يُعتبر الصيد أحد اقدم النشاطات البشرية ومن أوائل الطرق التي استخدمها الإنسان للحصول على غذاءه، ولا يزال الصيد إلى وقتنا هذا نشاطًا بشريًا واسع الانتشار بالرغم من تغير الأسباب فهو الآن بأغلبه لا يتعدى كونه نشاطًا للتسلية عند هواة الصيد، أما في عالم الحيوانات فالعديد منها لاحمٌ ويقتات على غيره من الحيوانات الأخرى لذلك فالصيد عندها هو حاجةٌ مُلحةٌ للبقاء والاستمرار.

تعريف الصيد

الصيد أو الافتراس في سلوك الحيوان هو مطاردة الحيوانات (المفترسة) لحيواناتٍ أخرى (الفريسة) وقتلها من أجل الغذاء، قد يكون الصيد سلوكًا فرديًا عند بعض الحيوانات مثل الفهد أو النمر، أو سلوكًا جماعيًا عند حيواناتٍ أخرى مثل الذئاب التي تصطاد فرائسها في قُطعانٍ.

تطور تقنيات الصيد عند الحيوانات

طورت الحيوانات المُفترسة تقنياتٍ مختلفةٍ وسلوكياتٍ مُتنوعةٍ تُمكنها من استخدام كافّة خصائصها الجسمانيّة لضمان نجاحها في الصيد، ومن أهم الأمثلة على هذه التقنيات:

  • حدّة البصر عند الطيور الجارحة مثل الصقر أحمر الذيل الذي يُحلّق بحثًا عن فرائسه ويستطيع تمييزها من ارتفاعاتٍ شاهقةٍ.
  • السمع الحادّ لدى طائر البوم يُمكّنها من سماع صوت حفيف وحركة الفأر والتركيز عليها.
  • تصطاد العديد من الخفافيش الآكلة للحشرات عن طريق تحديد الموقع بالصدى، فتُصدر صوتًا نابضًا عالي التردد أثناء الطيران يُمكّنها من تحديد موقع فريستها والانقضاض عليه.
  • يقوم البجع بالصيد ضمن القطيع إذ تقوم البجعات بالرفرفة بأجنحتها في الماء في تشكيلٍ يُشبه القوس ما يُخيف الأسماك ويدفعها باتجاه المناطق الضحلة حيث يسهل على البجع اصطيادها.§

طرق الصيد عند الحيوان

تختلف استراتيجيات الصيد المُتّبعة عند الحيوانات تبعًا لنوع الحيوان وخصائصه الجسميّة وبيئته المحيطة، ويمكن تحديد ثلاثة أنماطٍ للصيد بشكلٍ عامٍ عند الحيوانات:

الصيد بطريقة الكمين والانتظار

هي استراتيجيةٌ تتّبعها عددٌ من الحيوانات المفترسة تعتمد فيها على سمتين رئيسيتين هما التخفي المناسب والسرعة في الانقضاض، يقوم المفترس بمسح البيئة المحيطة للبحث عن أفضل المواقع التي تضمن له زيادة فرص نجاح الافتراس والتخفي عن كلٍ من الفريسة والأعداء المُحتملين، ومن الأمثلة الشائعة عن هذا النمط هو حشرة فرس النبي التي تَكمُن للفريسة ساعاتٍ طوالٍ دون حراكٍ وبمجرد اقتراب الفريسة تنقضّ عليها بأرجلها الأمامية بلمح البصر وتقوم بالتقاطها.§

الصيد بالاعتراض

طوّرت المفترسات التي تعتمد هذا المبدأ استراتيجيةً لمُراقبة الفريسة، ودراسة سلوكها، وتوقع أنماط حركتها، بحيث تتمكن من توقع اتجاه الفريسة عند الانقضاض عليها، ويعتمد نجاح أو فشل المفترس في الإمساك بفريسته على قدرته على تتبّع الفريسة واستقراء حركتها عند المطاردة ومن الأمثلة المهمة على هذه التقنية افتراس البومة لفئران الحقل.§

الصيد بالمُلاحقة والانقضاض

هو شكلٌ من أشكال الافتراس تقوم فيه الحيوانات المفترسة بمُطاردة الفريسة الهاربة ويعتمد نجاح الصيد على قدرة المفترس على اللّحاق بالفريسة والإمساك بها، وتطور الحيوانات المفترسة بهذه الطريقة تقنيتها بالاعتماد على خصائصها الجسمانية. من أكثر الامثلة شيوعًا المطاردات التي تقوم بها الأسود والفهود للغزلان او لبقر الوحشيّ، حيث تمتاز بمخالبها القابلة للطي واقدامها الناعمة بحيث تضمن لها التسلل للاقتراب من الفريسة غلى المسافة المناسبة قبل بدء المطاردة.§

تقنياتٌ فريدةٌ في عالم الصيد عند الحيوان

بالمُراقبة الدّقيقة لعالم الحيوانات البرّية والبحرية لُوحظ وجود أنماطٍ سلوكيةٍ تُعتبر مُتطورةً في سلوك بعض المفترسات أثناء صيد فرائسها وسأذكر هنا بعضًا من أبرز هذه السلوكيات:

  • سمكة القرش الأبيض الكبير: تُعتبر أكبر الأسماك المُفترسة على الإطلاق، وقد طورت هذه السّمكة تقنيّةً مُميزةً تعتمد على استشعارها لضوء الشمس، إذ تُهاجم فرائسها من جهة الشمس بحيث تكون الشمس ورائها (في الصباح تُهاجم فرائسها من الشرق إلى الغرب وفي وقت ما بعد الظّهيرة تُهاجم بالعكس)، من خلال وضع الشمس خلفها، تتجنب أسماك القرش الوهج وتجعل من السهل رؤية فرائسها.
  • طائر مالك الحزين: يستخدم مالك الحزين الأخضر تقنيّة صيد الأسماك بالطعم، باستخدام قطعةٍ من الخبز يضعها في الماء، وعند اقتراب الأسماك منها للتغذية يقوم الطائر بالتقاطها بمنقاره الطويل، كما يمكن أن يستخدم الأسماك الصغيرة جدًا كطعمٍ لاصطياد اسماكٍ أكبر. بينما يمتلك مالك الحزين الأسود تكتيكًا ذكيًا آخرًا في الصّيد، فهو يُشكّل أجنحته على شكل مظلةٍ تخلق الظلّ فوق الماء، ما يُمكّنه من الرؤية داخل الماء عن طريق تقليل وهج الشمس، لتنجذب الأسماك إلى الظل المُتشكل ظنًا منها أنه ظلٌ نباتيٌ.
  • عناكب السلطعون مُتغيرة اللّون: تُسمى حرباء العناكب، إذ تستطيع الأنثى تغيير لونها بين الأبيض والأصفر وتقوم بنصب كمينٍ بين بتلات الأزهار للحشرات التي تتغذى على الرّحيق وتصطادها.
  • الحيتان الحدباء: تعمل هذه المخلوقات العملاقة معًا لتجميع مجموعاتٍ كبيرةٍ من الأسماك في مكانٍ ضيقٍ، إذ تسبح الحيتان في دائرةٍ تصاعدية تُشيه الدّوامة وتُطلق الفقاعات الهوائيّة بقوةٍ نحو الأعلى، بحيث تُشكّل شبكةً من فقاعات الهواء التي تحيط بالأسماك وتجمعها في المركز لتقوم الحيتان باصطيادها بكمياتٍ كبيرةٍ.
  • تقليد الأصوات عند بعض السنوريّات: وهي حالةٌ فريدةٌ تستحقّ الدراسة، إذ تقوم بعض أنواع القطط البريّة في غابات البرازيل بتقليد صوت صغير القرد، ما بجذب القرود البالغة لمكان وجود القطط البرية حيث تقوم باصطيادها.§