إبداع بعد الستين
0

وقف رجلٌ خمسيني في أحد الشوارع يمسك فرشاتين كبيرتين وبدأ يرسم على الأرض مبهراً الحضور بإبداعه. يرسم بمنتهى الإبداع والدقة والمهارة، وبمنتهى الرشاقة. أنهى الرسم ووقف يتأمل نظرات الإعجاب في عيون من تابعه منذ البداية، ويبتسم لاستغرابهم من إنجازه ورشاقته رغم تقدمه في العمر. ولكن لماذا الاستغراب؟ هل يفقد المرء قدرته على الإبداع مع تقدمه في العمر؟

توضّح الدراسات الحديثة عكس ذلك تماماً. إن كانت جذوة التعلّم في داخلك لم تنطفئ ولديك الكثير من الأحلام وتشعر أنّ عطاءك في أوّله، لكنّ عمرك تجاوز العمر المألوف الذي وضعه الناس كالتسعيرة على الأحلام، تابع المقال لأخبرك كيف يزداد إبداعك بازدياد عمرك علّك تصبح غداً من جماهير أراجيك تعليم.

إبداع تقليدي لما بعد التقاعد

سأبدأ بما هو متعارف عليه في مجتمعاتنا، يصل المرء سن الستين فيُحال على التقاعد، يُستهان بكلّ خبراته المتراكمة وطاقاته وقدراته على العمل والإبداع، هنا ينقسم المسنّون إلى قسمين، قسمٌ يستسلم لهذا التهميش المجتمعي ويعيش دور المسن الضعيف الذي لا دور له سوى تذكر حكايات الماضي وسردها للأحفاد، وقسمٌ آخر يرفض هذا التهميش فيحوّل مساره إلى طريقٍ يستطيع من خلاله إثبات قدراته، وفي الغالب وبسبب تهميش المجتمع يكون هذا الإثبات بطرقٍ تقليدية، كالعمل في الحياكة والتطريز بالنسبة للنّساء، وفي الحرف التّراثية بالنسبة للرجال. ومع أن هذا العمل لا يستهان بحاجته لدقة الصنعة وإبداع الابتكار، إلا أنّ مجاله تقليديٌ بالنسبة لكبار السن.

لا تتوقف عن العطاء، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين، حرف

مشروع آجيز في نيبال

لورينا سيدة ثلاثينية لاحظت أن كبار السن لديهم قدرات إبداعية يمكن استثمارها، فأسست مشروع آجيز في نيبال.

واجهت صعوبات في البداية لإقناع الأسر أنّ الرّفاه البدني والعقلي لكبار السن إنّما يكون في العمل والنشاط، إذ يعتقد البعض أنّ هذا يتنافى مع برّهم بآبائهم.

مشروع آجيز يقدّم قطعاً مصنوعة بأيدي أشخاص كبار في السنّ معظمهم من النساء، هنّ جدّات في أغلب الأحيان، من ملابس صوفية وبطّانيات وأساور وحُليّ، ترفّق بمدوّنات صوتيّة فيها قصصٌ أو أغنيات تروي حياة هؤلاء الحرفيين من خريف العمر، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

ويشارك في المشروع أيضاً أولاد الحرفيين وأحفادهم، بغية توطيد الرّوابط العائليّة، واكتشفت لورينا مثلاً أن جدّتها “أكثر جرأةً وثقةً بالنفس” مما كانت تظنّ.

لا تتوقف عن العطاء، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين، آجيز

ويقضي الأمر أيضاً بالنسبة إلى لورينا بإعطاء مغزىً لعمل الكبار في السنّ. فعندما أخبرت الشابة جدّتها البالغة من العمر (77 عاماً) بأنّ جواربها لقيت نجاحاً كبيراً في أوساط الزبائن، رأت عينيها تلمعان. وتقول: “تحبّ جدّتي كثيراً أن تبقى نشطة وتتناسى همومها وحتّى الآلام المفصلية التي تعاني منها عندما تتفرّغ للحياكة”.

ورغم أهمية هذا النوع من الأعمال التقليدية فلا يقتصر إبداع كبار السن عليها. بل يمكنهم أن يخوضوا غمار مجالات إبداعية غير تقليدية ويتفوقوا فيها على الشباب.

كثيرون يعرفون الإبداع بعد الخمسين

تقول إحدى الدراسات العلمية إن دماغ الشخص المسن أكثر مرونة مما يخطر في بالنا، والسبب في ذلك أن تفاعل نصفي الدماغ الأيمن والأيسر يصبح أكثر تناغماً، وهذا يوسّع القدرات الإبداعية عنده. هذه الدراسة تفسّر كون العديد من الشخصيات التي بدأت أنشطتها الإبداعية للتوّ، قد بلغت حوالي ستين عاماً.

فمتوسط ​​عمر الحائزين على جائزة نوبل 62 عاماً، ومتوسط ​​عمر رؤساء أكبر 100 شركة في العالم هو 63 عاماً، ومتوسط ​​عمر المصلحين في أكبر 100 كنيسة في الولايات المتحدة هو 71 عاماً، ومتوسط ​​عمر أفضل المربين والآباء 60 سنة.

لا تتوقف عن العطاء، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين، نوبل

وهذا يعني أن أفضل سنوات الشخص وأكثرها إنتاجية عموماً بين 60 و 80 عاماً. فإذا كان عمرك 60 أو 70 أو 80 عاماً، فأنت في أفضل مستوىً فكري وروحي في حياتك.

ولكن! لماذا نرى العكس في مجتمعنا؟! لماذا نرى المسنّ مهمَّشاً، أو مُهَمِّشاً نفسه؟ أين تذهب أكثر القدرات العقلية فلا يستفيد منها جيل الشباب؟

ذروة الإنتاج النّشط

مع أن الدماغ مع تقدّم العمر لا يعد بالسرعة التي كان عليها في الشّباب. ولكنّه يمتاز بالمرونة والحكمة والرشد. لذا، مع تقدّمنا ​​في العمر، نتخذ القرارات الصحيحة أكثر، وبدون تهوّر وإيذاء، ونكون أقل تعرضاّ للمشاعر السلبية، ونصبح أكثر حكمة وتروّياً وخبرة، كما تحدث ذروة النشاط الفكري البشري عند حوالي 70 عاماً، عندما يبدأ الدماغ في العمل بكامل قوّته. بمرور الوقت تزداد كمية الميالين في الدماغ (مادة تسهل المرور السريع للإشارات بين الخلايا العصبية). ونتيجةً لذلك، تزداد القدرات الفكرية بنسبة ٣٠٠% مقارنة بالمتوسط. وتقع ذروة الإنتاج النشط لهذه المادة في عمر ٦٠-٨٠ عاماً.

ومن المثير للاهتمام أيضًا حقيقة أنه بعد الـ ٦٠ عاماً، يمكن لأيّ شخصٍ استخدام نصفي الدماغ في نفس الوقت هذا يسمح لك بحلّ مشاكل أكثر تعقيداً.

دماغ الشخص المسن يختار المسار الأقل إنتاجاً للطاقة

يعتقد البروفيسور مونشي أوري (Oury Monchi) من جامعة مونتريال أن دماغ الشخص المسن يختار المسار الأقل استهلاكاً للطاقة، وأجريت دراسة شاركت فيها فئات عمرية مختلفة. ارتبك تفكير الشباب كثيراً عند اجتياز الاختبارات، في حين اتخذ أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً القرارات الصحيحة بأقل جهد.

أهم ملامح الدماغ وميزاته في سن 60-80

– لا تموت الخلايا العصبية في الدماغ، كما يظن البعض بل تختفي الروابط بينها ببساطة إذا قلّ النشاط، أي إذا لم ينخرط الشخص في عملٍ عقلي محفّز.

– يظهر الغياب والنّسيان بسبب كثرة المعلومات وتشابكهما ومحاولة تحليلها. لذلك ركّز بقية حياتك على جلائل الأعمال وفضائلها وتوخّي ما يسعدك والآخرين والإيجابيات وأهمل التفاهات وغير الضروريات.

– ابتداءً من سن الستين، يستخدم الشخص عند اتخاذ القرارات نصفي مخه (المنطق يسار، العاطفة يمين)، عكس فترة الشباب (الذكور يميلون للمنطق أكثر والفتيات يميلون للعاطفة)، ولكن المسنين -رجالاً ونساءً- يستخدمون الحكمة.

لا تتوقف عن العطاء، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين، دماغ

لن يشيخ دماغكم، فقط استمتعوا

إذا كان الشخص يعيش حياةً صحية، ويتحرّك، ويمارس نشاطاً بدنياً ممكناً ولديه نشاطٌ عقلي كامل، فإن القدرات الذهنية لا تنخفض مع تقدّم العمر، بل تنمو فقط، وتصل إلى ذروتها في سن 80-90 عاماً.

لذلك لا تخافوا من الشيخوخة. بل اسعَوا جاهدين لتقديم خبراتكم بعد تطويرها فكرياً. تعلّموا الحرف الجديدة، دربوا وانقلوا خبراتكم لغيركم، اقرأوا واكتبوا كثيراً، اهتموا بعباداتكم وعلاقتكم مع الخالق والخلق.

ابذلوا الخير وعمّروا الحياة، التقوا بالأصدقاء وتواصلوا معهم وساعدوهم. ضعوا خططاً للمستقبل معهم. سافروا، مارسوا الرياضات والتنزه. شاركوا وبادروا بالانخراط في الأنشطة والمؤسسات الاجتماعية وخاصة الخيرية منها لا تحبسوا أنفسكم وأفكاركم فهذا مدمّرٌ لأي شخص. عيشوا مع الفكر وكلّ الأشياء الجيّدة واستمتعوا بها! واطمئنوا، لن يشيخ دماغكم، ولن يتراجع إبداعكم.

دراسة أمريكية حديثة

وجدت دراسة كبيرة في الولايات المتحدة ما يثبت ما ذكرناه أعلاه؛ فقد وجدت أن السن الأكثر إنتاجية للفرد بين 60 إلى 70 سنة. بينما المرحلة البشرية الثانية الأكثر إنتاجية هي العمر من 70 إلى 80 سنة، أما المرحلة الثالثة الأكثر إنتاجية فهي بين 50 و 60 سنة. وقد تم نشر هذه الدراسة من قبل فريق من الأطباء وعلماء النفس في NEW ENGLAND JOURNAL OF MEDICINE. ووجدوا أنك في سن الستين تصل إلى ذروة إمكاناتك النفسية والعاطفية والعقلية… ويستمر هذا حتى بلوغك 80 عاماً.

دورتا الإبداع

لقد كشفت دراسة حديثة أخرى على الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد أن هناك دورتين للإبداع على طول الحياة؛ إحداهما تظهر في مرحلة مبكرة من الحياة المهنية، لتأتي الثانية في وقتٍ لاحق من الحياة.

لا تتوقف عن العطاء، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين، خبرات

وقال بروس وينبرج (Bruce Weinberg) كبير معدّي الدراسة إن غالب الناس يعتقدون أن الإبداع حكرٌ على جيل الشباب، لكنّه يعتمد في الواقع على نوع الإبداع موضع الدراسة، ووجدت الدراسة أن الذروة الأولى للإبداع تحصل في منتصف سن العشرينيات، بينما حصلت الثانية في منتصف الخمسينيات من العمر، ودرس الباحثون 31 فائزاً وترتيبهم تبعاً لترتيبهم من الأكثر تجريبية إلى الأكثر تصورياً، فالمبتكرون يفكرون خارج الصندوق، ويتحدون الحكمة التقليدية ويميلون إلى الخروج بأفكار جديدة فجأة. وقد تبين أن مبدعي الذروة الثانية يميلون للتجريب ويبنى إبداعهم على تراكم الخبرات، بينما مبدعو الذروة الأولى يميلون للمفاهيم المجردة التي تعتمد على الافتراضات والبراهين والمعادلات الرياضية.

وختاماً

فإن شرارة الإبداع لا تنخفض بتقدم العمر، بل تزيد بالخبرة والممارسة والاستفادة من تجارب الغير. فلا تبتئس، وعش حياتك متجاوزاً عقدة عدّ سنوات العمر، فهي أرقام تضيف لك، لا تأخذ منك.

اقرأ أيضاً: للشباب والمُراهقين: الوصايا السبع قبل بلوغ سن الثلاثين! – تقرير

0

شاركنا رأيك حول "الإبداع لا يتقاعد، دراساتٌ تثبت أن الإبداع يزداد ألقُه بعد الستين"