عصر التنوير هو حركةٌ فكريةٌ أوروبيةٌ ظهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، قامت على تجميع الأفكار المتعلقة بالله والمنطق والطبيعة والإنسانية ضمن نظرةٍ عالميةٍ لاقت استحسان الغرب، ونتج عنها تطويراتٍ ثوريةً في مجالات الفنون والفلسفة والسياسة.

كان أساس هذه الحركة هو تمجيد قوة العقل والمنطق التي تمنح الإنسان القدرة على استيعاب الأمور من حوله وتحسين ظروفه، وكانت المعرفة والحرية والسعادة هي الأهداف الرئيسية وراء إضفاء العقلانية على طريقة حياة البشر.1

لقد أعادت الحركة التنويرية توجيه الحياة في أوروبا في مجالات السياسة والعلوم، فقد شكك المفكرون التنويريون في بريطانيا وفرنسا وأوروبا في السلطة التقليدية وتبنوا مفهوم إمكانية تطوير البشرية من خلال التغييرات العقلانية.

أنتج عصر التنوير العديد من الكتب والمقالات والاختراعات والاكتشافات العلمية والقوانين والحروب والثورات كالثورتين الفرنسية والأمريكية اللتين تأثرتا بمبادئ التنويرية، وأشارتا إلى ذروة تأثيرها وبداية نهايتها. لقد أفسح عصر التنوير المجال أمام ظهور الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر.2

الأسباب التي أدت إلى التنويرية

كانت حرب الثلاثين عامًا السبب المباشر لظهور العصر التنويري فقد أجبرت هذه الحرب المريعة التي استمرت من 1618م حتى 1648م الكتّاب الألمانيون على توجيه نقدٍ لاذعٍ لأفكار النزعة القومية والحروب، وكان هؤلاء الكتّاب أمثال هيوغو غروتيوس وجون كومينوس أول العقول التنويرية التي ناهضت التقاليد وقدمت حلولًا أفضل.

في نفس الوقت، تطور اهتمام المفكرين الأوروبيين بالعالم المحسوس إلى دراساتٍ علميةٍ، وعرّف استكشاف العالم أوروبا على حضاراتٍ وفلسفاتٍ أخرى، وفي النهاية فإن قرونًا من الإساءة تعرض لها الناس من قبل السلطات الحاكمة والكنيسة أوصلتهم إلى نقطة الانفجار ودفعت بالمثقفين منهم إلى رفع صوتهم عاليًا.3

أهم الأفكار في عصر التنوير

  • المنطق

اعتقد الفلاسفة في عصر التنوير أن التفكير المنطقي العقلاني أهم طرائق التفكير والقدرات الإنسانية ويمكنه أن يقود التطور البشري، فيمكنه أن يحرر البشر من الجهل واللاعقلانية ويساعد في اتخاذ قراراتٍ منطقيةٍ، وأن كل المساعي الإنسانية يجب أن تهدف إلى زيادة المعرفة وتحكيم العقل بدلًا من المشاعر، كما أكدوا على التعليم العلماني وأن التعليم يجب أن يكون عالميًا شاملًا.

  • الشك

لم يرحب مفكرو عصر التنوير بالإيمان الأعمى وبحثوا عمّا هو صحيحٌ وحقيقيٌّ، فاختبروا المفاهيم الشعبية عن طريق تجاربٍ علميةٍ دقيقةٍ وتجاربٍ شخصيةٍ، بالرغم من أن أحد عوامل التفكير التنويري كان شك الفرد نفسه بحواسه، مما أنتج معضلاتٍ فلسفيةٍ معقدةٍ.

لقد شكك المفكرون بالحق الإلهي للملوك والحكومات الملكية بشكلٍ عام، وبالادعاءات العلمية المرتبطة بعالم الطبيعة، وبطبيعة الواقع والمبادئ الدينية، كما أصبح المذهب الربوبي شائعًا في عصر التنوير حيث يقوم على الإيمان بوجود الخالق لكنه لا يتدخل في شؤون الأرض فالكون يستمر بناءً على أسسٍ علميةٍ وطبيعيةٍ.

  • التسامح الديني

على الرغم من وجود شكوكٍ بالمؤسسات الدينية فقد آمن الكثير من المفكرين بأهمية أن يكون الناس أحرارًا في ممارسة أديانهم فقد سعوا للتخلص من تحكم الدين بالسلطة في سبيل منع الحروب المتعصبة القائمة على أساس الدين.

  • الحرية

قام مبدأ التسامح الديني على أساس تركيز الحركة التنويرية على الحرية الشخصية للأفراد، فقد أعطى الله و/أو الطبيعة البشر حق الاختيار دون التعرض لقيودٍ قمعيةٍ، أي يحق للأفراد ممارسة حرياتهم الشخصية دون التعرض لضغوطٍ من السلطة التي يجب أن تكون ممثلةً لرغبة الشعب.

  • التقدم

تميزت القرون قبل عصر التنوير بالتغيرات السريعة بدءًا من الثورة العلمية واكتشافاتها وصولًا إلى استكشاف العالم والتقدم في تقنيات الفن خلال عصر النهضة مما دفع المفكرون في عصر النهضة إلى الإيمان بأن وضع البشرية في تحسنٍ وتقدمٍ مستمرين عبر الوقت.

  • المذهبان التجريبي والعقلاني

ارتبط المذهب التجريبي بالفلاسفة البريطانيين ومنهم جون لوك وجورج بيركيلي وهيوم، ويقوم هذا المذهب على أن مصدر كل المعرفة الإنسانية يأتي من التجارب الحسية والشعورية، بينما لم تكن الحواس موثوقةً في المذهب العقلاني، والذي عاش أتباعه بشكلٍ رئيسيٍّ في قارة أوروبا، والعقل هو مصدر المعرفة عن طريق ابتكاره للأفكار أو إدراكها.

الثورة العلمية في عصر التنوير

بدأت الثورة العلمية عند نشر نظرية نيكولاس كوبرنيكوس Heliocentric Universe theory عام 1543م التي تقوم على أن الشمس هي مركز الكون، إضافةً إلى الاكتشافات الأخرى كالقوانين الثلاثة لحركة الكواكب لجوان كيبلر، ونظريات غاليلو غاليلي عن الحركة والعطالة، والرؤية الجديدة لتايكو براهي عن النجوم وعملها، وانتهت الثورة العلمية باكتشاف اسحاق نيوتن لقانون الجاذبية وفهم ميكانيكية الكون في أواخر القرن السابع عشر.

لقد ساهمت الاكتشافات العلمية الجديدة بتغيير المفاهيم الكونية المسيحية-اليهودية المقبولة، وازداد تبني المفكرين لمفاهيم كوبرنيكوس ونيوتن والتي قامت على أن الله خالق الكون والعلم يحدده، ويستطيع البشر فهمه من خلال العلم. بدأ المثقفون برؤية الكون على أنه غير محدودٍ ومليءٍ بالحركة، الأمر الذي أسس لفلسفة عصر التنوير وتبني الأفكار الإنسانية العقلانية.4

أهم شخصيات ذاك العصر

نهاية عصر التنوير

وقعت الحركة التنويرية ضحية تضاربٍ للأفكار من مصادرٍ مختلفةٍ، وكانت الحركة الرومانسية محببةً أكثر لدى الطبقة الأقل تعليمًا وأبعدتها عن الأفكار التجريبية والعلمية للتنويرية، كما أن نظريات الشك تضاربت مع ما أكدته التنويرية اعتمادًا على العقل وأصبح لها أتباعًا، أما الذي قضى فعلًا على عصر التنوير هو الثورة الفرنسية التي بدأت معتمدةً على مبادئ التنوير وانتهت بالفوضى والعنف، لكن بقيت اكتشافات هذا العصر ونظرياته مؤثرةً في المجتمع الغربي لقرونٍ عدةٍ.6

المراجع