LEAP26

صيدلية حية داخل جسمك تعطي 3 أدوية دفعة واحدة

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

تطوير زرعة حيوية في جامعة نورث وسترن لإنتاج أدوية مختلفة داخل الجسم لمدة شهر.

يعتمد نظام HOBIT على خلايا مهندسة وبرمجة لتفعيل مسارات علاجية متعددة.

حلاً لمشكلة نقص الأكسجين، يُنتج الجهاز الأكسجين محلياً لدعم بقاء الخلايا.

تمت تجربة الزرعة على الحيوانات دون مضاعفات خطرة، مما يبشر بإمكانات مستقبلية.

يقترح دمج خلايا منتجة للإنسولين كخيار مستقبلي لمرضى السكري المعتمدين على الحقن.

فكرة أن يتحول الجسد نفسه إلى صيدلية تبدو أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الممارسة الطبية اليومية. لكن بالنسبة للملايين الذين يعيشون على جدول حقن يومي أو جرعات متكررة، فإن أي بديل يخفف هذا العبء ليس مجرد رفاهية، بل تغيير في شكل الحياة. هذا تحديداً ما تحاول جامعة نورث وسترن الاقتراب منه عبر تطوير زرعة حيوية قادرة على إنتاج ثلاثة أدوية مختلفة داخل الجسم ولمدة شهر كامل.


زرعة بحجم علكة… بوظيفة صيدلية

النظام الذي يحمل اسم HOBIT هو جهاز لاسلكي صغير يُزرع تحت الجلد، ويحتوي على خلايا مهندسة وراثياً تنتج مركبات علاجية عند الحاجة. الجديد هنا ليس مجرد وجود خلايا تفرز دواءً، بل القدرة على تشغيل أكثر من مسار علاجي في الوقت ذاته، من خلال منصة واحدة قابلة للبرمجة.

التجارب المخبرية أظهرت أن الجهاز استطاع إنتاج ثلاثة أنواع من العلاجات الحيوية بالتوازي: أجسام مضادة مضادة لفيروس HIV، وهرمون اللبتين المنظم للشهية، ودواء إكسيناتيد المستخدم في علاج السكري من النوع الثاني. هذه التركيبة بحد ذاتها تعكس طموحاً يتجاوز مرضاً واحداً نحو مفهوم علاج متعدد الوظائف.


حل مشكلة قاتلة للخلايا المزروعة

العائق التقليدي أمام تقنيات توصيل الدواء المعتمدة على الخلايا هو نقص الأكسجين. الخلايا المزروعة تموت سريعاً داخل الأنسجة بسبب بيئة منخفضة الأكسجين، ما يحد من فعاليتها إلى أيام قليلة. فريق البحث عالج هذه المشكلة بطريقة هندسية ذكية: توليد الأكسجين داخلياً.

يعتمد الجهاز على محفز من أكسيد الإيريديوم يعمل بالكهرباء لتقسيم جزيئات الماء داخل الجسم وإنتاج الأكسجين محلياً. النتيجة كانت قفزة في بقاء الخلايا إلى نحو 65% مقارنة بحوالي 20% فقط في الأنظمة التقليدية غير المؤكسجة، مع إمكانية مضاعفة كثافة الخلايا ست مرات تقريباً. عملياً، هذا أشبه بنظام دعم حياة مصغر يحافظ على “المصنع الدوائي” حياً ونشطاً.


إنتاج مستمر بدلاً من جرعات متقطعة

من أبرز دلالات التجربة أن الجهاز حافظ على مستويات مستقرة من دواء إكسيناتيد طوال مدة الدراسة، رغم أن عمره النصفي في الجسم لا يتجاوز ساعتين ونصف تقريباً. هذا يفتح الباب أمام نمط علاجي يعتمد على الإفراز المستمر بدلاً من الجرعات المتقطعة التي تفرضها الأقراص أو الحقن.

  • تقليل مشكلة نسيان الجرعات.
  • استقرار أفضل في مستويات الدواء داخل الدم.
  • إمكانية تخصيص الجرعات برمجياً من دون تدخل جراحي جديد.

بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة، يصبح الالتزام العلاجي جزءاً مرهقاً من الحياة اليومية. تحويل هذه المهمة إلى نظام داخلي يعمل على مدار الساعة يغيّر طبيعة العلاقة بين المريض وعلاجه.


اختبار على الرئيسيات وإشارات أمان أولية

في تجربة منفصلة على قرد مكاك يبلغ سبع سنوات، تم اختبار زرع الجهاز وإزالته من دون تسجيل مضاعفات خطرة أو استجابة مناعية شديدة. هذه الخطوة لا تعني اقتراب الاستخدام البشري، لكنها مؤشر مهم إلى أن المنصة البيولوجية-الإلكترونية يمكن أن تعمل بتكامل مقبول داخل كائن حي معقد.


هذا العمل يبرز الإمكانات الواسعة لمنصة حيوية هجينة متكاملة لعلاج الأمراض، بحسب الباحث الرئيسي جوناثان ريفناي.

العنصر اللاسلكي في النظام يسمح بالتحكم الخارجي وضبط الأداء، مع عزل الخلايا عن الجهاز المناعي، وهي نقطة محورية في أي تقنية تعتمد على زرع خلايا معدّلة.


إلى أين يمكن أن يصل هذا النموذج؟

التوسع المقترح يشمل إدماج خلايا منتجة للإنسولين، ما يجعل التقنية مرشحة لأن تكون خياراً مستقبلياً لمرضى السكري الذين يعتمدون على الحقن اليومية. كما أن قابلية إنتاج مركبات بيولوجية مختلفة تفتح المجال لعلاج حالات تتطلب مزيجاً دوائياً معقداً أو علاجاً طويل الأمد.

ذو صلة

رغم أن التجارب السريرية البشرية ما تزال بعيدة، فإن الفكرة بحد ذاتها تكشف تحولاً في منطق الرعاية الصحية: من إيصال الدواء إلى الجسم، إلى تحويل الجسم نفسه إلى منصة إنتاج مضبوطة. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد يصبح السؤال مستقبلاً ليس عن عدد الحبوب التي نتناولها يومياً، بل عن عدد “الأنظمة الحيوية” التي نزرعها لتعمل بصمت داخلنا.

بين الهندسة الحيوية والإلكترونيات الطبية يتشكل مسار جديد للرعاية المستمرة، مسار يقلل الاحتكاك اليومي بالعلاج ويجعل التقنية أكثر اندماجاً في الجسد. وما يبدو اليوم تجربة بحثية قد يرسم لاحقاً ملامح طب يعتمد على الخلايا والدوائر الكهربائية معاً.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة