مسرحيات كوميدية
1

سنتحدث عن ترشيحات مسرحيات كوميدية (نصوص مسرحية) لمحاربة الكآبة الموسمية مناسبة للقراءة في فصل شتاء.. دائمًا ما أتذكر مقولة لفريدريك نيتشه في بداية شهر أكتوبر، حينما يصف موسيقاه المفضلة:

أريدها بهيجة وعميقة مثل عشية يوم من أيام أكتوبر. أن تكون فريدة من نوعها، جذلى ورقيقة، أنثى صغيرة وحلوة في عهرها وملاحتها… إنني لا أعرف كيف أميز بين الموسيقى والدموع.

لماذا اختار هذا الوصف تحديدًا؟ عمومًا، فشهر أكتوبر المتقلب، الذي يحمل بين طياته اصفرارًا مكثفًا، واضطرابًا جويًا واضحًا، يبعث على الكآبة مسببًا ما يعرف بالاضطراب العاطفي الموسمي قد يثبط من عزيمة القارئ، فتراه يقرأ صفحة أو بالكاد فقرة واحدة جراء هذا التحول العظيم.

إذا كنت تعاني من هذه المعضلة، فلدي حل قد يساعدك على تخطي هذه الأزمة. هذا الشهر، ستكون ترشيحات الكتب خفيفة الظل، عظيمة القدر. وستتطرق إلى شكل أدبي لا يتحدث عنه الكثيرون: المسرح.

نرشح لك قراءة: روائع المسرح العالمي تثري المكتبة العربية بنصوص من عيون التراث!

مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية

مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أكتوبر
مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أكتوبر

هذا النوع الأدبي غير الشائع لأسباب قد لا تبدو مبررة، فالرواية مثلًا تستحوذ على جزء كبير من حصيلة القارئ السنوية، فهي النوع الأدبي المفضل لدى الكثيرين. ربما أتطرق لتفضيل الرواية على الأنواع الأدبية الأخرى في مقال آخر. هنا سأكتفي بترشيح كتب مسرحية خفيفة تحارب هذه الكآبة الموسمية.

لأجل ذلك، اخترت كاتبين مسرحيين ساخرين، كتبوا نصوصًا مسرحية مضحكة، إلا أن رسالتها علاجية تريد استئصال السوس الذي نخر عصب المجتمع بقوة، فالكوميديا المبتذلة، التي تسخر دونما سبب، ما هي إلا فخ قد يغمسنا في الوحل أكثر من السابق. الكوميديا سلاح فعال للتغيير. لذلك فإن موليير ويوسف إدريس كتبوا نصوصًا كوميدية مضحكة لا ابتذال فيها، استطاعت أن تضحك وتوصل رسالة عظيمة. البداية ستكون مع مسرحيتي: الأولى للكاتب موليير تليهما مسرحية للكاتب يوسف إدريس.

نرشح لك قراءة: أفلام مقتبسة عن مسرحيات: أفكار بسيطة وحوارات مذهلة

الطبيب على الرغم منه

غلاف مسرحية طبيب على الرغم منه لموليير
مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: غلاف مسرحية طبيب على الرغم منه لموليير

تنتابني فرحة غير مبررة عند الحديث عن هذا العمل المسرحي. مسرحية قصيرة، تحكي قصة رجل أصبح طبيبًا على الرغم منه. “سغاناريل” الذي يعمل حطابًا يقع في مشادة لسانية مضحكة مع زوجته التي تشكو العوز والفقر، وفي كل مرة يجيبها بسخرية إلى أن يهددها بالضرب إذا لم تكف عن الكلام وتذهب، بالتأكيد لا تكف عن ذلك، وتبدأ باستفزازه بشكل أكبر، حتى تصل تلك النقطة التي يفقد فيها أعصابه ويضربها.

تبدأ رحلة الانتقام من الزوجة، فترد له الصاع صاعين بطريقة خبيثة تنم عن ذكاء ودهاء، إلا أن هذه الطريقة (والتي لا أذكرها هنا لخلق الرغبة في قراءة المسرحية) تعمل من هذا الحطاب طبيبًا لابنة رجل ثري، أصابها خرس مفاجئ.

تخيلوا معي حطابًا سكيرًا حاضر البديهة ذو ذكاء حاد، يصبح طبيبًا يحاول اكتشاف لغز الفتاة ومرضها العضال. قد نجد أن موليير كان ساخطًا على الأطباء والنظام الطبي في تلك الحقبة، إلا أن هذا يبدو جليًا أكثر في مسرحيته الكوميدية الساخرة: مريض الوهم.

نرشح لك قراءة: مسرحيات ساهمت في تطور تاريخ الإنسانية

مريض الوهم

مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: غلاف مسرحية مريض الوهم لموليير
مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: غلاف مسرحية مريض الوهم لموليير

هذه المسرحية هي آخر أعمال موليير، والذي توفي بعد معاناة شديدة مع المرض، وبالتالي أرى بأنه كان ساخطًا حاقدًا على ذلك النظام الطبي، الذي ربما استغل ضعف موليير، والذي استغل بالتأكيد أرغان بطل هذه المسرحية المريض بالوهم.

تتلخص فكرة مسرحية مريض الوهم حول ما قاله أرغان:

حجتي هي أني أريد أن أصاهر وأحالف الأطباء لأني مريض مقعد، ومصاهرتي للأطباء تسمح لي بأن أتكئ في مرضي على عضد أمين. وأن أوفر لعلتي مصادر الأدوية التي أنا بحاجة إليها.

بهذا ندرك بأن أرغان يريد أن يزوج ابنته بطبيب، فترفض كونها تحب شخصًا آخر، إلا أنه يجبرها على ذلك، إلا أن “توانيت” الخادمة، وهي أحد أظرف وألطف الشخصيات في هذه المسرحية، تساعد ابنة أرغان على تخطي هذه المشكلة.

في هذه المسرحية، نرى سخط موليير على النظام الأبوي السائد في المجتمع حينها، وكيف لهذا النظام أن يغير حياة أشخاص دون أدنى حق في سبيل مصلحته الشخصية، المبنية على وهم أصلًا، هكذا رأيتها وفهمتها.

موليير الملقب بشكسبير الفرنسي، سيأخذك في رحلة كوميدية قصيرة سلسلة، قد تنتهي من قراءة المسرحيتين في ساعة واحدة أو ساعتين.

نرشح لك قراءة: هاملت وماكبث: عندما نخضع الشخصيات الفنية للتحليل النفسي

الفرافير

مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: غلاف مسرحية الفرافير ليوسف إدريس
مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: غلاف مسرحية الفرافير ليوسف إدريس

الفرافير مسرحية عبقرية، بدأ يوسف إدريس في مقدمتها الطويلة يشرح رؤيته الفنية المسرحية، وكيف أن دور الجمهور لا يجب أن يتوقف على الفرجة فقط، بل عليه دور أكبر من ذلك، عليه الالتحام مع الممثلين، عليه أن يشارك في التمثيل، معتمدًا مبدأ أن الفنون في أصلها جماعية، فالمتفرجون هم أصلًا كانوا مشاركين في الحدث الفني الجماعي للحد الذي أصبحت الفرجة لهم أكبر متعة من المشاركة.

فالغناء مثلًا يبدأ جماعيًا إلى أن يصل إلى نقطة معينة يصبح فيها الشخص الأمهر يغني لوحده والجميع يتفرجون عليه، فهم وصلوا مرحلة وصفها إدريس “بالتجلي تجعل إحساس الفرد بصوته وبغنائه يتلاشى إلى درجة أنه إذا توقف لا يحس”.

لم يكتف إدريس بمحاولة إشراك الجمهور للتركيز على هذا التجلي، بل كانت الفكرة من هذه المسرحية، أن يقوم ممثلوها بتأليفها أمام الجمهور، أن يشعروهم بأن ما يشاهدونه غير مكتوب مسبقًا، أنهم بوجودهم يشاركون في هذا العمل الفني.

توج إدريس هذه الفكرة (فكرة إشراك الجمهور وتعزيز حس التجلي ذاك) بأن بدأ المسرحية مع شخصية المؤلف، موجهًا كلامه إلى الجمهور قائلًا: “… أنا مؤلف الرواية، واحنا كان ممكن نبتديها على طول ويقعد كل واحد فيكم يتفرج عليها في الضلمه لوحده كأنه في سينما”. هنا أعلنها إدريس صراحة: كلكم هنا ممثلون.

المقدمة التي جاءت على لسان شخصية مؤلف الرواية بديعة جدًا وذكية جدًا، بها صبغ إدريس فكرته بصراحة كاملة، دون إسقاطات أو رسائل غير مباشرة، فيتابع مؤلف الرواية قائلًا: “عشان كده مفيش في روايتي ممثلين ولا متفرجين، إنتم تمثلوا شوية والممثلين يتفرجوا شوية”. بذلك كان للنص المسرحي طابعًا عبثيًا فلسفيًا، حطم به إدريس الحائط الرابع بصراحة وجرأة منذ البداية.

الفرفور والسيد هما أبطال هذا العمل. الفرفور دائمًا في خدمة السيد في كل شيء، فلا طعم للسيد من غير فرفور. لا يغيب عن ذهن القارئ بأن موضوع الأسياد والعبيد، الأغنياء والفقراء، السلطة والشعب هي مواضيع مكررة، ولو قيل لي بأن المسرحية تحكي هذا الصراع لفكرت ألف مرة قبل قراءة هذا الموضوع المكرر، لكن إدريس عالجه بطريقة مختلفة، لا يتمكن من معالجتها إلا إدريس، المواضيع الرئيسية ستتكرر لا شك والذكاء عائد على طارحها.

التصاعد الدرامي في الأحداث يبلغ الذروة عندما يرفض فرفور الخادم المطيع أن يكون مطيعًا، يرفض أن يكون عبدًا لسيده، يبدأ بالتساؤل عن سبب كونه فرفورًا وعن سبب كون السيد سيدًا. بهذا السؤال الفلسفي ينهي إدريس الجزء الأول من مسرحيته.

تمتد هذه الذروة في الجزء الثاني والأخير، لنرى تمكن إدريس من الكتابة بأسلوب عبثي، طارحًا أسئلة فلسفية موجهة إلى الجمهور بشكل مباشر، علّه يصل مبتغاه ويتجلى، علّ الجمهور يصل إلى ذروة يشعر بها بأن مشاهدة المسرحية ممتع أكثر من المشاركة.

ترجم هذا العمل إلى عمل مسرحي على خشبة المسرح برؤية إخراجية ممتازة من المخرج كرم مطاوع، الذي استطاع أن يعطي نكهة التجلي المراد الوصل إليها، فكان الممثل توفيق الذقن والذي قام بدور السيد، يجلس بين الجمهور في الصف الأول كأنه متفرج، وكثيرًا ما كان هو وعبد السلام محمد الذي قام بدور فرفور بالنزول عن خشبة المسرح، وبذلك ألغيت المسافة بين الجمهور والممثلين. الأداء المسرحي وافق النص بشكل كبير جدًا، وتمكن كرم مطاوع من ترجمة هذا العمل بشكل ممتاز.

أراني هنا استطردت في الكلام عن مسرحية إدريس على حساب مسرحيتا موليير، إلا أن عمق أفكارها وعبثيتها المصبوغة بالنكتة أمران استحقا أن يكون لإدريس حصة أكبر في هذا المقال.

نرشح لك قراءة: أفضل وأسوأ الأفلام المقتبسة عن مسرحيات شكسبير

في النهاية.. أريد هذه الترشيحات بهيجة وعميقة مثل عشية يوم من أيام أكتوبر. أن تكون منقذة لقارئها، فتضحكه أولًا ثم تأخذه في رحلة فكرية أصيلة، من شأنها أن تحسن من مزاجه الذي لطخه الخريف بالاصفرار، أن تجعل مزاجه أخضر في أكتوبر، على غير العادة.

1

شاركنا رأيك حول "مسرحيات كوميدية لمحاربة الكآبة الموسمية: ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أكتوبر"