حوار بين جدة وحفيدتها.. هل فعلًا المرأة اليوم أكثر تحررًا عمّا كانت عليه من 100 عامٍ؟

حوار بين جدة وحفيدتها.. هل فعلًا المرأة اليوم أكثر تحررًا عمّا كانت عليه من 100 عامٍ؟
داليا عبد الكريم
داليا عبد الكريم

7 د

كنت قد وجهت ضربة قاضية لزميلي في العمل ذلك اليوم، وحصلت على الترقية عوضًا عنه، كان هذا دليلي على تحرر المرأة وانتصارًا جديدًا للنسوية في داخلي، لا بأس أن أكافئ نفسي بمشاهدة فيلم جميل في السهرة تعويضًا عن الأيام الطويلة التي قضيتها لأهزم ذلك المغرور، قبل أن أستفيق على صوت جدة والدي التي توفيت منذ سنوات طويلة جدًا!

فجأة وجدت نفسي أعيش في زمن ما قبل 100 عام وربما أكثر، حيث كان أقصى حلم لسيدة ما، سماع كلمة شكر من زوجها أو والدته على طبخة لذيذة نجحت بإعدادها، يا ويلي! قلت في نفسي، ومضيت أسأل جدة والدي أين أنا، وبعد استيضاح الموقف جلسنا سويًا مع فنجان قهوة نسرد كيف تحولت جدة أبي إلى "أنا" وقد ورثت عنها شعرها "الكيرلي" وتصر هي أن تسميه "أجعد"!


حدثيني عن تحرر المرأة .. هل حقًا تستطعنَ دخول المدارس والجامعات؟

تسألني تلك السيدة التي أشبهها، أستغرب، أستعيد فهم ما جرى من حولي دون أن أعلم كيف وصلت إلى هذا الزمن الرهيب، وأطفئ فضولها بجواب يُخرج عينيها من محجريهما.

نعم، وبتنا نكوّن صداقات مع الرجال، وقد نغرم ببعضنا البعض ونتبادل رسائل الحب، وحين نتخرج من الجامعات نعمل سويًا بمكاتب متجاورة، وقد نضطر إلى السفر برحلة عمل طويلة، وتعرفين؟ أيضًا نستطيع مقاسمتهم السكن الجامعي المشترك في بعض البلدان، لكن لا تقلقي ما تزال منا من هنّ غير قادرات على تحقيق هذا الحلم حتى، فممنوع عليهنّ المخالطة أو الاحتكاك أو حتى التحدث للرجال، لكنهم بالحدود الدنيا جدًا حاليًا وليس كما كانوا على زمنك.


هل تقصدين أنكن مثل الشباب؟

ذو صلة

لا، يا جدة! قد نكون أفضل منهم بكثير، عمومًا إلى حد ما نعم تحرر المرأة حصد لنا الكثير لكن ما تزال هناك بعض الفروقات التي فرضها المجتمع، فهناك تخصصات لا زال المجتمع ينظر إليها على أنها حكر على الرجال، ولا زالت الفتيات في مناطق كثيرة تُمنع من السفر لمتابعة الدراسة، بينما يسمح للشاب بل ويشعرون بالفخر فيه ويمدونه بالدعم المادي والمعنوي، لكن كما أخبرتك سابقًا الأمر ليس كبيرًا جدًا وكل بلدان الشرق الأوسط بدأت تسير بخطوات كبيرة لتمكين المرأة ومنحها الحرية والاستقلالية نوعًا ما.


ماذا عن العمل والمطبخ؟

أرجوك يا جدة، لماذا تشغلين نفسك بالمطبخ بهذا القدر؟ ليس من الضروري أن تتناول العائلة المحاشي والكبة والكبسة والبخاري، فمطاعم البيتزا والشاورما والوجبات الجاهزة تملأ العالم.

حسناً أنا أمزح معك قليلًا، لكن لم نعد ننظر إلى المطبخ والأعمال المنزلية على أنها غايتنا وكل عملنا في الحياة، فهناك شركات التنظيف، ولأعطيك معلومة جديدة، هل تعلمين أن هناك عشرات الرجال العرب يمتهنون الأعمال المطبخية ويحققون منها أرباحًا خيالية، حين تشاهدينهم ستدركين أن المطبخ مملكة الرجل وليس المرأة كما تعتقدين.

نحن يا جدة، نريد أن نلحق قليلًا كل ما فاتنا منذ زمن بعيد لمواكبة الزمن والتخلي عن التنميط والأسر الكبير الذي جعلتمونا نعيش فيه سنوات طويلة، بينما كنتنّ تستطعن إلغاءه بتمرد بسيط جدًا.

لكن، لا أريد أن أحبطك كثيرًا ولا حتى أحبط نفسي، ولا من تقرأ هذا المقال، للأسف وعلى الرغم من عملنا الكبير خارج المنزل والإنجازات الرائعة التي حققناها، ما تزال النساء الأقل حصولًا على المناصب الإدارية، دعيني أحدثك قليلًا بلغة الأرقام، فحسب إحصاء صادر عن الأمم المتحدة عام 2019، بلغت نسبة الوزيرات حول العالم 20.7 بالمئة فقط، والبرلمانيات 24.3 بالمئة فقط، كما بلغت نسبة تمثيل النساء في المناصب العليا وكرؤساء للبلاد 6.6 بالمئة، و5.2 بالمئة فقط من نسبة رؤساء الحكومات في العالم، مايزال الطريق طويلًا يا جدتي.

كما أننا نتعرض للتحرش في العمل من بعض زملائنا الرجال الذين لا يستطيعون التحرر من عقد غرائزهم ولا ذكورتهم، حيث تقول دراسة أجراها اتحاد نقابات العمال البريطانيين عام 2016، إن أكثر من نصف السيدات المشاركات بالدراسة والبالغ عددهن 1500 سيدة، أكدن تعرضهن للتحرش وغالبيتهنّ فضّلن عدم تقديم شكوى.

آه يا جدة، اليوم حصلت على ترقية جديدة بعد منافسة عادلة مع زميلي بالعمل، لكن الجميع وحتى الفتيات مثلي سيقلن يوم غد أنني حصلت عليها بعد أن أغويت مديري، لكني لن آبه بذلك وسأنجح في عملي، ومثلي كثيرات يدرن ظهرهنّ لمثل تلك الأحاديث لأنهنّ يركزن على المستقبل القادم.


هل تستطعن اختيار الزوج؟

نتحدث منذ ساعات يا جدتي، وتسأليني إن كنا نستطيع اختيار شريك الحياة! أجل نستطيع ونستطيع الرفض أيضًا، حتى لأخبرك أننا نستطيع كذلك اختيار البقاء كعازبات بمحض إرادة دون الزواج أو الإنجاب أو تأسيس عائلة، وبعضنا اخترن أن يتزوجنَ بنساء مثلهنّ بظاهرة تدعى المثلية، لكن لا تقلقي، ما تزال تلك الظاهرة مستهجنة جدًا ومرفوضة لدى كل الدول العربية.

طبعاً يا جدتي التعميم مرفوض، فهناك بعض المجتمعات ما تزال تفرض على المرأة زوجها، وتطلب إليها السكوت والرضوخ أمام تعنيف زوجها، ويتم لومها في حال لم تنجب ذكورًا، على أمل أن تنتهي هذه الظواهر قريبًا بجهود النساء العربيات ورغبتهنّ الحقيقية بإحداث تغيير شامل.


إذًا أصبحتنّ واثقات بأنفسكن ولم تعدنَ مجرد سلعة يا طفلتي؟

حسناً إلى حد ما ربما، لكن في الحقيقة كثيرات منها تخلين عن تبعية الرجل وبتن تابعات للموضة ومبضع الجراح، تلك التي تنفخ صدرها، وأخرى تغيّر شكل أنفها وثالثة تنفخ شفاهها، وإن سألتني لماذا هذا العذاب، سأقول لك من أجل جذب اهتمام الرجال غالبًا، للأسف تخلينا عن التبعية لهم وعدنا لنتبع رغباتهم وما يحبون، أعتقد أنها لعنة غريبة يا جدتي.

هل تعلمين يا جدتي أنه وعلى سبيل المثال، تشهد الإمارات زيادة سنوية بالإنفاق على عمليات التجميل بمعدل 17 بالمئة، هل تتخيلين مليارات الدولارت التي تم صرفها على التكبير والنفخ والشفط وما إلى هنالك لنعجب الرجل؟

تعالي إذًا وابحثي معي في غوغل، وسترين العجب العجاب من عبارات البحث، مثل ماذا يفضل الرجال، كيف تُسعدين زوجك في الفراش، خلطة لتبييض المناطق الحساسة، ومثل هذه العبارات الحمقاء جدًا!

ليس هذا وحسب، بل ستجدين حتى المجلات والبرامج، التي من المفترض أنّها الوجه الثقافي لمجتمعنا، تحمل عناوين مثل "ما الذي يفضّله الرجل، المرأة النحيفة أم الممتلئة؟".


على الأقل تحررت المرأة وأصبح هناك من يتحدّث باسمها!

تقصدين أمثال الإعلامية منى الشاذلي، لكنها يا جدتي وعلى الرغم من نجاحها الباهر الذي حققته لفترة كإعلامية في المجال السياسي زاحمت فيها الإعلاميين الرجال وناقشت كبرى المسائل، انتقلت للعمل مع الفنانين، والتحدث بمواضيع "تناسب النساء"، ليتّهمها البعض ويقول آخرون أن جناحيها قد رُبطا ويبرر آخرون بأنّ هذا ما يطلبه الجمهور أو ما يتطلبه البزنس لتحقيق الشهرة والتريند.

غيرها ستجدين رضوى الشربيني، تلك التي تسعى لتحرير المرأة من التبعية، فأطلقوا عليها لقب "خرابة البيوت"، والأخرى التي توصف بأن أقصى طموحها أن تكون الجارية ولا تتحدث سوى عن علاقة الرجل بالمرأة أنّ عليها أن تعطي الرجل "الحتة الأكبر من الفرخة" تخيّلي أن تدرس الإعلام وتجلس على كرسي مشابه لكرسي كريستيان أمانبور وأوبرا، ثم تناقش على الشاشة إن كان يحق للمرأة أن تقول لزوجها "خد كيس البالة وأنت نازل" أم لا! حديثهم كلّه يا جدتي عن الرجل!

الحياة باتت تشبه الشوربة يا جدتي، هناك شيء ما غير مفهوم، إما أنها الشهرة، وإما أنها عقد النقص التي تتم تغذيتها بطريقة جماعية؛ لتساهم بتدمير المزيد مما نسعى إليه من تحرر المرأة وتوجيهها في الطريق الصحيح.


أشعر بالإحباط!

لا يا جدة، أرجوك لا أريد أن أحبطك، هناك آلاف النماذج من النساء الملهمات على مستوى العالم، اللواتي استطعن النهوض حقًا وحركنّ المياه الراكدة ومنحونا نموذجًا ملهمًا لنمحو به أي ضعف أو ضعف بالإرادة، تعالي أخبرك عن الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري التي خلقت نجاحها من لا شيء وباتت أشهر إعلامية في العالم.

أو عن مايا غزال تلك الشابة الرائعة، التي غادرت بلدها سوريا هربًا من الحرب، وعانت من ويلات اللجوء ثم أصبحت أول لاجئة تقود طائرة، ودعيني أخبرك عن المهندسة سارة صبري أول مصرية تصعد إلى الفضاء، وعن الطبيبة السعودية مريم بن لادن، التي تعد أول سبّاحة قطعت البحر الأحمر من بلادها وصولًا إلى مصر في إنجاز لم يسبقها إليه أحد، وعن المهندسة العراقية زها حديد التي ما تزال مبانيها شاهدة على نجاحها كامرأة أولًا وكعربية ثانيًا.

وهل سمعت يا جدتي بوزيرة التعليم الفرنسية نجاة فالو بلقاسم، التي كانت تعمل كراعية أغنام مع جدها في بلدها المغرب حين كانت طفلة؟ وبعد عدة سنوات من الدراسة والتعب باتت تتبوأ هذا المنصب الكبير في دولة مثل فرنسا!

لا تنتهي قصص نجاح النساء يا جدتي، لقد نجحنا وأحدثنا فارقًا كبيرًا في حياتنا وأثّرت تجاربنا على الأخريات وتحرر المرأة بات حقيقة في كثير من المجالات، الأمر يحتاج إلى المزيد من الخطوات، لا الاستسلام إلى مريول المطبخ وممسحة الغبار.

أتعلمين يا جدتي؟ المرأة التي تخلصت من التبعية للرجل في مرحلة ما، لن يكون صعبًا عليها التخلص من التبعية لمشد كيم كاردشيان ولا التبعية لمبضع جراح التجميل، ثقي أننا نستطيع.

نعم نحن نستطيع، استيقظت من حلمي بينما كان الفيلم قد انتهى، وعلى فمي تلك العبارة، لم أستغرق طويلًا في ذلك الحلم، غفوت في نوم حقيقي فغدًا يوم جديد، بمنصبي الكبير بعد الترقية، غدًا سأثبت للجميع أنني أستطيع، فماذا عنكنّ؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة