نظام ذكاء اصطناعي صيني يتفوق على الأدوات التقليدية في تشخيص الأمراض النادرة
يسعى نظام DeepRare لتشخيص الأمراض النادرة باستخدام الذكاء الاصطناعي ليختصر فترة التشخيص.
يعتمد النظام أسلوبًا مشابهًا للتفكير الطبي التقليدي، ما يسهم في دقة النتائج.
حقق نظام DeepRare دقة تشخيص عالية مقارنة بالأدوات المنافسة باستخدام البيانات السريرية والجينية.
تمثل شفافية النظام ميزة كبيرة في الفهم والثقة مقارنة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى.
النظام قيد الاستخدام في عدة مؤسسات طبية، مع استمرار التوسع والتجارب التطبيقية.
بين أول زيارة لطبيب، وثالث إحالة لمستشفى مختلف، قد تمر سنوات قبل أن يسمع مريض بمرض نادر اسماً دقيقاً لحالته. ليس لندرة الأعراض فقط، بل لتشتتها وتشابهها مع عشرات الحالات الأخرى. هذه الفجوة الزمنية القاسية هي ما تحاول أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم تقليصه، وآخرها نظام صيني يحمل اسم DeepRare، نُشرت نتائجه هذا الأسبوع في مجلة Nature، ليضع تشخيص الأمراض النادرة في قلب نقاش جديد حول دور الخوارزميات في الرعاية الصحية.
خوارزمية تفكر مثل طبيب
DeepRare ليس مجرد نموذج يطابق الأعراض مع قاعدة بيانات ضخمة. الفريق المطوّر من جامعة شنغهاي جياو تونغ ومستشفى شينخوا اعتمد ما وصفوه بسير عمل وكيلي، أي أن النظام يُكوّن فرضيات أولية، يختبرها مقابل الأدلة السريرية، ثم يعيد ترتيب احتمالاته قبل تقديم التشخيص الأكثر ترجيحاً. هذا الأسلوب يُقارب طريقة التفكير السريري التقليدية: اشتباه، اختبار، مراجعة.
النتائج الرقمية لافتة. باستخدام المعلومات السريرية فقط، حقق النظام دقة في التشخيص الأول بنسبة 57.18 في المئة، متفوقاً بفارق ملحوظ على أقرب الأدوات المنافسة. وعند إضافة بيانات التسلسل الجيني، ارتفعت الدقة إلى 70.6 في المئة في الحالات المعقدة، مقارنة بـ 53.2 في المئة لأداة Exomiser المعروفة دولياً في تحليل الطفرات.
شفافية في مواجهة الصندوق الأسود
أكثر ما ميّز الدراسة ليس نسبة الدقة فقط، بل قدرة النظام على توليد سلاسل تفسير واضحة. وفقاً للتقرير المنشور في Nature، بلغ توافق الخبراء مع منطق الاستدلال الذي يعرضه النظام 95.4 في المئة. في مجال طالما وُصف بأن خوارزمياته تعمل كصندوق أسود، تمثل قابلية التفسير هذه تحوّلاً مهماً.
الثقة في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تُبنى على النتائج وحدها، بل على فهم كيف وصل إليها.
إمكانية تتبع خطوات التفكير تمنح الأطباء أداة دعم قرار لا بديلاً عنهم، وتُسهّل دمج النظام داخل بيئة المستشفى دون صدام مهني أو قانوني مباشر.
مشكلة عالمية بأرقام مؤلمة
الحاجة إلى مثل هذه الأنظمة ليست نظرية. استطلاع أجرته China Alliance for Rare Diseases على أكثر من 20 ألف مريض أظهر أن 42 في المئة تعرضوا لتشخيص خاطئ سابق، وأن متوسط الانتظار للحصول على تشخيص مؤكد بلغ 4.26 سنوات. في أوروبا، تشير بيانات منشورة إلى متوسط يقارب 4.7 سنوات، مع أكثر من نصف المرضى يتأخر تشخيصهم لأكثر من ستة أشهر بعد طلب المساعدة الطبية.
- تعدد الإحالات بين التخصصات يرفع التكلفة ويستنزف المريض نفسياً.
- التشخيص المتأخر يعني غالباً تأخر التدخل العلاجي أو الوقائي.
إذا استطاعت أدوات التحليل الخوارزمي تقليص هذه السنوات إلى أشهر، فالأثر لن يكون تقنياً فحسب، بل إنسانياً واقتصادياً أيضاً.
انتشار سريع وأسئلة تنظيمية
تم نشر DeepRare على منصة تشخيص إلكترونية منذ يوليو 2025، مع تسجيل أكثر من 600 مؤسسة طبية حول العالم، ويخضع حالياً لاختبارات داخلية في مستشفى شينخوا قبل اعتماده رسمياً في مراقبة جودة تشخيص الأمراض النادرة. هذا التوسع يتزامن مع اندفاعة أوسع لدمج الذكاء الاصطناعي في السجلات الصحية وأنظمة دعم القرار السريري.
لكن التسارع التقني يسبق أحياناً الإطار التنظيمي. تقارير حديثة في Nature Digital Medicine أشارت إلى أن حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي ما تزال غير مكتملة، رغم وجود أكثر من 1240 جهازاً طبياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي حاصلاً على موافقة الجهات التنظيمية. كما أن فجوة التبني بين المراكز الحضرية والمناطق الريفية ما تزال واضحة، ما يعكس أن التكنولوجيا وحدها لا تحل اختلال البنية الصحية.
من أداة مساعدة إلى بنية تحتية ذكية
DeepRare يمثل خطوة في مسار أوسع: تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة استشارة جانبية إلى طبقة ذكية مدمجة في نسيج النظام الصحي. نجاحه أو فشله لن يتحدد فقط بالأرقام المنشورة في دراسة أكاديمية، بل بقدرته على العمل داخل ضغوط العيادات اليومية، واحترام خصوصية البيانات الجينية، وتعزيز خبرة الطبيب لا إضعافها.
تشخيص مرض نادر بدقة أعلى ليس خبراً تقنياً فحسب، بل اختباراً عملياً لفكرة أن الخوارزميات يمكن أن تضيف طبقة ثانية من التفكير في اللحظات التي يعجز فيها الزمن أو الموارد عن ذلك. وربما تكون القيمة الحقيقية هنا ليست في استبدال الحدس السريري، بل في منحه شريكاً رقمياً لا يملّ من البحث بين آلاف الاحتمالات.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.









