LEAP26

محتال يخدع الرجال بصورة فتاة مزيفة أنشأها الذكاء الاصطناعي

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

خلقت أدوات الذكاء الاصطناعي حسابات مؤثرة مزيفة لجذب التفاعل السياسي والمالي.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي لدمج الهوية السياسية بالمحتوى البصري لزيادة الانتشار.

الفوائد الاقتصادية تأتي من الاشتراكات في منصات تسمح بالمحتوى الاصطناعي.

الحسابات الاصطناعية تستطيع التأثير بسهولة على الرأي العام في الأزمات.

تقنيات الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي تكون متراخية وسط بيئة رقمية معقدة.

قد يبدو الأمر في البداية مجرد حساب آخر لفتاة جذابة على إنستغرام. صور محسوبة الإضاءة، عبارات سياسية حادة، وجمهور غاضب أو متحمّس يتدافع في التعليقات. لكن خلف هذا القناع الرقمي لم تكن هناك مؤثرة حقيقية، بل طالب طب في الهند يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ليختبر حدود الخوارزميات وحدود سذاجة المستخدمين معاً.

القصة التي نشرها موقع WIRED تكشف جانباً معتمًا من اقتصاد المؤثرين: حسابات نسائية جذابة، مُولّدة بالكامل عبر نماذج توليد الصور، تستهدف جمهوراً سياسياً محدداً وتحوّل التفاعل الأيديولوجي إلى دخل شهري يُقدّر بآلاف الدولارات. ما يحدث هنا ليس مجرد احتيال فردي، بل تجربة حية على تقاطع الذكاء الاصطناعي، والاستقطاب السياسي، وضعف الثقافة الرقمية.


قالب جاهز للبيع

بحسب الرواية، لم ينجح الحساب عند نشر صور تقليدية لعارضة جذابة. التميّز جاء عندما تم اختيار “النiche المحافظ” بعناية: ممرضة شقراء تؤمن بالمسيحية، السلاح، ومواقف يمينية صريحة. الفكرة ليست في الجاذبية فقط، بل في دمج الهوية السياسية بالمحتوى البصري.

هنا يظهر فهم عميق لكيفية عمل خوارزميات المنصات. المحتوى الاستقطابي يولّد تفاعلاً أعلى، والتفاعل يعني انتشاراً أوسع. سواء كان التعليق مؤيداً أو غاضباً، الخوارزمية لا تفرّق كثيراً. النتيجة مشاهدات بالملايين خلال أسابيع.


اقتصاد المشاعر المؤتمت

اللافت أن الأرباح لم تأتِ من الإعلانات التقليدية، بل من الاشتراكات المدفوعة في منصات بديلة تسمح بالمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي. صور “حصرية” أُنشئت عبر نماذج ذكاء اصطناعي مثل Gemini وGrok، ثم بيعت لجمهور لم يكن مهتماً كثيراً بحقيقة الشخصية.

هذا النموذج يكشف تحولاً في اقتصاد صانعي المحتوى: لم يعد من الضروري وجود شخص حقيقي أو حياة واقعية أو حتى هوية يمكن التحقق منها. يكفي تصميم شخصية رقمية ذات سمات مرغوبة، ثم تغذيتها بمحتوى متماسك أيديولوجياً، لتنشأ علاقة شبه عاطفية تدر دخلاً ثابتاً.

  • التكلفة الإنتاجية منخفضة للغاية.
  • الانتشار يعتمد على الجدل لا الجودة.
  • الإفصاح عن كون المحتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي نادراً ما يُطبّق بصرامة.

الذكاء الاصطناعي كأداة تضخيم سياسي

الحساب لم يكن مجرد تجربة ربحية، بل نموذج مصغر لما يمكن أن تفعله الحسابات الاصطناعية في موسم انتخابي أو أزمة سياسية. عندما تصبح صناعة “مؤثرة سياسية مزيفة” عملية لا تستغرق سوى دقائق يومياً، فإن تكلفة التأثير على الرأي العام تهبط بشكل حاد.

الخطورة ليست فقط في التضليل البصري، بل في قابلية الجمهور للتعايش مع الشك. حتى عندما يدرك بعض المتابعين أن الحساب قد يكون مزيفاً، فهم يستمرون في التفاعل لأنه يعبّر عن قناعاتهم. التحقق هنا يصبح ثانوياً أمام الرغبة في رؤية خطاب يؤكد الهوية والانتماء.


حتى بين المستخدمين الرقميين، هناك من لا يهتم إن كانت الشخصية حقيقية طالما أن الرسالة تعجبه.


فشل أنظمة الإفصاح والمراقبة

رغم وجود سياسات تتطلب وسم المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يبدو متراخياً. الحساب نما إلى عشرات الآلاف من المتابعين قبل أن يتم حظره. في تلك الفترة كان قد حقق دخلاً معتبراً.

المفارقة أن بعض المنصات المنافسة أصبحت تتبنى المحتوى الاصطناعي كميزة تجارية، ما يعقّد المشهد أكثر. نحن أمام بيئة رقمية تتشابك فيها المصالح التجارية مع أدوات التوليد الذكي، بينما تبقى آليات التحقق متأخرة بخطوة.


ثقافة رقمية تحت الاختبار

الحكاية في جوهرها ليست عن طالب طب يبحث عن دخل إضافي، بل عن هشاشة النظام الرقمي الحديث. أدوات توليد الصور أصبحت متقدمة بما يكفي لإنتاج شخصيات مقنعة، والخوارزميات تكافئ الإثارة، والجمهور يتفاعل بدافع الانتماء قبل التمحيص.

ذو صلة

ما تكشفه هذه الظاهرة أن معركة الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في سباق النماذج اللغوية أو دقة توليد الصور، بل في كيفية إدماج تلك الأدوات داخل منصات اجتماعية قائمة أصلاً على الاستقطاب والانتباه السريع. التقنية هنا ليست الشرير ولا البريء، لكنها مكبر صوت قوي لنقاط ضعفنا الرقمية.

وفي بيئة يصبح فيها إنشاء مؤثرة سياسية مزيفة أسهل من إدارة حساب شخصي حقيقي، يبدو أن السؤال لم يعد عن قدرة الذكاء الاصطناعي على الإقناع، بل عن استعدادنا نحن للتمييز بين القناعة والحقيقة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة