فن إدارة الأزمات .. دروس يمكن حتى لمحلات البقالة تعلمها من كبرى الشركات

فن ركوب الأزمة... دروس يمكن حتى لمحلات البقالة تعلمها من كبرى الشركات
مريم مونس
مريم مونس

6 د

فن إدارة الأزمات، ألغوا الوظائف غير الضرورية، أوقفوا معدلات العمالة أو أبطئوها، أخفضوا من معدلات الإنفاق، ضعوا السيناريوهات الأسوأ في الفترة القادمة، حافظوا على رأس المال صامدًا لأطول فترة ممكنة... خمس توصيات لخّصت محتوى الرسائل الصادرة عن صناديق الاستثمار العالمية الخاصة بالشركات التقنية الناشئة، بالتزامن مع زيادة التضخم في العالم وتأثيره الفوري على استمرار الأسواق وحركتها ونشأتها.

لم يخلُ هذا المشهد التراجيدي القاتم من وميض نور، فالشركات الناشئة المبدعة أكّدت أن القوة تأتي من رحم الضعف، حيث إن أشهر الشركات وأكثرها قوة وازدهارًا خرجت منتصرة من الأزمة وحققت أهدافها وسط العاصفة.

اقرأ أيضًا: إدارة الأعمال.


فن إدارة الأزمات، كيف استفادت الشركات الكبرى من الركود الاقتصادي العالمي سابقًا؟

صرّحت القناة الاقتصادية الأمريكية CNBC أن معدلات سوق الأسهم للشركات التقنية الناشئة في انخفاض حادّ، وقد بلغ أقصاه في الأشهر الخمسة الأولى لسنة 2022، ما يُرجع إلى أذهاننا الأزمة الاقتصادية العالمية التي هزّت العالم فترة 2008-2010، التي أسفر عنها إفلاس العديد من الشركات الضخمة وتسريح موظفيها، لكن كيف صمدت الشركات العالمية الكبرى سابقًا وما هي قواعد فن إدارة الأزمات التي اتبعتها؟


 Mailchimp … الاستفادة من تقلّبات السوق المفاجئة

ذو صلة

خدمة التسويق بالبريد الإلكتروني Mailchimp أو "ميل شيب"، تأسست سنة 2001 على يد مارك أرمسترونغ وبين تشيسنات في ظروف غير مناسبة على الإطلاق، حيث سادت أزمة فقاعة الدوت كوم " dot com crash"  أو ما يسمى "بفقاعة الإنترنت" التي أدت إلى تراجع شركات الاستثمار التقنية الناشئة وسحب أموالها خوفًا من الإفلاس والفشل في هذه الظروف.

حافظت MailChimp على ازدهارها بين الشركات المتوسطة والصغيرة واستمرّت في عرض خدمات بريد إلكتروني رخيصة مع ميزات جيدة، معتمدة في ذلك على نظام "الاشتراك الشهري"، إلى أن بدأت معالم الأزمة المالية العالمية تلوح في الأفق سنة 2007، التي أنتجت ركودًا عالميًا عنيفًا هدّد جميع الشركات الناشئة.

فكّرت  MailChimp في طريقة ذكية وواقعية لمواجهة الأزمة، فلم يكن أمامها إلا اللعب على جوانب "الاشتراك الشهري"، فعملت على تحويله من خدمة مدفوعة بالكامل، إلى خدمة مدفوعة لكن بمزايا مجانية، وبذلك فسحت مجال الاستخدام المجاني أمام الجميع بهدف الحصول على العديد من الميزات الأساسية مجانًا، فقط قم بالتبديل إلى النظام المدفوع لتحصل على عدد أكبر من الإضافات والخدمات.

زاد عدد مستخدمي MailChimp في خضمّ الأزمة العالمية بفضل تلك السياسة من 85 ألف مستخدم إلى 450 ألف مستخدم خلال عام واحد فقط، لتكون المثال الذي يُحتذى به في التكيف مع المتطلبات المتغيرة للسوق والاستفادة من تقلباته المفاجئة، لتحقق MailChimp ازديادًا عظيمًا في عدد المستخدمين الذين تجاوزوا الـ 14 مليون دون الحاجة إلى تمويلات خارجية، إلى أن تم بيعها في العام الماضي 2021 بقيمة 12 مليار دولار.

اقرأ أيضًا: القيادة الناجحة لا تتطلب مواصفات مستحيلة.. بعض الخطوات والصفات فقط!


Airbnb … قلب الموازين في الأزمات

ناثان بيلشاركيك وبرايان تشيسكي وجو جيبيا، ثلاثة شبّان مبدعون عملوا على تطوير تطبيق اسمه Airbnb لتأجير الشقق والمساحات الشاغرة، محاولين الخوض في مضمار التنافس في السوق التقنية سنة 2008 على الرغم من تصعيد الأزمة العالمية المالية، فكم من الوقت قضوه في مراسلة المستثمرين والبحث عن تمويل لفكرتهم الناشئة دون أي رد بالقبول! إما بسبب عدم حماس المستثمر لفكرتهم أو بسبب الخوف من الأزمة المالية العالمية.

عمل الشركاء الثلاثة على جمع 150 ألف دولار مقابل حصة 10٪ في شركتهم الناشئة، لكن دون جدوى، فالجميع وضع عيوبًا في هذه الفكرة التي تفتقر إلى الأمن الشخصي برأي الكثيرين، بالإضافة إلى احتمال رفض أصحاب العقارات تأجير بيوتهم لناس غرباء أتوا من خلال تطبيق.

في عام 2009 اشتدّت الأزمة المالية العالمية وتزامنت مع مشكلة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، لذا قامت الشركة العالميّة "Ycombinator" بتمويل الشركة الناشئة لتطويرها من أجل مُلاءمة الأزمة والاستفادة منها.

انخفضت معدلات تأجير الشقق السكنية بشكل ملحوظ بسبب الأزمة المالية، وهذا ما استغلّه التطبيق الذي وفّر حلًّا سريعًا ومُجديًا لأصحاب العقارات من أجل الاستفادة من عقاراتهم بطرق أكثر مرونة لتأجيرها بأسعار مُرضية. وبعد فترة قصيرة من تطوير المشروع وإطلاقه، فوجئ الشركاء الثلاثة بأن فكرتهم كانت تنمو بشكل كبير وتستفيد من ركود السوق وتتأثر به إيجابًا بعدما فقدوا الأمل بأن تُبصر فكرتهم النور..

جمعت الشركة مبلغًا مناسبًا لتتمكّن من التوسّع العالمي، وبعد 4 سنوات بلغت هدفها المنشود، لتصل قيمتها الآن إلى حوالي 100 مليار دولار بعد 15 سنة من إطلاقها.


 Groupon .. تأمين متطلّبات السوق

في نهاية سنة 2008 مرّ العالم بركود اقتصادي هائل أدّى إلى تراجع الأسواق العالمية والأنشطة الاقتصادية، ولعلّ الشركات المتوسّطة والصغيرة أكثر من تعب واجتهد في جذب العملاء الذين ترددوا في الشراء أغلب الأحيان بسبب الأزمة، لذا قام آندرو ماسون ببناء شركة ناشئة تؤمّن متطلّبات السوق في هذا الوقت الصّعب، فماذا كانت فكرة شركته؟

 كان الهدف الأساسي للشركة هو خلق رابط بين الشركات والعملاء والقطاعات المختلفة، وذلك من خلال عدد من العروض والخدمات التي تشجّع المستهلك على شراء قسائم تخفيض أو ما يسمّى "الكوبون" أو "coupons"، لم تكن الفكرة جديدة في الأسواق لكنّها تركّز على تسهيل التواصل بين الشركات والعملاء، وإتمام الصفقات بشكل أسهل وأكثر مصداقية وأمانًا.

سمّى ماسون شركته "Groupon " ليجمع بين كلمتي "group" و "coupon"، فكانت أولى صفقات الشركة هي عرض بسيط لمطعم بيتزا، "اشترِ 2 بيتزا بسعر واحدة فقط"  بعد عام ونصف من ذلك العرض، كبُرت شركة Groupon وازدهرت بسرعة هائلة، فقد ضمّت 350 موظفًا وبلغت قيمتها آنذاك مليار دولار في 15 شهرًا فقط، كل ذلك بفضل تزايد الطلب من قبل الشركات والعملاء من أجل تقديم العروض وشرائها وتوفير المال.

بلغت الأزمة المالية العالمية نهاياتها في أواخر سنة 2010، حيث امتلأت الساحة بركام الشركات التي دمّرتها العاصفة الاقتصادية، إلا أن شركة Groupon وقفت منتصرة على قمة ذلك الركام لتحقق نموًا كبيرًا وتتصدّر أسماء الشركات المتخصصة في تقديم العروض اليومية، ما زاد على رأس مال الشركة 700 مليون دولار، كما أنها كانت ثاني أكبر اكتتاب عام سنة 2004 بعد الاكتتاب العام لشركة جوجل.


 Glass Door… استغلال أزمة العمالة

في يوم من أيام العمل في مؤسسة "إيكسبيديا" سنة 2007، ذكر أحد موظّفي الشركة وهو روبرت هوهمان موقفًا فكاهيًّا من أرشيف عمله في قسم الموارد البشرية والتوظيف، فقد نسي على أحد المكاتب استبيانًا للموظفين يحوي على استطلاع رأي من المفترض أن يكون سرّيًّا، فهو يحتوي على تقييمات خاصة بالمدراء والموظفين وكافة الأقسام الإدارية، فتساءل الجميع: ماذا سيحدث إذا أُتيح الاستبيان للجميع ونُشر على الإنترنت؟

ومن هنا وُلدت فكرة إنشاء المنصة العالمية "Glassdoor التي تستعرض بيانات خاصة بتقييم الشركات من قبل الموظفين الحاليين أو العاملين السابقين، ما يفيد الباحثين عن عمل ويوفّر لهم الصورة الكاملة عن العمل المنشود، فبعد الأزمة المالية العالمية وانهيار كُبرى الشركات وتسريح ملايين الموظفين الذين باتوا يبحثون عن عمل، سطع ضوء منصة Glassdoor في ذروة الأزمة سنة 2008، حيث حصلت فوريًّا على تمويل أولي قدره 3 ملايين دولار.

ركّزت المنصة على جمع التقييمات من موظفين الشركات المختلفة وسقف الرواتب فيها دون ذكر أي اسم أجرى التقييم، لتفتح المنصة باب البحث عن وظيفة في توقيت ممتاز جعلها مَقصد أكبر عدد من الموظفين والباحثين عن عمل، إلى أن استحوذت عليها "ريكروت" الشركة القابضة اليابانية بعد صفقة مقدارها 1.2 مليار دولار سنة 2018.


يتذمّر المتشائم من الرّياح، ويأمل المتفائل في توقّفها، أما القائد فيعدل أشرعته بما يتناسب معها

وليام آرثر وارد

في النهاية عزيزي القارئ، من المهم لك تعلّم فن إدارة الأزمات، حيث إن الإنجاز في تلك الفترة العصيبة اقتصاديًّا هو البقاء والتكيّف مع الرياح ومقاومتها قدر المستطاع حتى لا تقتلعك من جذورك، لكن مع كل ذلك، تبقى الأزمات فُرَصًا استثنائية لا تعوّض بالنسبة لرواد الأعمال الذين يسعون لتحقيق الازدهار الأكبر في زمن يحارب فيه الجميع من أجل البقاء.

المصادر: 1، 2، 3

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us
ساندي ليلى
ساندي ليلى

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.