LEAP26

حرب معلوماتية جديدة تشعلها إيران على مواقع التواصل مع تصاعد التوتر بين أمريكا وإسرائيل

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

تُظهر التقارير تحول الاستراتيجية الرقمية الإيرانية لشن "حرب معلومات" بالتوازي مع الصراع العسكري.

إيران تعيد توجيه التأثير الرقمي نحو رسالة موحدة تركز على الحرب الحالية.

استخدام مكثف للذكاء الاصطناعي لخلق التباس بصري ومخاطبة الانقسامات الداخلية بأمريكا.

إغلاق الإنترنت داخليًا وقيادة حملات رقمية على منصات عالمية خارجياً.

الحروب الحديثة تلعبها الخوارزميات بجانب التقليدية، مع تأثير إعلامي مضلل.

حين تُغلق شبكة الإنترنت داخل بلدٍ ما، يظن البعض أن الصمت سيخيّم. لكن الواقع يُظهر العكس تماماً. ففي اللحظة التي تخفت فيها الإشارة داخلياً، ترتفع الضوضاء خارجياً. هذا تحديداً ما تشير إليه التقارير الأخيرة حول تحوّل الاستراتيجية الرقمية الإيرانية إلى جبهة “حرب معلومات” واسعة بالتزامن مع التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.


من حملات متفرقة إلى سردية واحدة

بحسب تقرير نشرته صحيفة The Guardian، أعادت طهران توجيه عمليات التأثير الرقمي التي كانت تستهدف قضايا سياسية متباعدة في بريطانيا والولايات المتحدة، مثل الاستقلال الأسكتلندي أو الجدل حول الهجرة، نحو رسالة موحّدة تركز بالكامل على الحرب الدائرة. هذا التحول يعكس فهماً عميقاً لآليات التأثير في المنصات الاجتماعية، حيث لا يعود الهدف تشتيت الانتباه بقضايا عديدة، بل تركيز الضغط الأخلاقي والسياسي في نقطة واحدة.

تقنياً، يعني ذلك إعادة توزيع شبكات الحسابات، تغيير الشخصيات الرقمية، وضبط الخوارزميات الداخلية للحملات بما يتلاءم مع اللحظة. حسابات كانت تبدو محلية الهوية تحوّلت فجأة إلى منصات دعائية صريحة، وهو انتقال يكشف هشاشة “الأصالة الرقمية” عندما تُدار مركزياً.


الذكاء الاصطناعي كسلاح دعائي

الأكثر لفتاً هو الاستخدام المكثف لمقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ضربات عسكرية مزعومة أو مشاهد مفبركة لجنود في حالة انهيار. هذا النوع من المحتوى لا يسعى دائماً إلى إقناع الجمهور بحقيقته، بل يكفي أن يزرع الشك ويخلق التباساً بصرياً.


الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في الحملات الدعائية بلغ مستوى لم نشهده بهذه الكثافة من قبل، وفق باحثين في الإعلام الرقمي.

نحن أمام مرحلة تتجاوز الأخبار الكاذبة النصية إلى “تزييف بصري عالي الدقة”، حيث يصعب على المستخدم العادي التمييز بين الفيديو الواقعي والمحاكاة الاصطناعية، خصوصاً في بيئة منصات تفضّل السرعة والمشاركة على التحقق.


استهداف الانقسام الداخلي الأمريكي

اللافت أيضاً أن الحملات لم تكتفِ بمخاطبة جمهور خارجي تقليدي، بل ركّزت على تضخيم الانقسامات داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً بين التيارات المحافظة المنتقدة لدعم إسرائيل. هذا يعكس نموذجاً قديماً في حروب المعلومات: لا تخلق الانقسام، بل استثمر فيه.

من منظور تحليلي، يعتمد هذا النهج على مراقبة الخطاب المحلي، إعادة تدويره، ثم ضخه عبر قنوات رسمية أو شبه رسمية لتكثيف حضوره. النتيجة ليست بالضرورة تغيير قناعة، بل تعميق الاستقطاب، وهو مكسب استراتيجي بحد ذاته في سياق صراع طويل.


المفارقة: تعتيم داخلي وضجيج خارجي

في الداخل، فُرض شبه انقطاع كامل للإنترنت مع تهديد مستخدمي خدمات الأقمار الصناعية مثل Starlink. في الخارج، تُدار حملات رقمية متقدمة على منصات مثل X وInstagram وBluesky. هذه المفارقة تكشف رؤية مزدوجة للتكنولوجيا: أداة سيطرة داخلياً، وأداة تأثير خارجياً.

  • التحكم بالبنية التحتية للشبكات يمنح قدرة على كبح السرديات المحلية.
  • العمل عبر منصات عالمية يتيح الوصول إلى جمهور عابر للحدود.
  • تكامل الحرب السيبرانية مع العمليات العسكرية يعكس مفهوم “الحرب غير المتكافئة”.

هنا تتداخل مفاهيم الأمن السيبراني مع الجيوسياسة، ويصبح تدفق البيانات جزءاً من معادلة الردع.


حروب المستقبل تُخاض على الخوارزميات

ما يحدث ليس مجرد موجة دعاية ظرفية، بل مؤشر على تطور نمط جديد من الصراع، حيث تلعب خوارزميات التوصية، والبوتات، وتحليل البيانات، دوراً لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات. لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على شاشة الهاتف في يد كل مستخدم.

ذو صلة

في هذا السياق، تبدو الحدود بين الإعلام الرسمي، المحتوى العضوي، والتلاعب الرقمي أكثر ضبابية من أي وقت مضى. ومع تسارع أدوات التوليد الاصطناعي وتراجع كلفة إنتاج التضليل البصري، يصبح السؤال الحقيقي أقل ارتباطاً بمن أطلق الحملة، وأكثر ارتباطاً بقدرتنا كأفراد ومؤسسات على تمييز الحقيقة وسط ضوضاء الخوارزميات.

الحروب الحديثة لا تبدأ بتغريدة، لكنها قد تتسع بها. وبين التعتيم الداخلي والانفتاح الدعائي الخارجي، يتأكد أن معركة النفوذ اليوم تُدار في آنٍ واحد عبر البنية التحتية للشبكات وعبر الوعي الجمعي للمستخدمين.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة