إن ظروف ظهور الانتلجنسيا قد تبدو مربكةً بعض الشيء؛ إذ شهدت صناعة الصحف الروسية ذات التكتلات الجماهيرية المستقلة في نهاية الحقبة القيصرية ازدهارًا واسعًا بشكلٍ مشابهٍ للتطورات الحاصلة في الصحافة الغربية خلال القرن التاسع عشر من جميع النواحي، لكن باختلافٍ سياسيٍّ واضح بينهما، حيث ساعدت الصحافة الروسية في ستينيات القرن التاسع عشر في فتح المجال للبيئة الاستبدادية بالتنسيق مع سلسلةٍ من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية.

لكن بالرغم من ذلك، وعندما فشلت تلك الإصلاحات في إنشاء نظامٍ سياسيٍّ يكفله الدستور أصبح الصحفيون محبطين من التنازلات التي قدمتها الحكومة، لدرجة أنهم فقدوا الأمل في إمكانية إصلاح النظام الاستبدادي. لذا سعت الصحف إلى اللجوء إلى رموزٍ جديدةٍ من التاريخ الروسي، فتوجهوا باتجاه مجموعةٍ من المثقفين من طبقات المجتمع المختلفة الذين ينتمون إلى مدارسَ فكريةٍ مختلفةٍ، ولكن جميعهم منخرطون في نقد النظام الاستبدادي السائد في روسيا، محاولين توحيدهم في طبقةٍ واحدةٍ، وإظهارهم ودعمهم أمام الرأي العام ليواجهوا بهم هذا النظام، فظهرت طبقة الانتلجنسيا (Intelligentsia).

فما هي هذه الطبقة، وما هي مكوناتها؟ هذا ما سنقوم بالتعرف عليه في المقال التالي.1

تعريف الأنتلجنسيا

يلوح الكثير من التعقيد حول أصل كلمة الانتلجنسيا؛ إذ تعود أصولها إلى اللاتينية لكنها لاقت رواجًا في جميع أنحاء العالم بفضل اللغة الروسية. الانتلجنسيا أو النخبة المثقفة أو المثقفون، جميعها تسمياتٌ أطلقها الروس في القرن التاسع عشر للدلالة على القدرة على التفكير ورجاحة العقل.

يعتقد المؤرخون أن الشاعر الروسي فاسيلي جوكوفسكي كان أول من استخدم المصطلح في فترة ما قبل الثورة لوصف مجموعةٍ من الأشخاص الذين يمتلكون مبادراتٍ ثقافيةً وسياسيةً، ويتشاركون في عملٍ عقليٍّ معقدٍ بهدف نشر الثقافة والوعي ضمن المجتمع، حيث شملت هذه الطبقة الجميع من الفنانين إلى معلمي المدارس وقرّاء الكتب.2

لكن مصطلح الانتلجنسيا مصطلحٌ إشكاليٌّ، خاصةً فيما يتعلق بروسيا؛ فعلى الرغم من الاتفاق على أنه يمثل طبقة اجتماعية منفصلة، إلا أن هناك تعريفين منتشرين له؛ التعريف الأول هو تعريفٌ ضيقٌ نسبيًا، ويدل على المعارضة الفكرية المنتشرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في البلاد، ذات التوجّهات أو السمات الليبرالية أو الاشتراكي، حيث أنّ مهمة النخبة المثقفة التكلم باسم الشعب ضد الدول غير الديمقراطية والدفاع عن مصالح المظلومين دون أن تقتصر مهامهم على الدفاع عن مصالحهم فقط، ويرون أن نشاطهم مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالكفاح من أجل الديمقراطية. أما التعريف الثاني، فهو تعريفٌ واسعٌ للغاية ويدل ببساطةٍ على أيّ شخصٍ حاصل على تعليمٍ عالٍ.3

حظيت النخبة المثقفة بثناء الكثيرين باعتبارهم ضمير المجتمع، لكن بالمقابل لاقى آخرون منهم الاحتقار لاعتبارهم منفصلين عن الواقع، حيث كان من السائد في روسيا أنه عندما يقول شخصٌ أن فلانًا من طبقة الانتلجنسيا يتخيل له على الفور شخص ذو مظهرٍ جيدٍ من الطبقة المتوسطة يحمل درجةً علميةً في العلوم الإنسانية، أو شخص يتكهن بشؤون العالم والسياسة وبالتأكيد في مستقبل روسيا ومصيرها.

مع مرور الوقت، بدأ عددٌ متزايدٌ من الناس في استخدام مصطلح الانتلجنسيا بشكلٍ ساخرٍ للغاية، حيث يعمدون على إظهار أنفسهم على أنهم أشخاصٌ مشغولون جدًا بالتفكير في المشكلات الأخلاقية بحيث لا يقومون بأيّ شيءٍ عمليٍّ ومفيدٍ فعليًا، لكن في الوقت نفسه كان بعضهم جزءًا من النخبة المثقفة ممّن أثروا في المجتمع وحاولوا تحسين العالم، على سبيل المثال الفيزيائي السوفيتي أندريه ساخاروف الحائز على جائزة نوبل للسلام في عام 1975، والذي دافع عن حقوق الإنسان في الاتحاد السوفيتي، مما عرضه إلى الاضطهاد من قبل الدولة.4

الانتلجنسيا والرأسمالية

تكونت الانتلجنسيا من مجموعةٍ متنوعةٍ من الفصائل المختلفة سواء التابعة لليسار أو اليمين. اتبع بعضهم القومية الروسية، بينما تبنى آخرون القومية الغربية الأكثر شمولًا، مما سبب انقسامهم إلى فصائلَ سياسيةٍ عديدة، وذهب بعض المثقفين لتبنّي الاشتراكية وبعض القيم اليسارية الأخرى بالإضافة إلى معاداة الرأسمالية التي ظهرت بسبب التفاوت بين الطبقات داخل المجتمع الروسي، وبدلًا من النظر إلى الرأسمالية على أنها وسيلةٌ للارتقاء والتطوّر، فهم يرون أنها تحافظ على عدم المساواة الاقتصادية.

لم يكن من المفاجئ في ظل هذا الاعتقاد أن العديد من أعضاء الانتلجنسيا اعتنقوا ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917 والحكومة السوفيتية الجديدة التي تبعت اندلاع الثورة.5

المراجع