مستطاع الطعزي و قمر الغسالة
0

لا يجب على الفن أن يعكس المجتمع فقط بل يجب أن يقدم حلولًا جيدة تساهم في تقدمه، ويمكن أن نطلق على الفنان مصطلح نيتشة في وصف الفيلسوف، وهنا سنعتبر أن الفنان هو طبيب المجتمع يشخصه ويعالج مشاكله، وإن لم تتم عملية العلاج هذه بشكلٍ واضحٍ، فيكفي أن يعري الفن المجتمع أمام نفسه.

وبالطبع لا نقول هنا أن الفن يقوم بالتهذيب والإصلاح بشكل أبوي أو ديني، وإلا تحول الفنان إلى واعظ وتحول الفن إلى أداة مبتذلة لا يحبها أحد، ومن هذه المقدمة يمكننا الانطلاق والتحدث عن فيلم البيضة والحجر، الفيلم الذي قرر مساعدة المجتمع. 

مستطاع الطعزي و توالي جنيح مراجعة فيلم البيضة والحجر

عن الفيلم

تم إصدار هذا الفيلم عام 1990، والفيلم من إخراج علي عبد الخالق، وكاتب السيناريو هو محمود أبو زيد، والفيلم من بطولة أحمد ذكي، ومعالي زايد، وممدوح وافي؛ وتدور قصة الفيلم حول أحمد زكي الذي يقوم بدور مدرس الفلسفة “مستطاع الطعزي”، مستطاع هو مدرس فلسفة ويظهر من بداية الفيلم تأثره بما يدرسه في المدرسة لطلابه، وتأثره برسالة الدكتوراه التي يحضرها، ويظهر هذا التأثر في عدة شعارات يعيش بها مستطاع الطعزي حياته، أول هذه الشعارات “أنا إذا غلا شيء علي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا” ومن هنا نجد أن مستطاع الطعزي يبدأ في ترك أي شيء يضعه تحت ضغط، ولا يكاد شيء يصبح عبئًا عليه حتى يتركه في الحال.

بعيدًا عن مستطاع الطعزي يبدأ الفيلم بمشهد في سطح إحدى البنايات الشعبية، نجد الحكومة تنتشر على أعلى البناية وتريد فتح غرفة قديمة وذلك بسبب طلب من صاحب البناية، لكن نجد أن سكان البناية يرفضون عملية فتح الغرفة القديمة، وهنا تظهر معالي زايد في دور “قمر الغسالة” التي ترفض فتح الغرفة بشدة ويظهر عليها خوف كبير، وبمراقبة المشهد الافتتاحي ستشعر أن فتح هذا الباب سيكون السبب في نزول اللعنات على السكان والمُشاهد نفسه، وسنعرف أن سبب هذه الضجة وسبب هذا الخوف والذعر، هو أن ساكن الغرفة القديم دجال يسمى “سباخ التيبي” ويقوم بدوره محمود السباع.

يعرف سباخ التيبي بأنه صاحب كرامات، ويحقق للناس ما يعجز العلم والطب على تحقيقه، يروض الجان وتجري على يده معجزات لا تُتاح لأي إنسان، وقد حذر سباخ سكان البناية أن اللعنات ستصيبهم إذا فُتحت هذه الغرفة، وإذا توقف النذر الذي يقدم كل شهر، ونجد أن سباطه البواب وكآوده -الذي ينادي الناس لركوب السيارات- يساعدون سباخ في جمع النُذر والأموال من السكان وذلك حتى تظل حياتهم سالمة وهانئة، في النهاية ستفتح الشرطة الباب، وسيتساقط التراب على أعينهم حتى يسلبهم القدرة على الرؤية وتمييز الأشياء.

أسطورة يجب أن تهدم 

غضب صاحب البناية “أحمد غانم” جراء الأفعال التي قام بها السكان، وكان يرى أن الجهل والتخلف هو السبب الذي يجعلهم يقومون بهذه التصرفات غير المبررة، ولذلك نجده في بداية الفيلم يبحث عن إنسان ذكي لا يؤمن بالخرافات وذلك حتى يؤجر له الغرفة على السطح، وهذا سيساعده على التخلص من القصص التي تنسج، كما ستساهم هذه الخطوة في إثبات جهل السكان أمام أنفسهم، وأثناء حديث أحمد غانم مع أحد السماسرة على أحد المقاهي المصرية يدخل المدرس مستطاع الطعزي فجأة، ويسمع الكلام بينهم ويقرر تأجير المنزل لكنه يستغل المشاكل المثارة حول البيت، ويخبر صاحب البيت أنه سيؤجر أول شهرين مجانًا.

كشف الحقائق 

يترك مستطاع سكنه المشترك مع “توالي جنيح” وذلك بسبب غلاء سعر الإيجار عليه، ينتقل مستطاع سريعًا للغرفة القديمة، وهناك يعرف قمر الغسالة، وفي الليلة الأولى له يبدأ في ملاحظة أشياء غريبة تحدث في المنزل وتصل هذه الأشياء إلى ذروتها عندما يجد الصنبور يبثق دمًا، ولكن بسرعة أيضًا يكتشف أن البواب وكآوده هما السبب وراء كل هذا، لذلك سخيفهما ويخبرهما أنه سيخبر سكان البيت، ومع تقدم أحداث الفيلم يأتي الحدث الذي سيغير كل شيء.

مستطاع الطعزي وأول حالة يعالجها مراجعة فيلم البيضة والحجر

دجال جديد في الغرفة القديمة

مع تقدم أحداث الفيلم نرى امرأة تأتي بابنها إلى سباخ التيبي، وعلى الرغم من عدم وجوده يرسلها البواب إلى مستطاع، تلح السيدة عليه أن يساعد ابنها الذي لا يستطيع إقامة علاقة جنسية مع زوجته، مع زيادة الإلحاح يوافق مستطاع ويذهب إلى ابنها، ويخبره أشياء بسيطة عن زوجته ونفسه كان يجهلها، وهكذا يفعل مع زوجة الرجل، بعد هذه النصائح ينجح الزوجان في إقامة علاقة جنسية، وهنا تأتي والدة الرجل وتشكر مستطاع لكن بطريقة جعلت جميع الناس تعرف ماذا حدث، وعلى الرغم من أن العلاقة نجحت بسبب معرفة بعض الأشياء التي كان الزوجان يجهلانها إلا أن الناس قالت إن النجاح حدث بسبب بركات الشيخ، وهنا بدأت أسطورة جديدة.

مستطاع مع البواب و كآوده مراجعة فيلم البيضة والحجر

تضخم الأسطورة وبيع الوهم

لا يعرف مستطاع الطعزي أي شيء عن عالم الدجل، لكنه يعرف جيدًا كيف تلعب الحاجة دورًا هامًا في نفسية البشر، وكيف يمكن أن تحول الحاجة والأمنية الإنسان إلى عبد وسجين، ومن هنا انطلق مستطاع الطعزي في بناء اسمه وتضخيم نفسه كأسطورة لا تقارن بأحد، المدرس البسيط يستطيع أن يجلب الحب، ويحل العقد، يخبرك ماذا تفعل عند حدوث مشكلة معينة، كما يخبرك بحظك ومستقبلك؛ تعلم مستطاع كيف يسوق لنفسه جيدًا، فنجد أن صوره بدأت بالنزول في الصحف والمجلات، كما بدأ بالانخراط في المجتمعات الرفيعة وذلك بفضل صاحب الكوافير طاروطة، بدون أي موهبة أو علم أو شيء حقيقي بدأ رجل بسيط يتحول لمنقذ في أعين الناس والسبب في كل هذا أنه يُسمع الناس ما يريدون سماعه.

أقرأ أيضًا: أفضل أفلام مصرية كوميدية خلال 7 أعوام

الكاتب سعيد ناشيد مراجعة فيلم البيضة والحجر

الأمل خطيئة الإنسان الأولى 

لولا الأمل ما استطعنا أن نكمل حياتنا ليومٍ واحد، حياة الإنسان مليئة بالمشاكل والمعضلات اليومية والحياتية والوجودية، لكن يصعب على الإنسان أن يضع لنفسه نسقًا فكريًا يمكنه من التعايش مع الحياة على حقيقتها، بل نجد الإنسان يهرب دائمًا، يجد المخارج والأبواب في الحوائط الصماء، ليس ذلك بسبب أن الإنسان يستطيع أن يدمر هذه الحوائط بيده كما يقول لنا المنشغلون بالتنمية البشرية، بل السبب إلى أن الإنسان يأمل دائمًا، وهذا الأمل لا يجعل الإنسان يعترف بحقيقة الأشياء كما هي أمامه، بل ينتظر أمام الحائط الأصم عسى أن يفتح فيه باب بطريقة ما.

الفيلسوف نيتشه مراجعة فيلم البيضة والحجر

يخبرنا الكاتب سعيد ناشيد في كتابه “التداوي بالفسلفة” أن الإنسان يظلم نفسه بالأمل ويصبر على فساد واقعه بأحلام زائفة بدلًا من التعامل الجاد مع المشاكل وحلها، ومن هنا نجد العديد من الشعارات المألوفة مثل: الثورة غدًا، الخلاص غدًا، الإسلام غدًا؛ ويخبرنا الفيلسوف نيتشه أن الأمل هو شر الشرور؛ كما يلجأ الأطباء النفسيون أحيانًا إلى مواجهة المريض بحقيقة مشكلته إذا مات له قريب مثلًا، يخبره الطبيب ويؤكد له أن قريبه قد مات ولا أمل في عودته وذلك حتى يستطيع أن يعود للحياة طبيعيًا مرة أخرى بعد فترة حزنه.

ما علاقة الأمل بمستطاع الطعزي والدجل إذًا؟ المشكلة أن الإنسان تتكاثر عليه المشاكل أحيانًا فلا يعرف أين يذهب ولا يجد أي حل وهنا يبدأ الإنسان في صناعة أوهام تساعده على تحمل مشكلته كما يأمل في هذه الأوهام أن تظهر له حلًا مناسبًا من حيث لا يدري، والدجال هو رجل يبيع الوهم ويعطي الأمل، عند الدجال حتى أعقد المشاكل من الممكن أن تحل، فنسمع دائمًا أن أحدهم ذهب لدجال بعد أن فشل جميع الأطباء في إيجاد حل لمرض معين، والمشكلة هنا أن الإنسان لا يعترف بمحدوديته، ولا يستطيع تقبل أنه يتطور كل يوم وأن البشرية ولدت صغيرة وتكبر، لا يستطيع الإنسان هنا إلى قبول ما وصل له الطب، وبدلًا من التعايش مع حقيقة أن مرضه يصعب علاجه، يقرر الذهاب إلى الدجال، الذي يمثل له أمل جديد مثله مثل الطبيب لا أكثر ولا أقل.

مستطاع في ثوب الدجال فيلم البيضة والحجر

الإنسان بين الخوف والوهم

كما قلنا لا يتقبل الإنسان الحقائق كما هي، كما لا يحب الإنسان رؤية شيء بلا تفسير، فعندما سقطت الأمطار في اليونان لم يقل الناس أمطار فقط، بل صنعوا أساطير وآلهة وقصص، وذلك لأن الإنسان يخاف من الأشياء التي لا يعرف حقيقتها، وهذا ما نجده في تفسيرات مستطاع الطعزي لصديقه توالي جنيح عندما كان يخبره عن السبب الذي يجعل الناس يصدقون كلامه، الدجال يصنع الخوف للناس ويوهمهم بأشياء كاذبة وتحت تأثير الوهم والخوف تصدق الناس كل شيء.

المشكلة في الوهم والخوف أنه لا يؤثر على الإنسان الجاهل فقط، أو الإنسان الذي يأمل سماع شيء معين، بل قد يؤثر الخوف على البشر جميعًا مهما بلغ ذكاؤهم، وهذا أيضًا ما وضحه مستطاع لتوالي جنيح عندما كان يخبره كيف استطاع صنع الوهم للدجال سباخ التيبي نفسه، دجال كبير ويعمل في المهنة لسنوات عديدة وفجأة يقع هو نفسه فريسة الأوهام التي يصنعها ويبيعها، وهذه النقطة لا يجب أن تثير فكرنا لتفسير ظاهرة ذهاب الناس للدجالين فقط، بل يجب أن نفكر في الوهم والخوف في مواضيع أكبر من ذلك، ويجب أن نفكر ما هي الأشياء التي اخترعها الإنسان لحظة خوف أو وهم وغيرت تاريخه.

التجربة المباشرة واستغلال الجهل

كان نجاح مستطاع الطعزي يزداد بسبب خداعه على الناس، لكن الغريب أن معظم ما يقوله للناس كان يتحقق بل وكان الناس يذكونه لبعضهم البعض، والسر هنا أن مستطاع كان يدور حول النسب والاحتمالات، على سبيل المثال في بداية الفيلم ذهبت له قمر الغسالة راغبة أن يحل عقدتها حتى تزوج، وقمر هي امرأة جميلة بها كل المقومات التي تجعل أي رجل يقع في حبها، كل المشكلة أن أسلوب قمر في الحديث سوقي وحاد وقاسي، كل ما فعله مستطاع هو تقديم النصيحة لقمر، فأخبرها أن تجعل أسلوبها ليّنًا وأكثر تهذيبًا، وأخبرها أنه سيقوم بحل عقدتها، هكذا فتح مستطاع باب الأمل أمام قمر، وجعلها مستعدة للدخول في أي علاقة قادمة، وفي الوقت نفسه لا يوجد وقت محدد لحل مشكلتها، قد يحبها أحد ويريد أن يتزوجها خلال عام وقد لا يأتي أحد وفي الحالتين لن يستطيع أحد تقديم تهمة الكذب بشكل مباشر وقاطع إلى مستطاع الطعزي.

وهكذا نجد مستطاع يحل معظم المشاكل التي تقع تحت يده يترك الأمر للاحتمالات والوقت، ولا نجد أي إنسان قرر الذهاب له بمشكلة جسدية ليطلب منه المساعدة لأن مشكلة مثل هذه كانت كافية لبيان كذب وخداع مستطاع، على الرغم من اعتقادي أنه كان سيجد الكلمات المناسبة للخروج من مشكلة كهذه، فإذا كانت المشكلة كبيرة ويصعب حلها سيقول ببساطة أن قدرات الإنسان محدودة ولا نستطيع مخالفة إرادة الله.

لكن هذا التهرب لم ينفع مستطاع عندما طلبه شخص هام في الدولة “جاسر صهوان” وأخبره أن ابنته تحتاج إلى عملية هامة، وأكبر أطباء العالم انقسموا إلى شقين، منهم من يرى ضرورة عمل عملية جراحية، ومنهم من يرى أن الوقت المناسب للعملية لم يأتِ بعد، ويريد جاسر صهوان من مستطاع أن يقرأ له النجوم ويرى ما هو رأيها، وأمام هذا الموقف واضح المعالم، وأمام القرار الذي يمكن تجربته والتأكد منه، وبالطبع أمام صغر الوقت وذلك لأن مستطاع يجب أن يقرر في الحال، نجده ينهار ولا تنفع أي حيلة من الحيل التي تنقذه دائمًا.

ختامًا

كُتبت شخصيات هذا الفيلم بشكل جيد، كما تم عمل تمهيدات مناسبة للشخصية الرئيسية، فنجد المدرس البسيط صاحب المبادئ يتراجع عن أفكاره أمام المال والشهرة، كما نجد أن الفيلم يقدم موسيقى تصويرية جيدة والتي قام بصناعتها حسن أبو السعود؛ وبالتدقيق نجد أن الفيلم عالج المسألة التي يتحدث عنها بشكل جيد، وبالطبع لو استطعنا أن نعيد السينما إلى هذا المستوى لأصبحت السينما طبيب المجتمع بحق.

وهكذا نكون قد انتهينا من مراجعة واحد من أهم أفلام السينما المصرية والعالمية، وناقشنا أهم النقاط التي عرضها الفيلم، أما علاقة الفيلم بمقدمة المقال، فأعتقد أنها شجاعة كبيرة أن يطرح فيلم مثل هذا في مجتمع يقدس معظمه الخرافة والدجل؛ يجب أيضًا الإشارة إلى أن الفيلم على مستوى فني جيد إخراجيًا وتمثيليًا، كما نلاحظ الاهتمام الكبير بجميع عناصر الفيلم حتى أسماء الشخصيات، تم اختيار أسماء غير مألوفة ووقعها غريب على الأذن. 

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة فيلم البيضة والحجر .. عن صناعة الأساطير والوهم"