ثلاثية غرناطة
0

رواية “ثلاثية غرناطة“، حسب التقدير العام للقرّاء والنّقاد، هي الرواية الأفضل للروائية المصرية الراحلة “رضوى عاشور“؛ وهي من أشهر الأعمال الروائية الحديثة التي كُتِبت عن (الأندلس)، وذلك لقيمتها الأدبية والتاريخية العالية، وباعتبارها مِن أوائل الروايات العربية التي تناولت حكاية السقوط.

من هي رضوى عاشور؟

رضوى عاشور روائية مصرية تحكي قصة سقوط الأندلس
رضوى عاشور صاحبة رواية ثلاثية غرناطة.

هي روائية وناقدة مصرية، وُلدت سنة 1946 في القاهرة لعائلة تحتفي بالفن والأدب، درست الأدب الإنجليزي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم التحقت بتخصص الأدب المقارن ونالت شهادة الماجستير سنة 1972، ثم سافرت إلى أمريكا أين التحقت بجامعة ماساتشوستس لتكمل دراستها، وتحصّلت على شهادة الدكتوراه سنة 1975 بأطروحة عن الأدب الأفرو-أمريكي. بعد عودتها إلى مصر، شغلت منصب أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة عين شمس.

اشتهرت رضوى عاشور بروحها المُقاوِمة في الواقع وعلى الورق، فقد ناضلت طويلًا ضد التطبيع مع إسرائيل وكانت من أبرز المناضلين في اللجنة الوطنية لمقاومة الصهيونية في الجامعات المصرية، ولها مقالات كثيرة تحارب فيها الاضطهاد بأشكاله.

إضافة إلى ذلك، عُرِفت رضوى عاشور في الوسط الأدبي وبين القرّاء بأعمالها الأدبية التاريخية التي توثّق الماضي بنَفَس جديد وتبعث فيه روحًا أخرى.

عموميات عن ثلاثية غرناطة

رواية ثلاثية غرناطة - رضوى عاشور - الأندلس
غلاف رواية “ثلاثية غرناظة” للكاتبة “رضوى عاشور” طبعة دار الشروق المصرية.

ثلاثية غرناطة هي رواية تاريخية من حوالي 500 صفحة، تحكي قصة سقوط غرناطة آخر ممالك الأندلس كما عاشتها شخصية أبو جعفر الورّاق وأحفاده مِن سنة 1491 إلى سنة 1609. تتقفّى الرواية آثار المجتمع العربي الأندلسي وتحكي حكاية نكبته وتغريبته، صموده وخذلانه، مقاومته وانكاسره.

وقد اختارت رضوى عاشور تسليط الضوء على أبناء المجتمع العادي بعيدًا عن أمراء القصور وقادة الجيوش، وحاولت إعادة خلق ذلك المجتمع بدياره وحمّاماته، حوانيته وحاراته، أهازيجه ورثائه، طقوسه في الفرح والحزن، وعاداته في الأكل والشرب واللباس.

تحكي لنا رضوى قصّة الإنسان الأندلسي الغرناطي الذي انكسر بعد رِفعة، ووجد نفسه مهزومًا، مضطهدًا، مُكرَهًا على ترك اسمه ودينه وبيته وأرضه، مُجبرًا على التنصُر والرحيل، مُقتَلعًا من هويّته ومرميًا كعود مهترئ.

تقول رضوى عاشور في خطاب ألقته بعنوان “لكلٍّ غرناطته” في إسبانيا بمناسبة صدور الترجمة الإسبانية لروايتها:

لم يكن شاغلي الكبراءُ أو الأمراء والبارز من الشخصيات التي سجّل التاريخ حكايتها بل شغلني “العاديون” من البشر: رجالٌ ونساءٌ ورّاقون ونسّاجون ومُعالِجون بالأعشاب وعاملون في الحمّامات والأسواق وإنتاج الأطفال في البيوت، بشر لم يتّخذوا قرارات بحرب أو سلام وإن وقعت عليهم مقصلة زمانهم في الحرب والسلام.

لماذا يجب أن تقرأ ثلاثية غرناطة؟

ثلاثية غرناطة - رضوى عاشور
ثلاثية غرناطة: رواية تاريخية للكاتبة رضوى عاشور تحكي عن سقوط الأندلس.

أوّلا: حِفظ الذاكرة

لأنّها تحكي عن سقوط الأندلس استنادًا إلى مادّة علمية تاريخية مُحترمة، تمنح القارئ نظرة جيّدة عمّا حدث دون صدامات مع الحقيقة التاريخية، وهذا أمر مهم جدًا ويجب الإشادة به.

تقول رضوى عاشور مُتحدِّثة عن الجهد الذي بذلته في التحضير المعرفي للرواية:

ساعدني البحث التاريخي ومُشاهدة العينين على التعرف على ملامح حياة جماعية بشرية قبل خمسمائة عام. زُرتُ الأندلس مرّتين؛ المرّة الأولى في صيف 1993 بعد كتابة مسودّة غرناطة؛ والمرة الثانية في أواخر ربيع عام 1995 بعد أن شرعتُ في كتابة الجزء الثاني: مريمة؛ كانت الزيارة الأولى “سياحية” أتاحت لي أن أرى المكان، أما الزيارة الثانية فقد أتاحت لي فضلًا عن ذلك جمع بعض المادة العلمية التي أحتاجها، كانت هذه المعرفة ضرورية للمشروع.

وتضيف -بتصرّف-:

الإطار العام لثلاثية غرناطة تاريخٌ موثّق، كذلك الأحداث المفصلية الواقعة بين عام 1491 و1609. كانت الوقائع التاريخية هي العنصر الأوّل بين عناصر التوثيق التي وظّفتها في نصي، ولكنها لم تكن العنصر الوحيد إذ أضيفَ إليها التاريخ الاجتماعي والثقافي؛ كلها دخلت في نسيج حياة مُتخَيّلة.

المجهود البحثي الذي بذلته رضوى أثناء الكتابة تجلّى بوضوح في النص، فالرواية تتميّز بتفاصيل ثقافية أندلسية تفتح للقارئ أبواب السفر إلى ذلك الزمان وتصقل تجربة القراءة وتُثريها.

الزخم المعرفي الذي تزخر به الرواية جعل منها صندوقًا للذاكرة الأندلسية، يحفظها ويحميها، ونتناقله جيلًا بعد جيل كي لا يسقط في النسيان، لأنّ الذاكرة الأندلسية هُمِّشت طويلًا، وهذا الغياب يقتُل الضحية مرّتين: لأنّها تموت حين تُقمع وتموت مرّة أخرى حين تُنسى.

تقول رضوى عاشور في هذا السياق:

والمُدهشُ أن الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تُروى.

ثانيًا: فهم الحاضر

بما أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار، فإنّ قراءة الماضي تساعدنا على فهم الحاضر واستيعابه والتعامل معه.

سقوط الأندلس مرحلة حزينة من مراحل تاريخنا، عاش المسلمون بعدها مرارة الاضطهاد والطرد والترحيل، والقراءةُ عن أحوالهم وآلامهم وأحزانهم هي وسيلة لفهم عذابات مجتمعات أخرى، قريبة منّا، عانت وتعاني مرارة القمع والتهجير والإقصاء.

تقول رضوى عاشور:

كلما قرأتُ أكثر -عن الأندلس- تشكلت أمام عيني ملامح تاريخ مقموع ومهمّش، مُسقَط في الغالب الأعم من الكتابات العربية، لماذا؟ تساءلتُ وما زلتُ، ففي الفترة تاريخٌ موازٍ، في عناصره من أسئلة الحاضر أكثر من سؤال: سؤال الانكسارات والنهايات، وسؤال الهوية والعلاقة بالآخر، سؤال التهميش وقمع الحريات والحق في الاختلاف.

هذه الأسئلة ما زالت تُلاحقنا إلى يومنا هذا، وما زالت تُشكّل جُزءًا مُهمًا من قضايانا العادلة، والقراءة عن التجارب القديمة المُشابهة بابٌ نحو فهمٍ أعمق لتجاربنا اليوم.

اقتباس مِن الرواية

رواية ثلاثية غرناطة كثيفة بأحداثها وأحزانها، وهناك الكثير من المقتطفات الجديرة بأن تُذكر، لكن أعتقد أنّ أكثر ما أثّر فِيّ هو هذه الجملة البسيطة التي تصف إحدى أبطال الرواية:

كانت مَريَمة تُغالِب زمانها.

أربع كلمات، وحِكمةٌ باقية.. أليس أفضل ما يحدث في زمن الهزيمة هو المقاومة؟ رفضُ الرضوخِ والانصياع، المحاولةُ الدائمة لاستراق شُعلة ما، والتحايل لكي لا نخسر أكثر مما يجب.. وكل ما عدا ذلك يتلاشى ويخبو كالرماد.

0

شاركنا رأيك حول "كانت مَريَمة تُغالِب زمانها: ثلاثية غرناطة رواية تاريخية تحكي عن سقوط الأندلس"