Ai Everything

تجربة غير معتادة بالذكاء الاصطناعي تغيّر سياسات ميتا تجاه الموظفين

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

4 د

ميتا تُعيد التركيز على جودة النتائج الفعلية بدلاً من كثافة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

استخدام الذكاء الاصطناعي يتحوّل من كونه هدفًا إلى وسيلة لتحسين جودة العمل.

شركة ميتا تواصل تبنيها للأتمتة بتقديم وكيل برمجي مثل Hatch لأتمتة مهام متعددة.

التجربة تكشف أهمية الحوكمة الرشيدة في تبني نماذج الذكاء الاصطناعي بذكاء وحكمة.

في بعض أماكن العمل، يكفي أن يضيء عداد النشاط حتى يشعر الموظف بأنه أنجز شيئاً، حتى لو لم يتغير أثر العمل نفسه كثيراً. هذا تقريباً ما تحاول ميتا التراجع عنه الآن، بعد فترة داخلية بدا فيها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي هدفاً قائماً بذاته. وفقاً لتقرير نشره WIRED، حدّثت الشركة معايير تقييم الأداء بحيث لم يعد حجم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو عدد الرموز المستهلكة عاملاً مباشراً في الحكم على الموظفين، وعاد التركيز إلى النتيجة الفعلية وما إذا كان العمل أحدث أثراً حقيقياً.


حين يتحول القياس إلى لعبة

المسألة لا تتعلق برفض الذكاء الاصطناعي، بل بطريقة إدخاله إلى ثقافة العمل. ميتا كانت قد شجعت موظفيها سابقاً على إظهار ما سمته أثراً مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، وظهرت داخل الشركة توصيفات مثل المستخدم الأصلي للذكاء الاصطناعي أو العمل بأسلوب الذكاء الاصطناعي أولاً. على الورق، يبدو ذلك منطقياً لشركة تبني نماذج وأدوات وتريد تسريع تبنيها داخلياً.

لكن ما حدث عملياً يشرح مشكلة معروفة في الإدارة التقنية: عندما يصبح المؤشر هدفاً، يفقد قيمته كمؤشر. بعض الموظفين، بحسب التقرير، زادوا استخدامهم للأدوات التوليدية ليس لأن المهمة تتطلب ذلك، بل لأن أرقام الاستهلاك نفسها أصبحت ذات وزن رمزي داخل المؤسسة. وهنا انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه وسيلة إنتاج إلى كونه سلوكاً مطلوباً بحد ذاته.


من أثر العمل إلى عداد الرموز

واحدة من أكثر التفاصيل دلالة كانت متابعة استهلاك الرموز، أي الوحدات التي تعالجها النماذج اللغوية أثناء الاستخدام. في السياق التقني هذا مقياس تشغيل مهم، لكنه ليس مقياس قيمة بشرية أو مهنية. ومع الوقت، تحوّل الأمر إلى تنافس داخلي وصل إلى إنشاء لوحة ترتيب غير رسمية تمنح ألقاباً مثل أسطورة الرموز، قبل أن تُزال لاحقاً بعد انكشافها علناً.

هذه اللحظة تبدو طريفة من الخارج، لكنها تكشف شيئاً أعمق داخل بيئات العمل الرقمية. عندما تقيس الشركات التبني بدقة شديدة، قد تدفع الموظفين من دون قصد إلى تحسين السلوك الظاهري بدلاً من تحسين جودة القرار أو سرعة الإنجاز أو دقة التنفيذ. النتيجة تكون ضجيجاً رقمياً أكثر من كونها إنتاجية أعلى.


الفارق مهم بين استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز العمل، واستخدامه لإثبات أنك تستخدمه.


ما الذي تغيّر فعلياً

بحسب التحديث الجديد، أُبلغ المهندسون بأن لوحات متابعة التبني واستهلاك الرموز لن تُستخدم لقياس أثرهم. كما أن صياغة مراجعات الأداء أصبحت تنص على أن النتائج يمكن دعمها بالذكاء الاصطناعي أو بوسائل أخرى. المعنى هنا واضح: الأداة ما زالت مرحباً بها، لكن الحكم سيعود إلى جودة المخرجات، لا إلى كثافة التفاعل مع الشات بوت أو الوكيل البرمجي.

المتحدثة باسم ميتا أوضحت أيضاً أن الشركة قيّمت الموظفين دائماً وفق مساهماتهم، وأن بعض التصنيفات المتداولة لم تكن جزءاً رسمياً من تقييم الأداء. حتى لو صح ذلك إدارياً، فالقصة تكشف أن الرسائل الداخلية غير الرسمية قد تؤثر في السلوك بقدر تأثير السياسات المكتوبة، وربما أكثر.


ميتـا لم تتراجع عن الذكاء الاصطناعي

أي قراءة لهذا التغيير على أنه تراجع من ميتا عن رهاناتها في الذكاء الاصطناعي ستكون قراءة ناقصة. الشركة لا تزال توسع حضور هذه الأدوات داخل العمل اليومي، بل تختبر داخلياً وكيلاً تجريبياً باسم Hatch يمكنه تنفيذ إجراءات على جهاز المستخدم، وتصفح الويب، والتفاعل مع تطبيقات أخرى نيابة عنه. هذا انتقال من مساعد يجيب إلى نظام يتصرف، وهو فرق تقني مهم في طبيعة المخاطر والفوائد معاً.

وجود وكيل بهذا المستوى داخل بيئة الشركة يعني أن ميتا تريد من موظفيها التعايش مع الجيل التالي من الأتمتة، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على كتابة نص أو تلخيص اجتماع، بل يمتد إلى تنفيذ مهام متعددة الخطوات. لذلك فالتعديل الأخير لا يخفف اندفاع الشركة نحو الذكاء الاصطناعي، بل يجعله أكثر نضجاً من ناحية الحوكمة والإدارة.

  • التركيز الجديد يعيد تقييم الموظف إلى الناتج النهائي لا إلى سلوك الاستخدام.
  • الاعتماد على مؤشرات تشغيلية مثل الرموز قد يشوش فهم الإنتاجية الحقيقية.
  • الوكلاء البرمجيون مثل Hatch يفتحون باباً أوسع للأتمتة داخل بيئات العمل.

لماذا يهم ما فعلته ميتا

ما يحدث داخل ميتا ليس تفصيلاً داخلياً يخص شركة واحدة فقط. كثير من المؤسسات التقنية وغير التقنية تعيش الآن مرحلة مشابهة، حيث تريد إثبات أنها تبنت الذكاء الاصطناعي بسرعة، فتبدأ بقياس عدد المستخدمين، وعدد الطلبات، وعدد الساعات التي قضيت مع الأدوات. هذه المقاييس مفيدة لفهم الانتشار، لكنها تصبح مضللة حين تُستخدم بديلاً عن الجودة والأثر.

ذو صلة

الأهم أن الخبر يلامس سؤالاً أوسع في إدارة التكنولوجيا: كيف نكافئ السلوك الصحيح من دون أن نحوله إلى عرض رقمي؟ التجربة التي مرت بها ميتا تقول إن فرض التبني أسهل من تعريف القيمة. أما بناء ثقافة تستخدم النماذج التوليدية بحكمة، فتلك مهمة أصعب بكثير، لأنها تتطلب حكماً بشرياً لا لوحة بيانات فقط.

في النهاية، لا يبدو أن ميتا غيّرت رأيها في الذكاء الاصطناعي، بل غيّرت الطريقة التي تريد من الناس أن يعيشوه بها داخل العمل. وهذا فرق مهم. الشركات التي ستنجح في المرحلة المقبلة ليست بالضرورة تلك التي تجعل موظفيها يضغطون على أدوات أكثر، بل تلك التي تعرف متى تكون الأتمتة مفيدة، ومتى يصبح الإنسان نفسه هو المعيار الأذكى.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة