دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟

دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟
3

ببساطة، الدوبامين هو هرمون يقوم بدور الناقل العصبي الأبرز في الجسم، ويعمل على التسبب بحالة من النشوة والسعادة عندما يزيد إفرازه في الدم. نحن هنا لسنا علماء بيولوجيا، بالطبع لن نتطرق إلى الجوانب العلمية للأمر، بل لجوانبه التأثيرية على الحالة النفسية. الأمل دوبامين فعلًا. يعمل على تحسين حالتك المزاجية، ويقوم بتثبيط كل مسببات الحزن والحسرة. لكن في النهاية يظل المُخدر مُخدرًا، وسرعان ما سيزول تأثيره، وتعود للألم من جديد.

هل يتطلّب الأمن القومي أن تخفي الحكومات الكوارث عن شعوبها؟ تشيرنوبل ليست النموذج الوحيد!

الرابط الوثيق بين دوبامين الدم ودوبامين الأمل هو أن الأخير يتم استغلاله من قبل جميع المؤثرين في حياة البشر. أي شيء مؤثر، هو واحد من مُسببات إفراز دوبامين الأمل لدى الناس. وبالطبع لكل مجموعة من الناس أمل خاص بها، وذكاء صانع دوبامين الأمل يتمثل في معرفة هذا الأمل بالتحديد، وضخّه باستمرار إلى عقولهم النهمة للمُخدر.

اليوم سوف نُسلط الضوء على مجموعة من المضللين، مجموعة من تجّار المخدرات، ومجموعة من المُحتالين والدجّالين. لن نذكر أشخاصًا بعينهم، بل سنتحدث عن شرائح عامة. وتذكروا دائمًا، الشخصنة تجعلك غير حياديّ. لكن التسطيح من الناحية الأخرى، يضمن لك سداد الرأي على الدوام.

دوبامين التنمية البشرية؟ عن استغلال ضيق الحال أتحدث

دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟

تخيل معي أنك الآن في أشد حالاتك النفسية بؤسًا. تعيش في غرفة بأعلى سطح بناية متهالكة، ودخلك الشهري لا يكفي طعامك لربع الشهر. تأكل يومًا، و5 أيام تتضور جوعًا. وخلفيتك العلمية على الصعيد الآخر شبه متهاوية تقريبًا، لم تُكمل تعليمك، أو أكملته لكن مثلك مثل الأميّ بالضبط. فقط أريدك أن تتدارك تلك التركيبة الفريدة للغاية: وضع مادي سيئ للغاية + قدرة ضعيفة على التفكير والتحليل. ما الناتج يا تُرى؟ بالطبع الرغبة في تحسين الوضع بأسهل الطرق الممكنة. ولا توجد وسيلة أسرع وأسهل لذلك، من إعطاء الأمل الزائف كالمخدر في الوريد.

وفي يومٍ، قررت أن تمشي في إحدى الممرات بالشارع وأنت هائم على وجهك، لا تعلم أين تذهب، ولا أحد يهتم لأمرك. فجأة وجدت أحدهم يُعطيك ملصقًا ترويجيًّا به رجل وسيم يحمل مذياعًا، ومكتوب أسفل صورته: «ألم نفس حروف كلمة أمل، الحياة كلها أمامك، خذ بيدي، سأساعدك». وأجل، تذهب إلى حفله المجاني الضخم، وتستمع إلى عبارات تشجيع قوية للغاية، تشعر بالحماس، ثم تغمرك سعادة مُطلقة. سينتهي الحفل سريعًا، مع إشعار بوجود حفل آخر، لكن في مكان آخر، وليس مجانيًّا. تقول لنفسك: «أنا لا أحتاجه، الآن سأعرف ماذا يجب أن أفعل!». ثم تخرج.

لكن ماذا؟ لا يوجد شيء في ذهنك فعلًا. ما زلت هائمًا على وجهك، ما زلت تسكن بالسطح، وما زال راتبك هزيلًا. ما التغيير؟ لا يوجد. فتقرر الذهاب إلى حفلته الخاصة بفضل وجود قناعة تامة أن الخطأ منك، وأن النصيحة لم تؤخذ بالكامل بعد، يجب أن تذهب إليه، أن تنهل من علمه، وأن تحاول تطبيق نصائحه كي تصير من الأغنياء وتحصل على الحياة السعيدة التي طالما تمنيتها.

ويستمر الأمر حتى تُفلس تمامًا، تُطرد من غرفتك بالسطح، ولا تستطيع دفع ثمن المُخدر بعد الآن؛ فتشعر أخيرًا بفداحة ما كنت تفعله. خبراء التنمية البشرية هؤلاء في وجهة نظري، هم فقط خبراء تزييف حقائق. هم في الواقع بارعون ولديهم ذكاء حاد، ذكاء سمح لهم بقراءة نقاط ضعفك، وتغذيتها باستمرار. لكن هذا ليس كل شيء بالطبع، يجب أن يكون هناك دليل دامغ على أن قولهم صحيح. أجل، تداركتم الإجابة بالفعل: الشهادات العلمية. هؤلاء الخبراء في العادة يأتون بشهادات كُبرى في علم النفس والأعصاب، بل يمكن لبعضهم أن يستغلوا رخصة جراحة المخ لصالحهم.

أجل بدون شك، هذا الرجل عالم في أمور الدماغ، ما يقوله يجب أن يكون صحيحًا، لا مجال للشك، إنه يرتدي حُلَّة أنيقة للغاية ومبتسم على الدوام، لا يمكن له أن يؤذيني أو يكذب عليّ بأي حال من الأحوال. ماذا؟ لماذا أدفع له؟ هذا الرجل يتعب ويقف على مسرح ويخطب في الملايين ويقوم بتعديل حياتهم للأفضل، ألا يجب إشعاره بأهميته؟

في الواقع يا عزيزي، أنت لا تدفع له لإشعاره بأهميته، بل لإشعارك بأهميته. هو بالفعل نجح في جعلك تحتاج إليه، تحتاج لكلماته، تحتاج لأمله، تحتاج دوبامين جديد من إنتاجه. أصبحت مُدمنًا يا صديقي، ولا يوجد مفر من الإدمان إلا الاعتراف بأنه إدمان أولًا، ووجود رغبة في التخلص منه ثانيًا.

عن ملوك التلاعب بالكلام وبائعي الهواء في قوارير … المرحوم إبراهيم الفقي نموذجًا

دوبامين الدين.. هل هو حقيقة فعلًا؟

دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟

الأديان عند تعريفها، تأتي إلى ذهني دائمًا كلمة (دساتير). الدستور هو كتاب كبير، به مجموعة من القواعد التي تُنظم لك حياتك كشخص اختار بإرادته الجلوس أسفل مظلة هذا الكتاب بعينه، دونًا عن سائر الكتب الأخرى. وبعيدًا عن مناسبة الكتاب لكل عصر أو لا، سأتحدث عن نزعة بعض البشر لارتداء عباءة الإله، وصنع دساتيرهم الخاصة، وإجلاسك تحت مظلتها عبر إيهامك أنك حر لا أكثر، ولا أقل.

هؤلاء البشر في التركيب العام، هم نفس خبراء التنمية البشرية، لكن مع بعض الرموز الدينية المُعلقة على صدورهم ووجوههم، لتُعطيهم هالة المباركة الإلهية المؤثرة تلك. شبهتهم بأهل التنمية البشرية نظرًا لكونهم يُغذون التكاسل والجهل فيك أيضًا، لكن ليس عبر التشجيع البشري، بل التشجيع الإلهي. والفرق كبير جدًا في الواقع.

التشجيع البشري عندما يأتي من شخصٍ غير منطقيّ، يكون خاليًا من الوسائل والحلول والمقترحات، وفقط يغمرك بشعور فائق أنك تستطيع فعل أي شيء، وأنه لا توجد عقبات في الحياة أبدًا. والتشجيع الإلهي عندما يأتي من شخصٍ غير منطقيّ، تكون النتيجة مماثلة. لكن للأسف، التشجيع الإلهي تأثيره أقوى، نظرًا لإيمان الناس بالإله، وأي شيء يصدر على لسان رجال دينه، يكون قولًا لا يمكن الشك فيه، وإلا كفرت بالإله.

هؤلاء يقولون لك: «الإله يحبك، تذكر النبي الفلاني، تذكر الصحابي الفلاني، تذكر ذلك الحَوراي العِلّاني، لنا في التراث حكايات، ربك لا يترك محتاجًا، ثق به، تنعم بالحياة». وكالعادة، لا حلول، لا خطوات، لا شيء. مع أنك إذا نظرت جيدًا لصلب الأديان، ستجد أنها مُقسمة لجانب مادي، وآخر روحي. والأديان التي بدأت حضارات استمرت حتى الآن، اعتمدت على إعلاء الأسباب فوق الآمال.

أي ببساطة أن رجل الدين الذي أمامك، أخذ نصف المعادلة فقط كي يتربح من خلالك. مشاهدتك له في التلفاز = إعلانات، استماعك له في محاضرة = ثمن التذكرة، وقراءة مؤلّفاته = ثمن الكتاب. أسوأ أصناف البشر هم من يبيعون المعرفة التي ليست خاصتهم. يمكنك بيع دورة تدريبية في مجال الرسم، الموسيقى، البرمجة، أو أي شيء، هذا مجهودك، وهذا حقك. لكن هل نصوص الآلهة ملكك كي تتربح منها؟ أليس هذا انتهاكًا لحقوق الملكية الفكرية للإله؟ وإذا قلت لي أن النصوص الدينية قديمة قدم الزمان، وستطبق عليها قانون سقوط الملكية الفكرية بعد عدد محدد من السنين عقب وفاة صاحبها. هل صاحبها هنا ميّت كي تُطبق عليه القانون؟ أليس الإله حي لا يموت؟

قد يعتقد البعض أنني متحامل على كتب العلم أو كورسات الدين. بالعكس، لا مانع لديّ من إصدار كتاب ووضع معلومات فيه وبيعها، بل وإضافة سعر لمجهود النقل والتجميع وإعادة الصياغة. لكن ما أريده هو اعتراف مُصدِر الكتاب، أن الحياة ليست كلها معلوماتية بحتة، وأن هناك جوانب مالية في الأمر، وأن هذا الكتاب منشور من أجل الربح بجانب نشر المعرفة، لا نشرها فحسب.

الأوراق البحثية تُنشر على مجلات مرموقة مثل Nature، تلك المجلة لها اشتراك وسعر مُحددان، إذًا للمعرفة ثمن هنا. لكن المجلة تُقرّ أنها تتربح من نشر الأبحاث، سواء من الاشتراكات، أو عبر أخذ أموال من الباحثين أنفسهم لنشر البحث بها، وهذا لم يُقلل من مجهوداتها في إعلاء شأن العلم. على عكس أصدقائنا الذين ينشرون الكتب الدينية تحت مسمى (ثواب من أجل الإله، لم نكسب إلا المال المُنفق على الطباعة). احترم المُشتري وقل له أنك تُقدم رسالة، وتريد كسب قوتك كذلك، لا عيب في ذلك.

الذي دفعني لسرد تلك السطور، هو وجود قناعة راسخة لدى البعض أن رجال الدين يُصدرون الكتب ويعتلون المنابر من أجل إعلاء راية الدين فقط، وأنه لا يوجد جانب مالي للأمر. العالم كله رأسمالي يا رفاق، هذه حقيقة لا يمكن نكرانها. وليس عيبًا أن تتربح من علمك، لكن العيب هو أن تُظهر للناس أنك ملاك طاهر، وتعيش حياتك على الزيت والماء، وأنك لا تريد من الدنيا دولارًا واحدًا حتى. أنا أكتب من أجل نشر المعرفة، وأكتب من أجل كسب قوتي، أنا لا أكذب، أنا لست مثلهم.

عندما يُقدّم ( الهراء ) تحت مُسمى التنمية البشرية !

مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي: أي قناع سنكذب عليك به اليوم؟

دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟

نفس الأمر هنا كذلك، دوبامين الأمل يظهر من جديد. لكن هذه المرة ليس من أصحاب شهادات، أو أصحاب نصوص دينية. هذه المرة الأمل يظهر على يد مجموعة من البشر لم تدرس كلمة في حياتها عن طبيعة النفس البشرية، وتشرع في وضع قواعد حياتية كاملة بناء على تجارب شخصية بحتة. وبما أن المتابعين يُحبون الشخص الذي وضع تلك القواعد، سيُحبون القواعد كذلك.

هناك قَول عام يأتي ذكره عند تقديم معلومة علمية من قبل غير المختصين، وهو أن يُعلن الشخص على الملأ أن ما يقوله مجرد رأي شخصي بناء على خبرة شخصية فقط، ولا يمكن تعميمه على حياة أي شخص آخر، إلا إذا كانت ظروفه متوافقة مع ظروف الشخص الأول. وحتى إذا توافقت، يمكن لأبسط تغيير حياتي يحدث، أن يقوم بعمل حالة حيود كاملة لا ينطبق عليها الرأي سابق الذكر.

ما يحدث للأسف هو عدم قول هؤلاء لذلك الأمر على الإطلاق؛ مما يجعل سطورهم ككلمات رجال العِلم فجأة، وتؤخذ على محمل الجد بشدة. سأحاول تقمص دور أحد هؤلاء المشاهير الآن، وسأكتب منشورًا كالذي يمكن أن تجدوه عندهم. وبحكم كوني مصريًّا، سأكتبه باللهجة المصرية التي تساعد على انتشار تلك المنشورات في الأساس. يا إلهي، هذا مثير للقشعريرة في الواقع، لكن سأتحمل، يجب أن أنقل الصورة الكاملة، تحمَّل يا أحمد، تحمَّل!

متآمنوش لأي حد راسم تاتّو يا جماعة، بيبقى مش مظبوط كدا وبعيد عن ربنا أكيد، هيحفل عليك ويشتمك ومش بعيد يجرك معاه للسكة الوحشة دي! لكن الأمل في ربنا موجود، الأمل أن الناس تبقى أحسن وتعامل غيرها حلو، الأمل مهم يا جماعة، من غيره أحنا ولا حاجة.

فقط حاول تحليل هذه الكلمات معي، ولا تقل لي أنك لا تستطيع. لقد عانيت الأمرين في كتابتها، أرجوك تحمَّل معي قليلًا. هنا أطلق المنشور تعميمًا على كل أصحاب الوشوم (تاتّو) على أجسادهم، ويقول أنهم بعيدون عن الإله، وذلك البُعد دليله هو السلوك الأخلاقي السيئ. وبالطبع نظرًا لجهل صاحب المنشور بأبسط قواعد المنطق والاحتمالات، كتب كلامًا غير مترابط بالمرة. بالتأكيد هناك احتمالية لوجود شخص سيئ الأخلاق، ومن خلفية دينية، بل ويُظهر أنه أقرب منزلة إلى الإله من الأنبياء أنفسهم حتى. لذلك لا يوجد رابط بين الوَشم، وسوء الخُلُق من الأساس. لهذا الأذى هنا مضاعف، هم لا يُغذونك الأمل الخاطئ بإيجاد شخص جيد الخلق فقط، بل أيضًا يقرنون حُسن الخلق بشيء لا ينتمي إليه حتى.

كيف تؤلف كتاباً عن ( التنمية البشرية ) في 48 ســاعة ؟!

وفي الختام

أردت ذكر المزيد والمزيد في الواقع من الأمثلة حول مُنتجي دوبامين الأمل الزائف، لكن سيصبح المقال أكثر من 3000 كلمة، ووقتها سيكون من الصعب الوصول إلى آخره في جلسة واحدة. أتمنى أن تكون الصورة قد وضحت أمامكم، وأراكم في مقالات أخرى على أراجيك.

3

شاركنا رأيك حول "دوبامين الجهلاء: كيف يستخدم الدجّال الأمل لإقناعك بحاجتك إليه؟"