منذ أن كنّا صغارًا، وربما بعضكم حتى الآن، عندما يقرأ نصًا معينًا، يركّز دماغه على فهم الجمل والكلمات كمعنى ومحتوى، ربما بغرض الفهم، أو مجرد الحفظ، أي يكون الهدف الرئيسي “القراءة” بغض النظر عن جمالية التقديم، بغض النظر عن حجم الخط، شكله، تلوينه، أو حتى نوعه!

من المحتمل كثيرًا أنك لا تولي اهتمامًا لطريقة تقديم المعلومة، وتَعتبِر ذلك قشورًا، وتركّز على الاستفادة منها بأي طريقة، ولكن ماذا إذا قلت لك أن نوع وشكل الخط الذي يُكتب فيه المقرر الدراسي أو أي شيء تقرأه، له أثر كبير في عملية استقبالك للمعلومة، أو الاحتفاظ بها وتذكرها فيما بعد. جميعنا يركّز في فكرة أن المعلومة ذاتها قابلة للفهم أو الحفظ، أو ربما كلاهما، وذلك حسب سلاسة طرح فكرتها، أو ترتيب النص كاملًا، ولا يخطر في باله أنه هناك فعلًا علاقة معينة بين عملية تذكّر هذه المعلومة، وخصائص الخط المكتوبة به.

التايبوغرافية (Typography) أو فن صناعة الحروف

فن صناعة الحروف أو فن صياغة الحروف، أو فن طباعة الحروف، هي ببساطة ما أمضى فيه المصمم وقتًا ليُظهر لنا مادةً موفّقة من حيث العلاقة بين مظهر النص المكتوب، وما يقوله هذا النص. تُعرف التايبوغرافية بأنها فن ترتيب الحروف والنصوص بطريقة تجعل هذه المادة المُقدّمة للقارئ مقروءة، وواضحة وجذابة بصريًا، طبعًا يعتمد أسلوب فن صياغة الحروف هذا على أسلوب الخط ومظهره وهيكله، والتي يتم الاهتمام بها بحيثيّة معينة لتثير مشاعر معينة لدى القارئ وتوصل له رسائل معرفية محددة. بالمختصر، التايبوغرافية المطبقة على النصوص هي ما يجعلها تنبض فعليًا بالحياة، وتعطي للجمل معنى.

التيبوغرافية

على الرغم من أن جميعنا ربما لا ينتبه إلى فن التايبوغرافية في ترتيب اللغة المكتوبة -باستثناء المصممين المختصين بهذه المواضيع- إلا أن الأبحاث أظهرت أهمية الخطوط في هذا الفن، لأنها تؤثر على العمليات المعرفية وليس فقط المظهريّة، ليس بسبب جانبها المرئي فقط والذي يجعل النص جذابًا للقراءة، إنما تبيّن أنها تؤثر على طريقة تلقينا للمعلومات واحتفاظنا بها، ولا ألومك أو يلومك أحد على عدم ملاحظة -أو الاقتناع ربما- هذا الشيء سابقًا، إلا أنه يحدث، وبوعيك التام، وبعقل مضبوط تمامًا لهذا الموضوع.

لأقرّب لك أهمية هذا الموضوع بمثال صغير من إحدى يومياتك: لا بدّ وأنك احتجت في يومٍ ما، عندما كنتَ طالبًا في المدرسة، إلى دفتر صديقك لتنقل عنه ما تم إعطاؤه في الصف خلال غيابك، أعتقد أنك في تلك اللحظة، كنت تختار الصديق الذي يكتب بسرعة ويؤشّر ويشرح على الرغم من أن خطه في الغالب غير مفهوم بالشكل الكافي، إلا أنك كنت تفضّله على دفتر زميلك الأنيق المرتّب، ربما لاقتناعك أن ذا الخط السيئ كان خطه سيئًا لاستعجاله في كتابة كافة المعلومات، ولم يهتم بالأناقة، كما تجعلك صعوبة تفكيك خطّه تفهم المعلومات أكثر، بينما الآخر الأنيق لا يشعرك بالراحة، لا عندما تنقل دروسك، ولا حتى في استقبال المعلومة!

نعم هذه هي الزبدة التي سنحاول شرحها في الأسفل، حيث تبيّن أن هناك خطوط مرغوبة في عملية التعلم والتذكر.

اقرأ أيضًا: أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل

ما هو الخط المرغوب في عملية التعلم والذاكرة؟

أشارت بعض الدراسات إلى أهمية الخطوط التي يصعب قراءتها في عملية التعلم والتذكر، مثل الخط البودوني (Bodoni) الذي يبدو مرتّبًا وحِرَفيًّا لدرجة كبيرة، وخط كوميك سانس (Comic Sans) القريب من خط اليد، خط هايتين شوايلر (Haettenschweiler) الذي يبدو وكأن مهندسًا معماريًا قد خطّه، ومونوتايب كورسيفا (Monotype Corsiva) المُزخرف؛ جميعها صُنفت باعتبارها خطوطًا صعبة.

بعض أنواع الخطوط الصعبة

ولكن من جهة أخرى، بينت الدراسات أن تلك الخطوط الصعبة أفضل للاحتفاظ بالمعلومة مقارنةً بخطوط أخرى مثل خط آريال (Arial) وتايمز نيو رومان (Times New Roman)، التي تُعتبر سهلة ونعتمدها جميعًا، وأهم تلك الدراسات، دراسة تعود إلى عام 2010 نُشرت في مجلة وقائع الاجتماع السنوي لجمعية العلوم المعرفية، بينت أهمية صعوبة الخط في التعلم عندما أُجري اختبارٌ على عدة مشاركين، وكانت النتيجة استذكار المشاركين معلومات قرأوها بخط تصعب قراءته، أكثر من تلك التي كانت بخط بسيط.

كيف تؤثر نوعية الخط وشكله على عملية التعلم والذاكرة؟

ببساطة، تعمل درجة الصعوبة التي يكون عليها الخط بشكل تنبيهي للدماغ، وكأنها إشارة إنذار تمنح القارئ إحساسًا غريبًا يقول: “هذه المهمة صعبة! أوه، تتطلّب جهدًا عقليًا..”، وهذا بدوره يقود القارئ رغمًا عنه إلى التركيز بشكل أكبر على المادة وقراءتها وفهمها بتمعّن -بدلًا من التركيز على حفظها لمجرد التخلص منها- وهذا التركيز على المادة يتضّمن بنسبة 50% التركيز على الخط، بسبب صعوبته! وتساعدنا هذه المعالجة العميقة الإضافية في تعلّم المواد بشكل أفضل من جهة أخرى.

طبعًا في صعوبة الخط إبطاءٌ لسرعة القراءة، فعندما ترى أن هذا الخط عسير، ستُبطئ من سرعة قراءتك لتفهم وتستوعب أكثر، وقد تكتشف أنت نفسك أخطاءً في النص، وذلك بسبب التأني.

من أهم ما يمكن أن يقدمه الخط الصعب هو مساعدة الأفراد الذين يعانون من عسر القراءة، نعم قد يبدو هذا غير منطقي بالنسبةِ لك، ولكن لنكن واقعيين، عسر القراءة يتطلب المزيد من المعالجة العقلية لما هو مقروء بخطٍّ يُصنف على أنه سهل، فكيف إذا كان الخط من الفئة الصعبة؟ هذا سيتطلب من عسير القراءة مهام إضافية في عملية المعالجة، وبالتالي تحسين القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات!

صعوبة قراءة الخطوط الصعبة هي صعوبة “مرغوبة”، تجعل التعامل مع المادة المتاحة صعب ولكن لا تشتت انتباه القارئ فعليًا، فقط تملي عليه المزيد من الأعباء المعرفية، التي تحسّن أداءه لأنها تحتاج المزيد من التعب والجهد الذهني.

تأثيرات خصائص الخط في موضوع التعلم والذاكرة

إلى جانب نوع الخط بالتحديد، تؤثر خصائص الخط عمومًا أيضًا في عملية التذكر والاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها، طبعًا تشمل تلك الخصائص -إلى جانب النوع أو نمط الخط- لون الخط وحجمه، وهل خصصناه بجعله بولد (Bold)؟ أم جعلناه مائلًا؟

يقول الباحثون في هذا الموضوع، إنه بغض النظر عن نمط الخط نفسه، فيختلف الأمر بين الخط الكبير والخط الصغير، الخط العادي والخط المائل، الخط الملوّن والخط الأسود! حتى طريقة عرض النص تؤثر تمامًا على عملية استقبال المعلومات. بتفصيلٍ أعمق: قد يخطر لك أن الخط الكبير يتمتع بقدرة على اجتذاب ذاكرتنا والحفر فيها، كونه كبيرًا، ولكن الحقيقة هي أن الحجم الصغير يعطي “صعوبة مرغوبة”، كالتي تكلمنا عنها في الأعلى.

هناك تباين بين معنيين هنا قد تعتقد أنهما يؤثران نفس التأثير، هما الوضوح وقابلية القراءة: فبينما تتعلق قابلية القراءة بسهولة قراءة وفهم الكلمات والجمل، يشير الوضوح إلى القدرة على التمييز بين الأحرف، وشتّان بينهما! فمثلًا النصوص ذات حجم الخط الكبير، أو التي تحتوي على تباين ألوان واضح وكثير، تشكّل لدى القارئ مشكلة في قابلية القراءة أكثر من مشكلة وضوح النص!

أيضًا، يُحبّذ أن تكون الجُمَل المحددة بخط غامق أو مائلة، قليلة ومنسوبة إلى أهمّ المعلومات، بحيث تحسّن احتفاظ الشخص بالمعلومة، وتساعده على الاحتفاظ بشكل النص ككل. أشارت إحدى الأبحاث إلى أهمية النصوص الغامقة باعتبارها أكثر الخصائص تأثيرًا في عملية تذكّر أعلى، أفضل من الخط المائل ومن حجم الخط أيضًا، ولكن من جهة أخرى، تخيّل أن تقرأ نصًا كاملًا بخطٍّ عريض! ستفقد التركيز على المعلومات المهمة، وبالتالي فقد الـ Bold أهميته، وهذا يجعلنا نتطرّق إلى أهمية تنظيم النص ككل، شكلًا ومضمونًا.

خط Sans Forgetica: خطٌ صعب صُمم بشكل خاص لمساعدة الطلاب على التذكر!

جاء في دراسة جديدة وفريدة من نوعها مصدرها المعهد الملكي للتكنولوجيا في ملبورن RMIT في أستراليا فيما يخص تذكّر الأشياء والمعلومات، أنه “عندما تتم قراءة ومعالجة جزء من المعلومات بسهولة وبدون أي شيء مميز في خصائص الخط، فنفشل بذلك في إشراك أدمغتنا في نوع المعالجة المعرفية الأعمق اللازمة للحفظ واستدعاء المعلومات الفعال”، وخلصت إلى أنه “علينا حقًا العمل من أجل معرفتنا”، ومن هنا قام فريقٌ من المصممين وعلماء السلوك بإنشاء خط Sans Forgetica صعب القراءة، الذي صّمم خصيصًا لأغراض تعزيز الذاكرة واستدعاء معالجة أعمق للمعلومات كون عدم طلاقة الخط -كما أشارت الأبحاث- قد يفيد بالاحتفاظ بالمعلومات.

يأتي تصميم خط سانس فورغيتيكا بشكل غير نمطي، مائل إلى الخلف مع حروف مشقوقة تدفع دماغك إلى التفكير لإكمال شكل الحرف ثم القراءة. وُضع هذا الخط على أساس مبدأ الصعوبة المرغوبة الذي حكيناه سابقًا، لأنه ببساطة شكل الحرف غير تقليدي، وسيكون ملحوظًا جدًا ويعمل بذاكرتك على الاسترجاع، ولكنه مقروء. طبعًا أُصدر الخط حديثًا عام 2018، وكانت الغاية منه -بعد نتائج الأبحاث حول كيفية تأثير نوعية الخط وشكله على عملية التعلم والذاكرة- مساعدة الطلاب على تذكر الإجابات والعبارات.

تصميم خط سانس فورغيتيكا

يعمل دماغنا بعد رؤية هذا الخط على مقارنة شكل الكلمة بذاكرتنا مع ما يجب أن تبدو عليه، طبعًا لا ينفع هذا النوع من الخطوط في النصوص الطويلة، حبذا لو يُكتب فقط في عباراتها ذات الأهمية مثل العناوين، العبارات الرئيسية المهمة، والجمل القصيرة المهمة، وليس لكامل النص، فلو طبقّنا هذا النوع في كتابات كامل النص فينتقل الموضوع من الصعوبة المرغوبة إلى الصعوبة المنبوذة، سيؤثر الأمر على عينيك، وستتعطّل أماكن الفهم واستيعاب القراءة في دماغك.

تخيّل أن يكون لديك نصًا كاملًا بهذا الخط لتحفظه؟

وعلى الرغم من ذلك، في السنوات الأخيرة، سلّط الباحثون الضوء على التناقضات التي يخلّفها استخدام خطوط غير شائعة وغير مستخدمة في عمليات التعلم، ومن خلال بعض الأبحاث التي حاولت استنباط الفوائد التي تأتي مع الخطوط صعبة القراءة، كانت النتيجة أن المساوئ قد تطغى أحيانًا، قد تكون نتيجة تأثير استخدام هذه الخطوط في التعلم “صفرية”، أي ليست هناك نتيجة، وأحيانًا تتعداها إلى السيئة. انتُقد خط سانس فورغيتيكا بالفعل لعدم وجود أدلة تجريبية تثبت أهميته الإيجابية.

عمومًا، وبرأيي الشخصي، يحتاج فهم نتائج العلاقة بين مدى عدم طلاقة الخط وتأثيره في الذاكرة، المزيد من الأبحاث والاختبارات، يحتاج الاختبار بأكثر من طريقة وأكثر من منحى، كيف يؤثر طول النص مع نوع الخط وحجمه، وعدد الجمل الغامقة وحيثيات وضعها داخل النص، حتى حجم الورقة أو الملف برأيي له تأثير كبير. لذا هذا الموضوع لا يتم حسمه خلال يوم أو يومين، ولا عام حتى، يحتاجُ سنواتٍ يتم فيها إجراء التجارب والتأكد منها بشكل كامل.

اقرأ أيضًا: الإبداع لا يتقاعد، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين