شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي تعد الناس بذاكرة لا نهائية وذكاء لا ينسى
شركة Engramme تعمل على خوارزمية لإنهاء النسيان باستخدام "نماذج الذاكرة الضخمة".
تسعى الفكرة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في استرجاع كل تجاربك الرقمية.
النظام سيعزز الإنتاجية عبر استرجاع سياق القرارات والأحداث السابقة.
المشروع يثير تساؤلات حول الخصوصية والسيطرة على البيانات الشخصية.
نحو تحويل الذاكرة البشرية من طبيعة انتقائية إلى سجل رقمي دائم.
أن تنسى اسم شخص التقيته قبل دقائق، أو موعداً مهماً دوّنته في مكان ما ولم تعد تتذكر أين، هو جزء مألوف من كوننا بشراً. النسيان ليس خللاً طارئاً، بل خاصية أصيلة في الذاكرة البشرية. لكن شركة ناشئة جديدة تريد تغيير هذه المعادلة بالكامل، عبر وعد جريء: منح البشر ذاكرة مثالية ولا نهائية.
ذاكرة لا تسقط منها التفاصيل
البروفيسور غابرييل كريمان، الباحث في علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي في كلية الطب بجامعة هارفارد، أعلن إطلاق شركة تحمل اسم Engramme، بهدف تطوير خوارزمية يقول إنها قادرة على إنهاء مشكلة النسيان. الفكرة تعتمد على ما يسميه “نماذج الذاكرة الضخمة”، في محاكاة واضحة لمفهوم نماذج اللغة الكبيرة التي تقف خلف أدوات مثل ChatGPT.
الهدف ليس زرع شريحة في الدماغ حالياً، بل استخدام الذكاء الاصطناعي لاسترجاع كل ما مرّ في حياتك الرقمية: رسائل البريد الإلكتروني، المحادثات، المستندات، الصور، الملاحظات، وربما حتى الإشارات الدقيقة في سلوكك الرقمي. كأن يصبح تاريخك الشخصي قاعدة بيانات قابلة للاستعلام اللحظي.
من نماذج اللغة إلى نماذج الذاكرة
إذا كانت نماذج اللغة الكبيرة تتعلم من كم هائل من النصوص لتوليد إجابات ذكية، فإن “نماذج الذاكرة الكبيرة” – وفق تصور الشركة – ستتعلم من أرشيف حياتك أنت. بدلاً من توليد نص عام، سيصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تذكيرك باجتماع دار قبل ثلاث سنوات، أو فكرة خطرت لك في ملاحظة سريعة، أو اسم عميل تواصل معك مرة واحدة.
هذا التحول يعني نقل الذكاء الاصطناعي من دور “المساعد الخارجي” إلى دور أشبه بامتداد إدراكي دائم. ذاكرة سحابية تعيش معك، وتعيد تنظيم الماضي باستمرار، وتربط بين أحداث متباعدة زمنياً بطريقة قد تعزز اتخاذ القرار والعمل الإبداعي.
تداعيات مهنية تتجاوز التذكير البسيط
في بيانها التأسيسي، تتحدث Engramme عن إعادة تشكيل كل المهن تقريباً: من الطب إلى القانون، مروراً بالهندسة والفنون. تخيّل طبيباً يستطيع استرجاع كل حالة تعامل معها، أو محامياً يستحضر سوابق دقيقة من أرشيفه الشخصي خلال ثوانٍ، أو باحثاً يستدعي جميع أفكاره غير المكتملة ليربط بينها.
من الناحية العملية، نحن أمام طبقة جديدة من إدارة المعرفة الشخصية، تتجاوز تطبيقات تدوين الملاحظات التقليدية. إنها محاولة لتحويل الحياة الرقمية إلى نظام معرفي مترابط، مدعوم بخوارزميات استدلال وتعلّم عميق.
- تقليل الاعتماد على الذاكرة البيولوجية في المهام المعقدة.
- تعزيز الإنتاجية عبر استرجاع سياق القرارات السابقة.
- إعادة تعريف معنى “الخبرة” بوصفها بيانات قابلة للاسترجاع الفوري.
الخصوصية كوجه آخر للذاكرة
لكن الذاكرة المثالية ليست مكسباً صافياً. تخزين الحياة الرقمية بالكامل في نموذج واحد يفتح أسئلة حساسة حول الخصوصية والأمن السيبراني والسيادة على البيانات. من يملك هذه الذاكرة؟ وأين تُخزن؟ وكيف يمكن ضمان عدم إساءة استخدامها أو اختراقها؟
التاريخ القريب يخبرنا أن أي نظام مركزي يجمع بيانات بهذا العمق يصبح هدفاً مغرياً. الفارق هنا أن البيانات لا تتعلق بتفضيلات شراء أو نشاط ترفيهي فقط، بل بجوهر التجربة الشخصية بكل تفاصيلها الدقيقة.
هل نتجه إلى “تفرد الذاكرة”؟
كريمان وصف المشروع بأنه لحظة يتوقف فيها البشر عن النسيان بعد مئات آلاف السنين. التعبير يحمل طابعاً فلسفياً بقدر ما هو تقني. فمحو النسيان لا يعني فقط تعزيز التذكر، بل إعادة تشكيل علاقتنا بالماضي، وربما بهويتنا نفسها.
النسيان يمنحنا أحياناً مساحة للبدء من جديد، لتخفيف وطأة الأخطاء والآلام، ولإعادة صياغة قصصنا الشخصية. حين تصبح كل التفاصيل قابلة للاستدعاء الدقيق، قد تتغير طبيعة الذاكرة من كونها عملية إنسانية انتقائية إلى سجل رقمي صارم لا ينسى شيئاً.
سواء نجح المشروع في تحقيق وعوده أو بقي طموحاً بحثياً، فهو يعكس اتجاهاً أوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي: الانتقال من أتمتة المهام إلى توسيع القدرات الإدراكية البشرية نفسها. والسؤال لم يعد فقط ما الذي يمكن للآلة أن تتذكره، بل ماذا يعني أن نتشارك معها ذاكرتنا.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
LEAP26








