نجيب جرار: راهنتُ بمستقبل جوجل على الذكاء الاصطناعي الناطق بالعربية

5 د
يراهن نجيب جرار على ذكاء اصطناعي “مفيد فعلًا” بالعربية لا مترجمًا فقط.
يؤكد أن التوطين “قرار تصميمي مبكر” يصنع شعور المنتج بأنه “أليف”.
غيّر النبرة التسويقية لأن الناس يريدون أن “يشعروا بأن المنتج يراهم”.
لا يموّل ما لا يرتبط بسلوك واضح لمستخدم في الرياض أو القاهرة.
يعتمد قاعدة: اقتناع بالاتجاه وتشكيك دائم في الافتراضات بالبيانات.
في سوق تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يراهن نجيب جرار على متغير مختلف: أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيدًا فعلًا باللغة العربية، لا مجرد نسخة مترجمة. بعد 15 عامًا داخل Google شهد خلالها انتقال المنطقة من بضعة ملايين من مستخدمي الإنترنت إلى أكثر من 300 مليون مستخدم، يرى أن نقطة التحول جاءت حين صار المنتج “أليفًا” للناس. اليوم، يكرر الرهان نفسه، لكن في طبقة أعمق من التقنية. في هذا الحوار، يشرح منطق قراراته: ماذا يموّل وما يرفضه، كيف يختبر الفرضيات، ولماذا غيّر خطأ واحد قاعدته التشغيلية.
نجيب جرار هو مدير تنفيذي في Google قاد جهود الشركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر Search وMaps وYouTube وAds وPlay وAssistant، وله خلفية هندسية وقاد بناء الحضور التسويقي الإقليمي للشركة.
الرهان على المنحنى التالي للنمو
إذا كان عليك اختيار رهان واحد يمكن أن يغيّر منحنى النمو في المنطقة اليوم، فما هو؟ ولماذا الآن؟
رهاني الأكبر حاليًا هو أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيدًا فعلًا باللغة العربية، لا أن يعمل تقنيًا فقط. رأيت هذا النمط من قبل. عندما انضممت إلى Google في 2008، كان عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة يُعدّ بالملايين القليلة. اليوم نتحدث عن أكثر من 300 مليون مستخدم. ما غيّر المنحنى لم يكن توفر التقنية وحده، بل عندما توقفت عن أن تبدو مستوردة وبدأت تتحدث بلغة الناس وعلى شروطهم.
الأمر نفسه ينطبق على منتجات مثل Gemini. إذا كانت مجرد ترجمة، فلن تحرك المؤشر في المنطقة. القرار هنا تصميمي مبكر: نبني التجربة من الأساس لمتحدثي العربية، أم نضيف طبقة تعريب في النهاية؟ الخيار الثاني أسهل داخليًا، لكنه يكلّفك التبني لاحقًا. تعلّمنا أن الإحساس بأن المنتج “لك” هو ما يفتح الاستخدام المتكرر، وهذا ما يقود النمو.
التوطين كقرار تصميمي مبكر
قدت جهودًا إقليمية عبر منتجات عدة. ما المشروع الذي تفخر به أكثر، ولماذا؟
قد يبدو غريبًا، لكن ما أفخر به ليس اسم منتج محدد، بل جعل العربية لغة من الدرجة الأولى داخل الشركة. خلفيتي الهندسية ساعدتني في النقاشات الداخلية؛ كنت أجادل من منطلق معماري. التوطين قرار تصميمي، وليس خطوة أخيرة.
ما كثير من الفرق لا تراه هو التوقيت. إن انتظرت للنهاية، فأنت تضيف طبقة ترجمة يشعر المستخدم فورًا بأنها ليست أصيلة. لحظة التأثير تكون مبكرًا، حين تكون المفاضلات لا تزال مرنة. إن فاتتك، ستقضي وقتك تعوّض. بالنسبة لي، التحول الحقيقي كان في طريقة التفكير: كيف ننظر إلى المنطقة عند بناء النظام، لا بعد اكتماله.
بين حل المشكلة و”الشعور بأنك مرئي”
هل لديك مثال ملموس على كيف غيّر الاستماع للمستخدمين خطتكم؟
نعم، وكان التغيير في النبرة أكثر منه في المزايا. اكتشفنا أن الناس لا يريدون معلومة فقط، بل يريدون أن يشعروا بأن المنتج يراهم. كنا نحل المشكلة الوظيفية الصحيحة، لكن بنبرة لا تعكس هذا الإدراك.
لم نعدّل المنتج تقنيًا. بقي كما هو. الذي تغيّر هو الطريقة التي يتحدث بها. هذا القرار أعاد صياغة الإيجازات الإبداعية وإطار الحملات. الإشارة التي اعتمدنا عليها لم تكن استبيانات فقط، بل سلوك الاستخدام ومحادثات مباشرة مع مجتمعات مختلفة. في منطقة تحمل اللغة والهوية فيها وزنًا خاصًا، قد تحدد النبرة وحدها الفرق بين استخدام فعلي ولا مبالاة.
ماذا لا نُموّل؟
أنت تدير ميزانيات بملايين الدولارات. كيف تقرر ما الذي لا يحصل على تمويل؟
لدي مرشح واحد: هل نحل مشكلة حقيقية لشخص في هذه المنطقة، أم نشعر أنفسنا بأننا منشغلون؟ إن لم أستطع تلخيص السلوك المحدد الذي نحاول تغييره بجملة واحدة، فهذا مؤشر سيئ.
أرقام الوعي مريحة، لكنها لا تخبرك إن كان ما حدث مهمًا. اختباري بسيط: إذا لم أستطع شرح ما الذي سيختلف لمستخدم في الرياض أو القاهرة نتيجة هذا الإنفاق، فهو ضجيج. بغض النظر عن جمال لوحة القياس، لا يحصل على تمويل. الانضباط هنا ليس لضبط التكلفة فقط، بل احترامًا لوقت المستخدم واهتمامه.
التواصل في أزمة دون خسارة الثقة
ما أصعب رسالة اضطررت لإيصالها خارجيًا؟ وكيف أدرت المخاطر؟
خلال جائحة كوفيد-19، كان التضليل ينتشر بسرعة. لم نطلق حملة تقليدية، بل أنشأنا موقعًا عربيًا مصغّرًا يجمع معلومات صحية ونصائح أمان وموارد من Google في مكان واحد سهل الوصول. القرار كان السرعة بدل السعي للكمال، لأن الحاجة كانت فورية.
الضغط كان ذهنيًا على الجميع. لكن إن كانت لدينا الأدوات والوصول لإبراز معلومات موثوقة، فذلك واجب. المخاطرة في التحرك السريع موجودة دائمًا، واحتمال الخطأ قائم. في تلك اللحظة، كانت الأولوية للوضوح وبناء الثقة، مع تحديثات مستمرة للمحتوى بحسب تطور المعلومات.
ما الذي يتراكم فعلًا عبر السنوات؟
يُنسب لك بناء الحضور التسويقي لـ Google في المنطقة من فريق مكوّن من أربعة أشخاص إلى منظمة إقليمية خلال 15 عامًا. ما العامل الحاسم في ذلك؟
يُقال إن الاستراتيجية أو التوقيت هما السبب. يمكن نسخ الاستراتيجية، والتوقيت فيه حظ جزئي. ما يتراكم فعلًا هو الناس الذين بقوا، والذين اهتموا بهذه المنطقة، ودفعوا عندما كان الأمر صعبًا.
بدأنا بأربعة أشخاص في المكتب. النمو لاحقًا كان نتيجة التزام طويل الأمد. القرار الذي اتخذناه مرارًا هو الاستثمار في فريق يفهم السياق المحلي ويدافع عنه داخليًا. هذا الاستثمار لا يظهر في ربع واحد، لكنه يصنع فرقًا عبر سنوات.
الخطأ الذي غيّر قاعدتي التشغيلية
ما أكبر إخفاق غيّر طريقتك في العمل؟
دعمت حملات كنت متأكدًا من نجاحها، ثم لم تحقق صدى يُذكر. النمط اتضح لاحقًا: أحببت الفكرة قبل أن أتحقق بالكامل من الفرضية التي بنيت عليها.
القاعدة الآن واضحة بالنسبة لي: اقتناع بالاتجاه، وتشكيك في افتراضاتي. أطلب من الفريق إحضار بيانات تناقض الخطة، لا تؤكدها. هذا تعديل تشغيلي صغير، لكنه يحميني من الثقة الزائدة، خصوصًا عندما يمكن للصوت الأقدم أن يطغى بسهولة.
ما الذي تنصت له في مقابلات التوظيف؟
بعيدًا عن السيرة الذاتية، ما الإشارة التي تبحث عنها عند التوظيف؟
أستمع إلى طريقة حديث المرشح عن أشخاص اختلف معهم. هل يستطيع عرض وجهة نظر الطرف الآخر بإنصاف قبل أن يشرح لماذا عارضه؟
الإخفاق بحد ذاته ليس علامة سلبية. العجز عن الاعتراف بالخطأ هو المشكلة. القناعة مهمة، وكذلك القدرة على مراجعة النفس. في بيئة عالمية تناقش أولويات منطقة كاملة، تحتاج الاثنين معًا.
ثلاث أفكار تتكرر في هذا الحديث: ابدأ التوطين من المعمارية لا من طبقة لاحقة؛ لا تموّل ما لا تستطيع ربطه بسلوك محدد قابل للملاحظة؛ واطلب عمدًا بيانات تعاكس خطتك حتى لا تقع في ثقة مبكرة. في بيئة تتغير بسرعة، هذا النوع من الانضباط هو ما يصنع الفارق التراكمي.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
LEAP26


