الحرية المطلقة
0

من منا لم يتمنَّ من قبل أن تمنح له الحرية المطلقة حتى يقتل إنسانًا لا يحبه، أو يسرق شيئًا ثمينًا أعجبه، أو يتجول في الطرقات وهو يصيح ويغني دون أن يتعرض له أحد؟ نحن نريد بكل ذلك الإقبال على أفعال -جيّدة كانت بمنظورنا أو سيئة- دون عواقب أو تبعاتٍ تعود بالسّلب علينا: نريدُ أن نتحرّر من سطوة الرقيب. السّؤال الذي يطرح نفسه هنا يكمن في مدى تعارض هذه الحرية المطلقة مع الشعور بالمسؤولية، ومدى بشاعة ردود الفعل التي ستصدر منَّا إذا مُنحت لنا هذه الحرية حقًا (⊙_⊙)?

أثبتت تجربة مارينا أبراموفيتش الاجتماعية جانبًا مظلمًا و”دنيئًا” جدًّا من النفس الإنسانية، ممثّلًا في قابلية المرء للأذى، والتعرض للآخرين إن أُتيحت له فرصة ذلك ودون أيّ سبب مجدٍ أو مقنع. تجربة مارينا لم تكن الوحيدة للأسف، هناك ما تثبته تجارب الحياة اليومية التي لا شكّ وقد تعرضنا جميعًا لها، هناك ما أثبتته تجارب شبيهة لمارينا: سنحاول في هذا المقال أن نتعرّض للخطوط العريضة لهذه التجارب.

اقرأ أيضًا: هل نحن أحرار في هذا العالم؟ فلسفة الحياة بين المنافسة والحرية

مارينا أبراموفيتش: صاحبةُ تجربة “إيقاع 0 – Rythm0” المثيرة للجدل

الحرية المطلقة
مارينا أبراموفيتش: صاحبة التجربة المثيرة للجدل

مارينا أبراموفيتش هي فنانة صربية ولدت سنة 1946 وتخصّصت في فن الأداء – Performance والفن التشكيلي، فضلًا عن كونها مخرجة وكاتبة. عرفت بإتقانها لفن الأداء الذي بدأت في ممارسته منذ السبعينات، حتّى منحت على إثر ذلك لقب “جدّة فن الأداء الجسديّ”.

يركّز هذا الأخير على العلاقة بين أداء الفنان في أي مساحة كانت، وبين الجمهور، مع أخذ تفاعل كلٍّ منهما بعين الاعتبار لمعرفة مدى نجاح الفنان في إيصال الفكرة المرجوة عبر حركات جسده وتعابير وجهه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: تجربتها في السّير لمدة تسعين يومًا في سور الصّين العظيم هي وزوجها السّابق ثم التقاءهما في نقطة متفق عليها من أجل الوداع الأخير، ومضيّ كل منهما في سبيله.

ولعلّ البراعة التي تمتّعت بها مارينا في إيصال القيم والأفكار المرادة عبر تعابير وجه أو أداء جسديّ قد جعلت من جميع التجارب التي خاضتها مثيرةً للجدل، ومورثةً لتساؤلات مدى شجاعة هذه المرأة في الإقبال عليها. نعم، نحن نقصد هنا تحديدًا تجربتها الأكثر شهرةً والأكثر خطرًا، والمعروفة بإيقاع 0 – Rythm 0 التي قامت بها سنة 1974 وغيّرت عبرها الكثير من المفاهيم والتصوّرات وكشفت عن جنونِ النفس البشرية وجانبها المظلم في أوضح تجلياته، ففيم تتمثّل حيثياتها؟

اقرأ أيضًا: ها هو أفضل نمط صحيح لتعيش حياة جيدة جدًا

تفاصيل التّجربة: رواية الخوف من المجهول

قرّرت مارينا أن تقف لمدة ستّ ساعات متواصلة أمام الجمهور من دون حراك، ووضعت فوق الطاولة أكثر من 72 أداة، متباينة بين الريش، وقطع الشوكولاته، والمقص، والأزهار، والسّكين، والمسدس، وبعض الرصاص وسلاسل حديدية. كما كتبت في لافتة هناك بعض التعليمات: فن الآداء – Performance، أنا الهدف، خلال هذه الفترة أتحمّل المسؤولية كاملة، المدّة: 6 ساعات.

الأدوات التي وضعتها مارينا على الطاولة في إطار تجربتها الاجتماعية إيقاع 0.
الأدوات التي وضعتها مارينا على الطاولة في إطار تجربتها الاجتماعية إيقاع 0.

هل بدأتم تصور شعورها وهي تضع قدرها بين يديّ الآخرين؟ هل بدأتم استشعار معنى عدم قدرة المرء على قول لا؟ ماذا حدث بعدها؟

لقد كانت ردود الفعل في البداية مسالمةً جدًّا، الكلّ يبتسم لهذا المخلوق الواقف أمامهم من دون حركة ويحاول أن يكون لطيفًا. بعضهم وضع وردةً في يديها، والبعض الآخر أطعمها قطع الحلوى، وهناك من قام بتقبيلها. بعد مرور الوقت، بدأ الأمر يسلك منحى خطيرًا جدًّا ومغايرًا: اختلفت ردود الأفعال السّابقة نحو ردود أخرى مشبعةٍ بالعنف، متخمة بالظلام.

لقد حمل أحدهم المقصّ وبدأ في قطع ملابسها، هناك من أراد أن يغتصبها، هناك من أهانها، وهناك من حمل سكّينا وغرسه في قطعة خشب موضوعة بين ساقيها لمحاولة إرعابها. ووصل الأمر إلى حدّ توجيه أحدهم للمسدّس نحوها رغبةً في قتلها؛ كلّ ذلك رغم عدم معرفتهم بها، ورغم انعدام وجود أيّ دافع حقيقيّ أو سوابق بينها وبينهم.

تحوّلت التجربة لوهلة إلى فيلم رعب، كانت مارينا هي الضّحية، والمترقّب الأول لنهايته. تروي لنا مارينا خوفها من المجهول فتقول:

لقد كانت ستّ ساعات مليئة بالرّعب، تعلمت فيها بأنّه إذا تركت الأمر للجمهور، فبإمكانهم قتلك.. لقد شعرت فعلًا بأنّه تمّ انتهاكي والتعدّي عليّ.

بعد نهاية الوقت المحدّد للتجربة، وإعلان ذلك من طرف مسؤول القاعة، بدأت مارينا في التحرك، وبدأت تظهر مزامنة مع حركتها  علامات المفاجأة والتوتر على وجوه الآخرين، بعد أن عادوا إلى وعيهم وإلى الحقيقة الواضحة: حقيقة أن من كان أمامهم لم يكن نكرةً ولا شيئًا مجرّدًا بإمكانهم العبث به كما شاؤوا، لقد كان إنسانًا شبيهًا بهم، مع كل ما يحمله من مشاعر وحدود وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في حقّه.

وهنا نتساءل: ما الذي يحدّنا عن سلوك مسالك الشرّ والخطيئة؟ هل هي الرقابة الذاتية، أم الدينية أم المجتمعية؟ ليس المقصد من المقال الإجابة عن هذه التساؤلات بقدر ما كان الهدف منه إثارتها. لقد وضحت لنا تجربة مارينا ماهية خيارات الكثير منّا في لحظات الحرية المطلقة وعكست لنا قابلية النفس البشريّة للأذى والشرّ، وبيّنت بشكل واضح جدًّا تعارض الحرية المطلقة مع المسؤولية، وكيف تتغيّر ردود الفعل تبعًا لذلك.

الحرية أيضًا مرآة لجوهر الإنسان وسبيل لفهمِ حقيقته، ولعلّ هذا ما يتجلى في قول المفكّر المصريّ مصطفى محمود:

إِذا أردتَ أن تفهم إنسَانًا ما فانظر فعله في لحظةِ اختيارٍ حُرّ، وحينئذٍ سوف تفاجأ تمَامًا، فقد ترى القدّيس يزني، وقد ترى العاهرة تصلّي، وقد ترى الطبيب يشرب السمّ، وقد تُفاجأ بصديقك يطعنك، وبعدوّك ينقذك، وقد ترى الخادم سيّدًا في أفعاله، والسيّد أحقر من أحقر خادم في أعماله، وقد ترى ملوكا يرتشون وصعاليكَ يتصدّقون.

تجربة إيقاع 0 – Rythm0 حول الحرية المطلقة ليست الوحيدة

تجربة ماريا أبراموفيتش في الكشف عن خبايا النفس الإنسانية لم تكن الوحيدة، فقد سبقتها تجربة سجن ستانفورد الاجتماعية سنة 1971، التي قام بها الطبيب النفسيّ فيليب زيمباردو رفقة زملائه على مجموعة من طلبة جامعيّين وكانت نتيجتها مذهلة ومرعبة في الآن ذاته، كما ساهمت في تعزيز فكرة امتلاك الإنسان لقدرة خفيّة على التصرّف بسادية وغطرسة وعنف عندما تسمح الظروف المحيطة بذلك، وأصبحت مرجعًا يعتدّ به في علم النفس الاجتماعيّ.

تقوم هذه الأخيرة على تقسيم بعض الزملاء الجامعيين إلى مجموعتين: مجموعة تلعب دور السجّان، والأخرى تلعب دور المسجون، مقابل مبلغ ماليّ يكون فيه للمسجون النصيب الأكبر. ارتدت كلّ مجموعة لباسها وبدأت في تقمص الدور المخصّص لها، مع ملاحظة أنّ من لعبوا دور السجّان كانوا أكثر إتقانًا للدّور، وأكثر انسجامًا معه.

الحرية المطلقة
تجربة ستانفورد الاجتماعية.

وصلت هذه التجربة إلى مراحل متقدّمة جدًّا من عنف السّجانين مع المسجونين، وضربهم والتعدّي عليهم لفظيًّا وجسديًّا بطريقة تجعلنا نصدّق فعلًا بأن الأدوار حقيقية ولم تكن متقمّصة، رغم أنّهم كانوا قبل ساعات فقط زملاء في الجامعة ولم يكن بينهم أيّ تصفية حسابات، فقد أبدوا استجابةً مغايرة جدًّا عندما رفعت عنهم الرقابة والقيود، عندما منحوا الحرية المطلقة الأمر الذي اضطرّ الطبيب إلى إيقاف التجربة خوفًا على حياة المسجونين.

اقرأ أيضًا: تجربة سجن ستانفورد: عندما فشلت الإنسانية أمام الامتحان!

الثبات الأخلاقي هو الحل

من هنا أنتقل بكم إلى مختلف مواقف الحياة اليومية التي تواجهنا، فتدفع بعضًا منّا إلى الرضوخ، وتبيّن قوة وثبات البعض الآخر، كلّ ذلك بالاستناد إلى مرجعيات مختلفة كالدّين، والضمير الأخلاقيّ، والمبادئ الإنسانية. وإلّا، فما الذي يمنع المسافر إلى بلد أجنبية، والمتعوّد دومًا على أكل “طعام حلال – وفق ما يفرضه عليه دينه”، أو تلك المحجّبة، أو ذلك الذي لا يكذب أبدًا مهما كانت الظروف، أو ذلك المتوّرع عن أذية الآخرين والافتراء عليهم، ما الذي يمنع هؤلاء جميعًا وغيرهم من التراجع عمّا يفعلونه ويؤمنون به في ظلّ غياب حكم العرف وآراء المجتمع وسطوة القانون، وحيث لا رقيب سوى الرقابة الذاتية؟

هذه الأخيرة المنبعثة من قلب الإنسان “الحرّ” والتي ترافق الحرية المطلقة لتكسبها طابع المسؤولية وتخرجها عن مفهومها الضيّق الذي يخوّل لصاحبها فعل أيّ شيء يريده مهما كان، فيتجاوز حدود غيره، ويتجاوز ما يمليه عليه ضميره. هذه الرقابة المنبعثة كذلك، من ثبات أخلاقيّ عميق.

إنّ كل قوة في العالم، تبدَأُ بثباتٍ أخلاقيّ وكلّ هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقيّ. – علي عزّت بيغوفيتش

0

شاركنا رأيك حول "تجربة مارينا أبراموفيتش: هل تؤدي الحرية المطلقة إلى كشف الجانب المظلم من الإنسان؟"