عباءة تورناوري الفنية، والمعروفة بصورها الخلابة السينمائية التي تتحدث عن نفسها وترسل معاني تثقل من رسالة الفيلم، والتي تعتبر من إحدى مميزات الفيلم في نظري، وبجمل حوارية رنانة شديدة العمق، وترسل بوضوح كل ما يريد تورناتوري إرساله للعالم من خلال فيلمه.

مرور 20 عامًا على فيلم الناظر أيقونة الكوميديا في الألفية

فلسفة عميقة تنظر للمجتمع برؤية أعمق

virgil oldman in restaurant

في هذا الفيلم لم يكن هدف ترناتوري هو عرض قصة سينمائية شيقة وحسب، بل وعرض جوانب عميقة يمكن من خلالها النظر للمجتمع برؤية أعمق. فكما عرض تورناتوري الطبقية بأسلوب بارع وذكي في علاقة “فيرجيل” بـ “روبرت” مستخدمًا فكرة الاحتياج، فعلاقتهما قائمة على الاحتياج المتبادل، فيرجيل يحتاج روبرت من أجل أن يرشده في علاقته مع “كلير” ومن أجل إنهاء الإنسان الآلي، أما الآخر فيحتاج فيرجيل من أجل المال. نفس الاحتياج القائم على المصلحة مقابل المال في علاقة “بيلي” بـ “فيرجيل”.

وكأن تورناتوري يريد أن يصدر لنا أن ما يحكم العلاقات الطبقية ليس الحب أو الصداقة النقية، بل المصلحة وحسب! ولذلك فمن يبادر في علاقاته بجانبه الطيب والنقي الذي يخفيه، ينل ما لا يرضيه… هذا هو الواقع الذي يقدمه تورناتوري بذكاء شديد في فيلمه.

فمن أجل المال أو المصلحة النابعة أولًا وأخيرًا من الاحتياج، يكمن لأي شيء أن يصير مزورًا، فالفن ليس هو فقط ما يوجد منه نسخ مزورة كما يزعم “فيرجيل”، بل والحب والمشاعر والصداقات والبشر أيضًا.

فيلم The Best offer ليس مجرد فيلم له قصة جيدة، وصورة بصرية فريدة وحسب، بل هو درس كبير في الحياة يعلمنا كيف يكون الحب الصادق، ويعرفنا وحشية وقسوة هذا العالم من وجهة نظر صاحبه، بالإضافة إلى ذلك فهو رحلة مثيرة لا تخلو من التشويق، والمتعة على كل المستويات الفنية بصريًا وسمعيًا.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم The Best offer كل شيء في الحياة يمكن أن يكون مزورًا حتى المشاعر"