مصر تكشف عن “كرنك”… منافس عربي يهدد سيطرة ChatGPT
أعلنت مصر إطلاق نموذجها اللغوي العربي الضخم «كرنك» لتعزيز السيادة الرقمية.
يساهم «كرنك» في تقليل الاعتماد على المنصات الأجنبية وحماية البيانات الحساسة.
نموذج IMPACT يهدف لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة ملموسة للمواطن.
ظهرت ثمار «كرنك» في التعليم والقانون بتطبيقات كـ«سيا» للإرشاد الذكي.
يمتد الطموح إلى القطاع الصحي بتحليل بيانات مصرية للرعاية الصحية المتقدمة.
حين تتحدث الدول عن الذكاء الاصطناعي اليوم، فهي لا تتحدث عن خوارزميات فحسب، بل عن نفوذ ومعرفة وقدرة على حماية لغتها وهويتها الرقمية. في هذا السياق أعلنت مصر إطلاق نموذجها اللغوي العربي الضخم «كرنك»، خطوة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في عمقها تمس مفهوم السيادة الرقمية وبناء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي.
نموذج لغوي بحجم دولة
بحسب ما أُعلن خلال قمة AI Everything، يأتي «كرنك» ضمن فئتي 30–40 مليار و70–80 مليار معامل، ليصنَّف بين أعلى نماذج اللغة العربية من حيث الحجم والتعقيد. هذه الأرقام ليست استعراضاً تقنياً، بل تعكس قدرة النموذج على فهم السياق، وتحليل النصوص، وتوليد محتوى أكثر دقة، خاصة في اللغة العربية بثرائها النحوي وتنوع لهجاتها.
امتلاك نموذج لغوي ضخم محلياً يعني تقليل الاعتماد على منصات أجنبية، وضمان بقاء البيانات الحساسة داخل الحدود السيادية. كما يفتح الباب أمام تخصيص التطبيقات وفق احتياجات السوق المحلي، سواء في التعليم أو الخدمات الحكومية أو القطاع المالي.
منصة IMPACT: إطار يتجاوز البنية التقنية
طرحت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات إطاراً يحمل اسم IMPACT، وهو تصور متعدد الطبقات لنقل الذكاء الاصطناعي من كونه بنية تحتية إلى قيمة ملموسة للمواطن. الفكرة هنا ليست تطوير نموذج لغوي فحسب، بل دمجه في دورة حياة الخدمة الرقمية.
التركيز على المعنى قبل التقنية، كما ورد في عرض الإطار، يعكس تحولاً لافتاً: التطبيقات يجب أن تنطلق من احتياجات فعلية، لا من قدرات تقنية تبحث عن استخدام. هذا التحول يعيد تعريف كيفية تصميم الحلول الرقمية، ويقرّب الذكاء الاصطناعي من الواقع اليومي.
التعليم والخدمات أول المختبرات
أولى ثمار «كرنك» ظهرت في تطبيقين رئيسيين: معلم ذكي باسم «سيا» لدعم طلاب المرحلة الثانوية في اللغة العربية والتاريخ، ونظام إرشاد قانوني يساعد الأفراد والشركات الصغيرة على فهم البيئة التشريعية. اختيار التعليم والقانون ليس عفوياً؛ فهما مجالان يعتمد فيهما الفهم اللغوي الدقيق على السياق والمعرفة المحلية.
- تحسين جودة المحتوى التعليمي المخصص لكل طالب.
- تسهيل الوصول إلى المعلومات القانونية بلغة مبسطة.
- تقليل الضغط على مراكز الدعم الحكومية.
إذا نجحت هذه التطبيقات في تقديم تجربة موثوقة، فقد يتحول النموذج من مشروع وطني إلى منصة تشغيلية تمس حياة الملايين.
الصحة والخدمات الحكومية تحت المجهر
يمتد الطموح إلى القطاع الصحي عبر نماذج مدربة محلياً للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري وسرطان الثدي، بالاعتماد على بيانات مصرية. هذه النقطة تحديداً تعالج فجوة طالما عانت منها الأنظمة الصحية في المنطقة، حيث كانت النماذج العالمية تُدرَّب غالباً على بيانات لا تمثل التنوع الجيني والبيئي العربي.
في الوقت نفسه، يجري دمج تقنيات معالجة اللغة الطبيعية داخل منصة «مصر الرقمية» لمراجعة مكالمات المواطنين وتحسين جودة الخدمة. هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة رقابية وتحليلية تعزز الشفافية وتساعد في اكتشاف الأخطاء مبكراً.
استثمار في الكفاءات لا في الخوارزميات فقط
إطلاق تطبيقات مثل «ترجمان» و«بالمصري» و«لغات» يعكس توجهاً لبناء منظومة كاملة، من الترجمة الآلية إلى دعم اللهجة المحلية وتعليم الإنجليزية عبر نماذج لغوية ضخمة. التركيز على رأس المال البشري يوازي التركيز على البنية التقنية، لأن أي استراتيجية ذكاء اصطناعي بلا كفاءات مدربة ستظل عرضة للاعتماد الخارجي.
تقدم مصر في مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي، كما أُشير، يرتبط بهذا المزج بين الاستثمار في المواهب الرقمية وتطوير التطبيقات السيادية القابلة للتوسع إقليمياً.
إطلاق «كرنك» لا يعني أن الطريق أصبح ممهداً بالكامل، فبناء نموذج لغوي وطني هو بداية سباق طويل في الحوكمة والأمان وجودة البيانات. لكن ما يتضح اليوم أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية في يد الحكومات، بل أصبح جزءاً من سردية الهوية الرقمية، ومن يحسن بناءه محلياً يحدد مكانه في خريطة الاقتصاد المعرفي القادم.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.










