هل يُحتمل ألّا تكون قد شاهدت بعد الفيلم المُتربّع في هذه اللحظة على قائمة أعلى الأفلام تقييمًا على موقع قاعدة بيانات الأفلام IMDB؟ وهو الفيلم الذي يُنافس الفيلم الأسطوري The Godfather باستمرار، فتارّة يتصدر الأب الروحي على رأس هذه القائمة، وتارّة أخرى يسبقه الفيلم الذي نحتفل اليوم بمرور 25 عامًا على إنتاجه، وهو فيلم The Shawshank Redemption أو الخلاص من شاوشنك.

الفيلم الذي صار الآن أحد كلاسيكيات السينما الشهيرة، والذي من الصعب أن تملّ من مشاهدته، قام ببطولته تيم روبنز ومورجان فريمان، ومن إخراج فرانك دارابونت، وهو كاتب السناريو والمخرج لأعمال عظيمة وشهيرة مثل فيلم The green mile، وفيلم The Mist، وأيضًا هو أحد صنّاع المسلسل التليفزيوني الشهير The Walking dead.

في هذا المقال سنعود بالذكرة لنسترجع أهم التفاصيل التي تخص الفيلم، لذا فوجب التنبيه على من لم يشاهده بعد على ألا يُتابع القراءة، ويُحاول جاهدًا مُشاهدة الفيلم الذي لا تقل روعته عن أعظم الأفلام في تاريخ السينما القديم والحديث أيضًا.

The Shawshank Redemption.. عندما يكتب ستيفن كينج بعيدًا عن الرعب

The shawshank redemption فيلم ستيفن كينج

قصة الفيلم مأخوذة عن رواية قصيرة لكاتب الرعب الأشهر ستيفن كينج بعنوان “ريتا هيوارث والخلاص من شاوشنك”، وهي على غير ما ألفناه من روايات ستيفن كينج التي تنتمي لعالم الرعب بأنواعه المُختلفة، فالرواية مُصنفة كرواية درامية من الدرجة الأولى، وهي تحمل لمسة كينج المميزة التي يعرفها قرّاؤه المخضرمون، وهي المضمون الانساني الثري الموجود بالرواية، والنظرة العميقة للشخصيات على اختلافاتها. لذا فمن الظلم أن نُصنف الفيلم ضمن أفلام دراما السجون فحسب، على أساس أنّ أغلب أحداثه تقع بداخل سجن شاوشنك، ولما فيه من عنف ومصادمات بين السجناء وبعضهم، ولكن لا يُمكننا أن نغفل القيمة الإنسانية للفيلم، والتي رفعت من شأنه لمكانة أعلى من أي فيلم ينتمي لنفس التصنيف.

يُجسّد لنا ستيفن كينج معاني عظيمة في فيلم الخلاص من شاوشنك، فكلمة الخلاص وحدها هنا لها مغزى مهم، فهي لا تعني مجرد الخروج من سجن شاوشنك، بل التخلص كليًّا من هذه التجربة والتي لا يُمكن الخلاص منها بمجرد مغادرة السجن. لذا فهي تعني تحرير العقل مما يُقيّده، كما هو حال تحرير الجسد من سجنه.

كما أنّ الفيلم يتناول معاني عميقة أخرى، كالخوف والأمل، والحرية والعبودية. وأحد دلائل عُمق وروعة النّص الذي كتبه ستيفن كينج في هذا الفيلم، هو العديد من الاقتباسات المأخوذة من الفيلم، والمنتشرة بكثرة ضمن أجمل اقتباسات الأفلام، والتي تعبّر عن فهم ووعي بالحياة،  وإحساس دقيق بما يدور داخل النّفس البشرية.

الحكاية

يحكي الفيلم عن آندي دورفين (تيم روبينز) الشاب الذي يعمل كنائب رئيس لإحدى البنوك لتفانيه في عمله، والذي يُتهم زورًا بقتل زوجته وعشيقها، وتتم إدانته ويتم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة في إصلاحية شاوشنك. عاني آندي كأي رجلٍ صالح اضطُر للتعامل مع مختلف أنواع المجرمين بداخل السجن، خاصةً في سنواته الأولى هناك، ولكن ما لبث أن استطاع أن يكتسب العديد من الصداقات، ويحظى باحترام وثقة كبار موظفي السجن، لذا قام آندي بمساعدتهم في القيام بالحسابات التي تخص السجن وكبار مسئوليه، وعندها يكتشف أنّه يقوم بغسيل الأموال التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة لصالح رئيس السجن، وأنّ دليل برائته تم محوه بالكامل بالعمد عن طريق نفس الرجل الذي أراد الاحتفاظ بأندي داخل السجن ليستمر في عمله. يستطيع آندي بعدها الهرب من السجن ذاهبًا إلى المكسيك، بمثابرته على حفر نفق في زنزانته طوال عشرين عامًا، وذلك بعدما قام بتحويل مبلغ كبير من المال إلى حسابٍ خاص به. وفي النهاية يلحق به هناك أقرب أصدقائه ريد (مورجان فريمان) بعدما قضى مدته التي وصلت إلى أربعين عامًا.

أقرأ أيضًا: فيلم The Shawshank Redemption .. آندي دفرين والخلاص من “شوشانك”

ريتا هيوارث.. رمزًا للأمل، وبابًا للحريّة

فيلم Shawshank Redemption

ريتا هيوارث وهي الممثلة الأمريكية الشهيرة التي لمع نجمها في منتصف القرن الماضي، كانت رمزًا واضحًا في الرواية، ومن بعدها الفيلم، لكل ما يطمح إليه جميع الرجال في السجن، فهي رمزٌ للجمال، وللسعادة، وللحب، وللأمل بصفة عامة في حياة أخرى، بعيدًا عن جدران السجن المُقبضة. واستطاع آندي دوفرين وحده أن يجعل منها منفذًا حقيقيًا للحرية بعيدًا عن السجن، من خلال المشهد الشهير الذي نكتشف فيه أنّ بوستر ريتا هيوارث المُعلّق في زنزانة آندي، يُخفي ورائه ذلك النفق الذي صنعه بمطرقة صغيرة على مدار عشرين عامًا من الطرق، ومن الصبر أيضًا.

عندما يصير السجن هو عالمك الوحيد

الخلاص من شاوشنك

جدران السجن هذه غريبة حقًا، في البداية تكرهها، ثم تعتاد عليها، وبعد مرور فترة من الزمن، تجد نفسك وقد اعتمدت على وجودها بالكامل.

كانت هذه كلمات ريد، والتي اكتشفنا كم كانت صادقة ومعبرة عن حال الكثير من السجناء اللذين عاشوا بين جدران السجن لسنواتٍ طويلة، لدرجة أنّهم لا يتخيلون أنفسهم خارجه، فصارت هذه الجدران هي الأرض والسماء بالنسبة لهم، وما هو خارجها ككونٍ آخر غريب عنهم، لا يعرفون كيف يعيشون فيه.

فبروكس العجوز الذي قضى حوالي خمسين سنة في السجن، حتى صارت حياته نفسها مرتبطة بوجوده داخل هذه الجدران، لم يستطع أن يعيش سوى أيام قليلة خارجه بعدما تم إخلاء سبيله، وقام بإزهاق روحه في مشهدٍ مؤلم للغاية.

الفارق بين بروكس وآندي شاسع، بروكس استسلم، وانتهى مُبرر وجوده في الحياة بمجرد خروجه من السجن، أمّا آندي، فعاش في السجن كجسد فقط، وعقله وروحه في الخارج، يحاولان جذب هذا الجسد المحبوس رُغمًا عنه. آندي لم يرضى بهذا النوع من الحياة، وحارب كي يتحرر، أمّا بروكس، فعاش هانئًا بالعبودية، وعندما تحرّر، مات.

 موتزارت الذي حرّر المساجين

ستيفن كينج مورجان فريمان ذا شاوشنك ريدمبشن

من المشاهد التي لا تُنسى في الفيلم، مشهد آندي وهو يقوم بتشغيل اسطوانة موسيقى موتسارت الشهيرة الخاصة بأوبرا زواج فيغارو، وذلك على غفلة من الحُرّاس، ليسمعها كل الموجودين بسجن شاوشنك عبر الميكروفونات المنتشرة بداخله. نرى في هذا المشهد الفريد كيف تجمّد الجميع في أماكنهم، ناظرين إلى الأعلى، وعلى وجوههم علامات الذهول، وكأنّهم يسمعون الموسيقى للمرة الأولى في حياتهم. استمر آندي برفع الصوت الأوبرالي رغم تهديدات الحرس، لأنّه كان يعلم أنّها لحظة نادرة ولن تتكرر أبدًا، ليستمتع بجمال الموسيقى، وأراد أن يُشاركه السجناء الآخرين متعة هذه اللحظات القصيرة.

“هذا هو جمال الموسيقى، لا أحد يستطيع انتزاع تأثيرها عليك.”

شاهد هذا المشهد من هنا

يقول ريد عن هذا الحدث الاستثنائي:

“ليس لدي أي فكرة عمّا كانت تتغنّى به هاتان السيدتان الإيطاليتان، وفي الحقيقة، أنا لا أريد أن أعرف، فبعض الأشياء من الأفضل ألا تُقال. أحب أن أفكر بأنّهما كانتا تُغنيان عن شيٍ جميل للغاية، يؤلم القلب، ولا يُمكن التعبير عنه بمجرد كلمات. لدقائق قليلة، شعر كل سجين في شاوشنك، أنّه رجلٌ حر.”

آندي لم يكن البطل الحقيقي للفيلم

the shawshank redemption فيلم ستيفن كينج

كما نعرف، فإنّ ريد هو راوي فيلم The Shawshank Redemption منذ بدايته وحتى النهاية، برغم أنّ الفيلم كله يتمحور حول شخصية آندي منذ دخوله السجن وحتى هروبه منه، ولكننا سنلاحظ أنّنا لم نذهب معه إلى المكسيك مثلًا، بل بقينا مع ريد نتابع حياته داخل السجن، وبعد خروجه منه، وحتى ذهابه للحاق برفيقه آندي، لذا فيمكن اعتبار أنّ أندي هو البطل الحقيقي، الذي كان بمثابة عيننا على كل ما كان يجري من أحداث داخل سجن شاوشنك، وشاهدًا على حياة رجل عظيم اسمه آندي دوفرين.

الفارق بين شخصيتي آندي وريد كان عظيمًا في البداية، ولكنه وبمرور الوقت كان يتناقص تدريجيًا، ليتشبّع ريد في النهاية بالأمل الذي استحوذ على روح آندي لسنواتٍ طويلة، بعدما كان ريد رجلًا بسيطًا لا يُريد من الحياة أكثر مما تعطيه.

وكان للأمل.. الكلمة الأخيرة

في هذا الفيلم سنلاحظ تكرار كلمة لطيفة جدًا، ووديعة جدًا، ولكنها هنا تحديدًا، وخاصةً في بداية الفيلم،وحتى ما قبل النهاية، كان لها وقعًا مُخيفًا بعض الشيء، وهي كلمة “الأمل”. وهي الكلمة القادرة على أن تُحيي الانسان، وقادرة على أن تُميته أيضًا. الأمل هو الموضوع الرئيسي الذي يرتكز عليه الفيلم بكامله، وسيُدرك المُشاهد هذا بنفسه، ربما بعد المشاهدة الثانية للفيلم. تأمل معي حوار آندي وريد حول الأمل.

“دعني أُخبرك شيئًا يا صديقي، إنّ الأمل لشيءٍ خطير، الأمل يُمكن أن يقود الانسان إلى الجنون.”

هذه الجملة قالها ريد لآندي بعد مشهد موسيقى موزارت، عندما كان يُخبره آندي عن كونه أراد أن يُشعر السجناء بأنّ هناك شيء يُمكنهم أنّ يتمسكوا به، وهو الأمل. عندها خاف ريد على صديقه من الأمل، القادر على قتله، وهو على هذه الدرجة من الحماسة في تغيير ما كان يراه ريد مُستحيلًا.

“الخوف هو ما يجعلك سجينًا، أمّا الأمل فهو من يستطيع إطلاق سراحك”

كان هذا هو ما يؤمن به آندي، بأنّ الخوف والأمل نقيضان، وبأنّ الأمل وحده هو من يستطيع هزيمة الخوف. وعندما استطاع آندي الهرب في نهاية الفيلم، ترك لريد خطابًا يقول فيه:

“الأمل شيء جيد، ربما هو أفضل الأشياء على الإطلاق، ولا شيئًا جيدًا يموت أبدًا.”

آمن آندي بأنّ الأمل يمكنه أن يصنع المعجزات، وأراد إقناع صديقه بذلك، وهو ما نجح فيه، حتى أنّ كلمات ريد الأخيرة في نهاية الفيلم لا تحمل سوى الأمل.

“أتمنى أن أعبر الحدود، أتمنى أن أرى صديقي، وأصافح يده، وأتمنى أن تكون زُرقة المحيط كما كنت أراها في أحلامي. أتمنى..”

في النهاية، فإنّ فيلم الخلاص من شاوشنك هو واحدٌ من الأفلام التي لا تُنسى في تاريخ السينما،  وسيظل الفيلم كلوحة فنية، رسمها ستيفن كينج للألم والمعاناة في مكانٍ قاس ولا مجال للرحمة فيه كسجن شاوشنك. وفي نفس الوقت، تمكن كينج من أن يصنع نهاية مفاجئة، ومُبهجة، تُذكّر المُشاهد بأنّ الأخيار لابد وأن يحظون بحياة سعيدة في نهاية الفيلم. وختامًا، ربما هذه الجملة التي لا تزال تتردد في رأسي، والتي قيلت على لسان ريد، هي الدرس الأهم الذي يُمكننا أن نتعلمه من تجربة آندي داخل سجن شاوشنك، والتي تقول:

 “إنّه آندي دورفين، الذي عبر خلال نهر من القاذورات، وخرج للجانب الآخر من الحياة نظيفًا..”

أقرأ أيضًا: قائمة بأفضل 10 من أفلام الجريمة .. إهداء لكل محبي أفلام العصابات والقتلة المتسلسلين