0

في أواخر ثمانينات القرن الماضي كان هناك صراع فكري بين فريقين من الجغرافيين، على الجهة اليسرى، كان الجغرافيون الكميون “Quantitative Geographers” متحمسون إلى حد كبير لظهور أنظمة “Geographic Information Systems (GIS)” والتي خرجت من رحمها خرائط جوجل لاحقًا.

مبدأ عمل أنظمة “Geographic Information Systems (GIS)”

وعلي الجانب الأيمن، كان الجغرافيون النظريون “Theoretical Geographers” قلقون للغاية بشأن الأنظمة المشابهة لـ GIS؛ لأنها كانت من وجهة نظرهم بداية لاختراق خصوصية المستخدمين، بل وسارعوا إلى التأكيد على حق الناس في الحفاظ على خصوصية أماكن تواجدهم.

لا شك أن أنظمة الملاحة والـ GPS -أو كما تعرف بـ “Global Positioning System” أثناء هذا الصراع كانت بدائية للغاية مقارنة بما هو موجود الآن؛ إلا أنها كانت كافية لكي يطلقوا ناقوس الخطر بشأن هذه الأنظمة منذ عقود.

وحتى الآن ما زالت قضايا الخصوصية على الإنترنت تمثل إشكالية وقلق لأغلب المستخدمين، وأحد أهم أركان هذه الخصوصية هي خصوصية موقعك الجغرافي. فلماذا تعتبر أمرًا هامًا لهذه الدرجة؟

عمالقة شركات التقنية يرغبون حقًا في تتبع موقعك الجغرافي، فهل تسمح لهم؟

أبل، جوجل، فيس بوك وغيرها من الشركات التقنية الكبرى تتبع موقعك الجغرافي بشكل مستمر تحت مسمى “سياسة الشروط والأحكام”، فشركة أبل على سبيل المثال أطلقت نسخة محدثة من سياسة الخصوصية الخاصة بها، وأضافت فقرة تشير إلى أنه بمجرد موافقة المستخدمين على هذه السياسة، يجوز لشركة أبل و “الشركاء والمرخّص لهم” غير المحددين في الاتفاقية جمع بيانات موقع المستخدم وتخزينها!

فعندما يحاول مستخدمو التفاحة الشهيرة تنزيل تطبيقات من متجر أبل، تتم مطالبتهم بالموافقة على الشروط والأحكام الجديدة. إلى أن يوافقوا، لا يمكنهم تنزيل أي شيء عبر المتجر.

ليست أبل وحدها من يقوم بذلك بالطبع، فإذا نظرنا إلى فيس بوك سنجد أن تصنيفها هو الأسوأ طبقا لمسألة حماية خصوصية مستخدميها. حيث أنها لا تتبع مستخدميها على صفحتها فحسب؛ بل وتقوم باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوكياتهم دون موافقتهم المسبقة. ويعتبر موقعك الجغرافي من ضمن هذه المعلومات التي تقوم فيس بوك بجمعها عنك بالطبع.

في الواقع، فإنه يتم تتبع هاتفك من قبل العشرات من الشركات والوكالات وكل هذا قانوني تمامًا؛ لأنك منحتهم الإذن بأخذ هذه البيانات منك عند تنزيل تطبيقهم ووافقت ضِمْنِيًّا (أو صراحةً) على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بهم دون قراءتها.

حسنًا. هل تتساءل ما المشكلة في ذلك؟ ما الذي يمكن أن يحدث إذا منحت الإذن لهذه المواقع لتتبع موقعي الجغرافي؟ حياتي الشخصية ليس بها الكثير لتهتم بها هذه الشركات العملاقة في الأساس.

لماذا يجب أن أهتم بتتبعي ما دمت لست مطلوبًا للعدالة؟

هناك نظرية لطيفة اسمها “nothing to hide” أو لا شيء لأخفيه تشير إلى أن “الأفراد ليس لديهم سبب للخوف أو معارضة برامج المراقبة، إلا إذا كانوا خائفين من أن تكشف عن أنشطتهم غير المشروعة.” حسنًا دعني أخبرك أن هذه النظرية مضللة تمامًا.

بل ودعني أطرح عليك سؤالًا عكسيًا: لماذا تولي الشركات الكبرى اهتمامًا كبيرًا بهذا “اللاشيء في حياتي”؟ لماذا ينفقون الملايين في الأصل لجمع بيانات عن حياتي المملة؟

تجربة نيويورك تايمز الاجتماعية الصادمة:

قامت صحيفة نيويورك تايمز New York Times بتجربة اجتماعية للكشف عن حجم الأضرار الحاصلة من انتهاك خصوصية المستخدمين الجغرافية. حينما تعقبت الهوية الخاصة بالسيدة ماجرين وهي صحفية تعمل بالجريدة؛ لمعرفة مقدار كم تفاصيل المعلومات الشخصية التي يمكن الوصول إليها من خلال فحص بيانات الموقع الجغرافي التي تم جمعها بواسطة هاتفها الذكي.

ذكرت الصحيفة أنه تم الاستعانة بأحد خبراء التقنية الذي استخدم تطبيق معين تم تثبيته على هاتف السيدة ماجرين يحاكي تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث يقوم باستخلاص معلومات مهمة بناءً على بيانات الموقع الجغرافي GPS التي يتم الحصول عليها من الهاتف.

تمكنت الصحيفة من تتبع حركة ماجرين على مدار اليوم، حيث لاحظ التطبيق ماجرين أثناء ذهابها إلى اجتماع بالجريدة في الصباح، وإلى مكتب طبيب الأمراض الجلدية الخاص بها لإجراء عملية بسيطة بعد الظهر. وأعقب ذلك مشيتها مع كلبها والمكوث في منزل والديها مساء، وهي معلومات تسببت في انزعاج ماجرين لمعرفتها والتنصت على حياتها الشخصية بهذا الشكل.

مثال آخر سريع ومشهور عندما نشر Strava، وهو تطبيق لتتبع اللياقة البدنية، خريطة حرارية لمستخدميه في جميع أنحاء العالم، مع إبراز مسارات تمرين المستخدمين الفرديين.

الخريطة الحرارية التي نشرها تطبيق Strava

لسوء حظ الإدارة الأمريكية والتطبيق معًا، فقد كشفت خريطة الحرارة عن أنشطة الجنود الأمريكيين الذين كانوا يمارسون التدريبات في قواعد سرية في الشرق الأوسط ممّا أدى إلى فضح أماكن هذه القواعد العسكرية السرية أو التي كانت سرية فيما سبق.

ما هي المخاوف من انتهاك خصوصية الموقع الجغرافي؟

خدمات تحديد الموقع GPS في حد ذاتها ليست المشكلة. إنما المعلومات التي يتم جمعها والمنظمات التي تجمع البيانات وتخزّنها هي التي قد تكون مدعاة للقلق. هذا القلق بشأن الخصوصية وإساءة استخدام هذه البيانات هو ما يثير قلق بعض الناس. بالإضافة إلى ظهور فكرة الإعلان السياقي “Contextual advertising” على وسائل التواصل الاجتماعي والذي تقوم فكرته على استغلال موقع المستخدم، دون موافقته؛ لتقديم إعلانات للمنتجات والخدمات المتاحة بالقرب من موقعه الجغرافي.

ليست الإعلانات السياقية وحدها ما يثير المخاوف من انتهاك الخصوصية الجغرافية؛ ولكن أيضًا على سبيل المثال تحديد سمات وسلوكيات المستخدم “user behaviors” وتتبعها، عندما يمكن استخدام موقع المستخدم لاستنتاج معلومات حساسة أخرى، مثل الحالة الصحية أو العادات الشخصية أو الواجبات المهنية، من خلال ربط الأماكن أو المسارات التي قمت بزيارتها بسلوكك.

بل ودعني أخبرك أنه من خلال بيانات موقعك الجغرافي يمكن لأي شركة وباستخدام بعض الخوارزميات المعقدة أن تقوم باستخلاص البيانات التالية عنك:

  • أين تنام، وبالتالي أين تعيش.
  • مستوى دخلك، بناءً على المكان الذي تعيش فيه.
  • أين مكان عملك، وما نوع الأعمال التي تقوم بها.
  • الطريق الذي تسلكه إلى العمل.
  • إذا كنت تذهب إلى صالة الألعاب الرياضية بانتظام.
  • عندما تأخذ إجازة، ومكان إقامتك.

تخيل كم الإعلانات التي ستظهر لك كل لحظة على هاتفك بناءً على هذه المعلومات! هل اقتنعت الآن أن شركات التسويق على استعداد تام لدفع الملايين لمواقع التواصل الاجتماعي لشراء هذا “اللاشيء في حياتك”؟ في الواقع، فمن المتوقع أن تصل مبيعات إعلانات المحمول المستهدفة جُغْرَافِيًّا إلى 38.7 مليار دولار بحلول عام 2022.

حتى وإن أغلقت نظام تحديد المواقع GPS، فسيظل موقعك الجغرافي مكشوفًا:

إذا كنت تعتقد أنه يمكنك حماية خصوصية موقعك الجغرافي ببساطة عن طريق إيقاف تشغيل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على جهازك، فدعني أخبرك بكل أسف أنها طريقه ليست كافية.

لأنه على الرغم من أن الهواتف المحمولة تسمح لك بتعطيل تحديد الموقع الجغرافي. إلا أنه يوجد تقنية معروفة باسم “Wi-Fi triangulationوهي موجودة في جميع الهواتف الذكية العاملة بنظامي أبل وأندرويد، حيث تسمح هذه التقنية بتحديد موقعك الجغرافي وعنوان MAC الخاص بك من خلال جهاز الراوتر “Wi-Fi routers” المتصل به هاتفك.

فعندما تكتشف الهواتف التي تعمل بنظام التشغيل أندرويد أي شبكة لاسلكية، تقوم فورًا بإرسال عنوان MAC الخاص بها بالإضافة لقوة الإشارة وإحداثيات GPS إلى خوادم جوجل عدة مرات في الساعة، مربوط برقم ID مميز لهاتفك.

router_coords

ليس فقط معرفة موقع هاتفك، بل وموقع جهاز الراوتر المتصل به:

تعرضت جوجل للمساءلة القانونية سابقًا لقيامها بجمع بيانات عن شبكات الواي فاي باستخدام سياراتها الخاصة بمشروع street view، وتم الحكم على الشركة أنها مذنبة، لتقوم في أكتوبر من العام الماضي، بالتصريح علنًا أنها ستعتمد على أجهزة أندرويد لتكون بديلًا للحصول على هذه المعلومات!

سيارات جوجل Street View

لا شيء يتم دون موافقة المستخدم، حسب تصريحات جوجل:

أصدرت المتحدثة باسم جوجل بيانًا جاء فيما معناه:

“مشاركة المواقع على أندرويد تأتي بموافقة المستخدم أولًا؛ حيث أن نظام التشغيل يرسل للمستخدمين إشعارًا لمنح صلاحيات جمع مشاركة واستخدام الموقع من أجل توفير تجربة تجوال أفضل على أجهزة أندرويد. بينما أي بيانات أخرى للموقع يتم إرسالها إلى خوادم جوجل تكون مجهولة المصدر ولا يتم تقييدها أو تتبعها لمستخدم معين” .

بالطبع، لا تعلن جوجل أو فيس بوك عن أي شيء حول سياسات جمع البيانات هذه، تمامًا كما لا تفصح أبل كثيرًا عن التخزين المؤقت للموقع الجغرافي لمستخدمي iPhone و iPad.

ما الذي يمكنك فعله للحفاظ على بيانات موقعك الجغرافي آمنة؟

بمجرد مشاركة موقعك مع الشركات والتطبيقات على هاتفك، لا توجد طريقة لاستعادة هذه المعلومات؛ ولكن يمكنك منع مشاركة موقعك في المستقبل. وكما أشرنا من قبل فإنه لا يكفي أن تقوم بإيقاف خدمة GPS على هاتفك أو على متصفحات الإنترنت علي حاسبك بل يجب عليك اتباع هذه النصائح متى كنت متصلًا بالإنترنت؛ لمحاولة تقليل فرص الكشف عن موقعك:

1- إيقاف خدمة تحديد الموقع GPS:

طريقة إيقاف خدمة تحديد الموقع GPS على هاتفك الأندرويد
أحد الأشياء التي يسهل القيام بها هو إيقاف خاصية تحديد الموقع على هاتفك الذكي، هذا سيقوم بمنع الـ GPS الموجود في عتاد جهازك من تحديد موقعك نهائيًا، طبعًا يمكنك ببساطة إيقافه من نافذة الاختصارات ولمس ذلك الدبوس الذي يرمز لخدمة تحديد الموقع ليتم إيقافه أو عن طريق الذهاب للإعدادات وإتباع الخطوات الموجودة في الصورة المرفقة.

2- إزالة النشاط التاريخي المخزن على جهازك:

من المتصفح على حاسوبك الشخصي قم بتسجيل الدخول إلى حساب جوجل ثم أتبع الخطوات الآتية:
1- توجه إلى حسابك
توجه إلى حسابك في جوجل – رابط

2- قم باختيار “Manage Your Data and Personalization”

clear-stored-history
اختيار “Manage your data & Personalization”

3- قم باختيار Location History ومن ثم إلغاء التفعيل

اختيار “Location History”

الآن توجه إلى اختيار “Timeline” من “Data and Personalization” لتصل إلى السجل المذهل المتمثل في خريطة لجميع المواقع التي قامت جوجل بتوقيعك فيها.

Timeline
اختيار “Timeline”

يمكنك بالطبع مسح هذه البيانات عن طريق التوجه للقائمة السفلية واختيار “Delete all Location History”:

Delete all Location History
اختيار Delete all Location History

3- إلغاء الاشتراك في تخصيص الإعلانات Ad ID علي هاتفك:


غالبًا ما يتم ربط نشاطك عبر الإنترنت مع بيانات موقعك وتعقبها معًا باستخدام معرف إعلانات الهاتف المحمول الخاص بك “Ad ID”، وهو رقم فريد يتم إنشاؤه بواسطة هاتفك وإرساله إلى المعلنين وصانعي التطبيقات.

فإذا كنت تبحث عن منع الإعلانات المستهدفة على جهاز الأندرويد الخاص بك، فكل ما عليك فعله هو إلغاء الاشتراك في تخصيص الإعلانات، بحيث لا يتم استخدام معرف الإعلان الفريد الخاص بك لمساعدة الخدمات في استهدافك. يمكنك إيقاف هذا الأمر عن طريق اتباع الخطوات الموضحة في الـ GIF المرفق والتي تتمثل في الذهاب إلى الإعدادات ← جوجل ← الإعلانات Ads ← إيقاف “Opt out of Ads Personalization”

disable-Location-based-iAds

أما إذا كنت تستخدم جهاز أبل، ولا ترغب في إيقاف تشغيل الخدمات القائمة على الموقع تمامًا (كي لا تعطل تشغيل خاصية find my iPhone على سبيل المثال)، فيمكنك على الأقل إيقاف خاصية الإعلانات القائمة على الموقع “Location Based Ads” عن طريق الذهاب إلى الإعدادات ← الخصوصية – Privacy← خدمات المكان – Location Services ← اسحب لأسفل لتصل لـ خدمات النظام – System Services ← تعطيل “LocationBased Ads”.

4- استخدام أحد خدمات VPN لحجب بيانات موقعك الحالي:


بالرغم من أن الـ VPN لا تحجب بالضرورة بيانات GPS الخاصة بك، إلا أنها تحظر ملفات تعريف الارتباط وتخفي عنوان IP الحقيقي الخاص بك، وهي طريقة أخرى تراقبك هذه الشركات من خلالها، وحجبك لها ستكون وسيلة فعالة للحفاظ على خصوصيتك.

5- استخدم محركات البحث بديلة عن جوجل مثل DuckDuckGo:

بالطبع نستخدم جميعنا محرك البحث الشهير جوجل، والذي من المؤكد أنه يجمع معلومات ضخمة عنك، حيث أشارت التقارير إلى أن كل عملية بحث تقوم بها يتم تخزينها من قبل جوجل، هذا يفسر لماذا نتفاجأ دائمًا بدقة توقع محرك البحث لما سنقوم بكتابته. هذا قد يشمل أيضًا موقعك الجغرافي حيث يطلب منك المحرك السماح بإعطائه صلاحيات تحديد المكان.

يمكنك الاستمرار في رفض إعطائه تلك الصلاحيات أو التوجه لمحرك بحث DuckDuckGo، وهو اختيار بديل آمن تمامًا لا يقوم بتخزين بياناتك أو محاولة تحديد موقعك الجغرافي بأي شكلٍ كان.

الخلاصة، لهذا يجب أن تهتم لخصوصية موقعك الجغرافي:

 

لقد تعلمنا أن هناك العديد من الطرق التي ستحاول بها الشركات والحكومات أخذ واستخدام بيانات موقعك الجغرافي بالإضافة إلى معلومات مهمة أخرى حول حياتك.

والأهم من ذلك، نحن نعلم أن الطريقة التي تجني بها هذه الشركات معظم أموالها هي من خلال توفير برامج مجانية لك على أمل أن تتمكن من الحصول على تحليلات منها، والتي ستبيعها بعد ذلك لمن يدفع أعلى سعر.

فما عليك إلا أن تكون مستعدًا لتأمين خصوصية موقعك الجغرافي في ساحة المعركة الرقمية ومنعهم من الحصول على معلوماتك الشخصية قدر الإمكان. دمتم آمنين ودام موقعكم الجغرافي في أمان!

0

شاركنا رأيك حول "لماذا يجب عليك الاهتمام بخصوصية موقعك الجغرافي؟ قد يكون الأمر أخطر ممّا تتخيل!"