روايات أحمد خالد توفيق
0

عرف القراء الكاتب الراحل، الدكتور أحمد خالد توفيق، كرائد أدب الرعب في الوطن العربي، وكما يلقبه جمهوره العريض بالعرّاب، فماذا عن روايات أحمد خالد توفيق ومؤلفاته الأخرى خارج سلسلة ما وراء الطبيعة وأدب المغامرة والرعب؟ الواقع أنها جديرة بالنظر، لعدة أسباب يكشفها مشواره وتثبتها أفكاره.

السؤال الأولى: كيف بدأ توفيق رحلته من أدب “البوب” الشبابي إلى روايات سوداوية جادة مثل رواية يوتوبيا ورواية شآبيب مُصنفة للبالغين؟ تحكي عن هموم العرب، وفي نفس الوقت لا تخلو من الطابع التشويقي، السطور القادمة تحاول رصد ذلك.

من السلاسل إلى الروايات

روايات أحمد خالد توفيق بخلاف ما وراء الطبيعة
لهذا علينا قراءة روايات أحمد خالد توفيق الأخرى بخلاف أدب الرعب

تعرّف الجمهور د. أحمد خالد توفيق من خلال سلاسله الثلاث خلال التسعينيات، أولها وأشهرها ما وراء الطبيعة في أدب الرعب، ثم تلتها سلسة فانتازيا التي تسبر كل العوالم الخيالية كما يوحي اسمها، وأخيرًا سلسلة سافاري ذات الأجواء الطبية في أحراش إفريقيا السوداء، قبل أن يتبعهم برواياته الأخيرة خارج أدب الرعب والمغامرة.

أعداد سلسلة روايات "ما وراء الطبيعة" للدكتور أحمد خالد توفيق
أعداد سلسلة ما وراء الطبيعة للدكتور أحمد خالد توفيق

يقول توفيق عن كتابته في السلاسل أنّها سمحت له بالتجريب والمغامرة كما يشاء، فالنقاد لا يلتفتون لأدب الشباب في الوطن العربي وهذا شيء يحمد الله عليه، كما أنه حرص دومًا على جعل أعماله “عائلية” لا تحتوي مواضيع البالغين من أمور لاهوتية وحسية، حتى يقرأها جمهور السلاسل الشاب كوجبة ثقافية ممتعة دون مشاكل رقابية.

عن الثورة وشهوة المعرفة

جاء العام 2008 ليقرر د. أحمد خالد توفيق إصدار روايته الأولى المستقلة بعنوان يوتوبيا، بفكرة أكثر نضجًا وقتامة تنتمي لأدب الديستوبيا أو المدينة الفاسدة، الرواية لفتت إليه الأنظار كأديب ثقيل الوزن راقي الصنعة، فهي تحكي عن مستقبل مظلم في عام 2023، تنقسم فيه البلاد بين قسمين متعاكسين تمامًا، الأول شديد الثراء والثاني شديد الفقر، يسكن الأثرياء في الساحل الشمالي حيث يجدون كل وسائل الترفيه والغذاء والعلاج والحراسة، أما الفقراء فيعيشون في الأحياء العشوائية حيث الدعارة والمجاعة وكل أشكال التردي المعيشي.

تنتهي رواية يوتوبيا متنبئة بثورة 25 يناير، وبعد نجاحها الكبير الذي أدى لترجمتها إلى الإنجليزية في النهاية، أتبعها د. أحمد بموضوعات أخرى مغرية، مثل: روايته الثانية السنجة التي رصدت الواقع المؤلم للأحياء العشوائية بأكثر من زاوية، وتعرضت لثورة يناير نفسها في مجمل حديثها عن الطبقة الدنيا في مصر.

روايات دكتور أحمد خالد توفيق
روايات دكتور أحمد خالد توفيق بخلاف ما وراء الطبيعة

بعدها عاد بروايته مثل إيكاورس عن تيمة أكثر تعقيدًا، يسعى فيها البطل إلى المعرفة المطلقة بشكل شبه شهواني، ممتلكًا القدرة على قراءة سجلات التاريخ بل وتوقع المستقبل أيضًا، فيكشف نفوس الجميع حوله من أقربهم إلى أقصاهم، حتى وصل إلى زعماء الدول وعتاة الاقتصاد، وفازت مثل إيكاروس بجائزة أفضل رواية في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2016.

اقرأ أيضًا:

روايات مطوّرة عن أفكار سابقة

جاءت الرواية الخامسة في ممر الفئران لنشهد اتجاهًا جديدًا لمؤلفها، إذ يعود د. أحمد إلى أعداد السلاسل القديمة ليقدمها من جديد، خاصةً الأفكار المهمة بها والتي تحتمل المزيد من التطوير والاستزادة، فكانت الرواية مستقاة من أحد أعداد سلسلة ما وراء الطبيعة باسم أسطورة أرض الظلام.

رواية في ممر الفئران - أدب الرعب
من روايات أحمد خالد توفيق: رواية في ممر الفئران

تحكي رواية في ممر الفئران عن عالم مستقبلي كابوسي يغشاه الظلام بلا أي قبس من نور، يغطي الكوكب بأكمله ويترك البشر متخبطين تائهين، وقد رأى المؤلف أنّ أبعاد القصة الرمزية تسري على المجتمعات العربية بشدة، فأعاد تقديمها بشكل موسع، كما فعل مع رواية يوتوبيا نفسها التي لم تكن سوى رواية قصيرة منشورة على فصول في جريدة الدستور، ثم أضاف لها د. أحمد المزيد من الآفاق والأحداث لتصير كما نعرفها.

شآبيب الأخت الكبرى لـ وعد جوناثان

قبل صدورها، أدرك أغلب قُرّاء العرّاب أنّ شآبيب هي النسخة المُحدثة لأحد أعداد سلسلة فانتازيا باسم وعد جوناثان، وهو -بشهادة القُرّاء- أحد أقوى وأهم الأعداد، إذ يحكي عن عالم يُضطهد فيه العرب إلى درجة احتياجهم لوطن جديد يسكنون فيه، تمامًا كما جرى مع اليهود في الواقع!

شآبيب الأخت الكبرى لعدد وعد جوناثان - أدب الرعب - ما وراء الطبيعة
من روايات أحمد خالد توفيق: شآبيب الأخت الكبرى لرواية وعد جوناثان

بلا حرق كبير، شآبيب هي كلمة فصيحة تعني الدُفعة من المطر، وفي الرواية الأصلية نعرف أنّها أرض الميعاد للعرب، كما كانت فلسطين لليهود وفق تصورهم، فهل يحذّر المؤلف من تشرذم العرب وتفتتهم؟! أم يستشرف بخياله نتيجةً وشيكةً نوعًا ما في نظره.

اقرأ أيضًا:

رواية لم تكتمل

في حوار أجراه الأديب الراحل عام 2003، ذكر أنه يعكف على تأليف رواية خارج أدب الرعب والمغامرات منذ العام 1996، واختار لها اسم أيام الشهاب الأولى إذ تحكي عن شهاب يهوي على الأرض فيفصل الوطن العربي عن العالم الغربي تمامًا، ويكون على العرب العيش بمفردهم دون الغرب المتقدم بعلومه وصناعاته وصادراته.

تحدث توفيق كثيرًا عن سبب إيقافه لهذه الرواية رغم فكرتها المغرية عن البون الشاسع الحالي بين الشرق والغرب، فيقول في هذا الصدد بنفسه:

“كنت قد بدأت كتابة رواية اسمها أيام الشهاب الأولى منذ أعوام، كتبتها بتردد قاتل لدرجة كتابة سطرين أو ثلاثة كل أسبوع. لما بدأت الرواية تتخذ كيانًا ملموسًا فوجئت برواية الطوف الحجري لمؤلفها ساراماجو التى تحكي نفس الحبكة تقريبًا، ولو أنهيت روايتي فمن المستحيل أن يصدق أحد أنني لم أسرقها من ساراماجو. هكذا تخلصت من روايتي آسفًا، وإن سرّني أن فكرة لي اقتربت من أفكار هذا الأديب العظيم”.

لحسن الحظ أن بقية الروايات عوضت غياب هذه الفكرة القوية، فيبدو أن تناول واقع العرب كانت ثيمة تشغل بال توفيق كثيرًا، حتى إن إحدى أعداد فانتازيا المُسماة أسطورة أرض العظايا تحكي عن انقراض العرب أصلًا وعرضهم في المتاحف! وهي الفكرة القابلة بدورها للتقديم في عمل أقوى وأفضل، ولكن هل الرجل وحده من فعل هذا في مؤلفاته؟

الفكرة الجيدة تستحق أكثر

لم يكن الأديب الراحل مبتدعًا حين حوّل أفكاره الأقدم والأقصر في سلاسله إلى أشكال أخرى أنضج وأطول، فقد شرح بنفسه في مقدمة رواية “في ممر الفئران” أن أدباء عظماء فعلوا هذا مرارًا مثل روجر زيلاني وشريدان لوفانو، وهذان المثالان غيض من فيض إذا تتبعنا تاريخ الأدب بشكل عام.

من أشهر الأمثلة في هذا الصدد رواية الحارس في حقل الشوفان لمؤلفها ج. د. سالينجر، والتي كانت في الأصل قصة قصيرة بعنوان “نا مجنون، ثم أضاف لها المؤلف المزيد من الأحداث ودمجها مع قصص أخرى قصيرة لنفس شخصية البطل، وفي النهاية خرجت الرواية لتصبح علامة بارزة في الأدب الأمريكي.

في حوار آخر مع الأديب الياباني هاروكي موراكامي يقول: “عندما أنتهي من قصة ما، أقول لنفسي إنها أدّت غرضها، ولكن بعد عدة سنوات قد أحولها إلى رواية طويلة”، وضرب موراكامي مثالين على هذا بروايتيه الغابة النرويجية وحوليات الطائر النابض، فكلاهما كانتا نصًا قصيرًا في الأصل.

اقرأ أيضًا:

هل يأتي الأهتمام؟

أدب الرعب - مُلصق مسلسل "ما وراء الطبيعة"
مُلصق مسلسل ما وراء الطبيعة

مع تحويل سلسلة ما وراء الطبيعة إلى عمل درامي أنتجته شبكة نتفليكس هل تلقى روايات أحمد خالد توفيق الاهتمام المطلوب أخيرًا؟ خاصة مع رغبة المخرج الشاب عمرو سلامة في تحويل باكورة رواياته يوتوبيا إلى السينما منذ فترة طويلة، لولا عقبات الإنتاج التي حالت دون ذلك.

حتى يحدث هذا، تبقى روايات العرّاب الراحل علامة على تمكنه، ورغم تأخرها في الصدور منذ بدأ مشواره عام 1992، إلا أنها ضمنت لصاحبها مكانة مرموقة في هذا المجال، وربما تلفت بقية الأنظار لها في الأعوام القادمة.

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "لهذا علينا قراءة روايات أحمد خالد توفيق الأخرى بخلاف ما وراء الطبيعة"