فيورباخ و الاغتراب الديني
0

لعل أفضل طريقة يمكن من خلالها الولوج في بحث موضوع الاغتراب الديني عند فيورباخ، ستكون بداية في تعريف معنى الاغتراب وتوضيحه، فهو يعني لغةً “البعد عن الأهل والوطن” كما يقول ابراهيم مدكور في معجمه الفلسفي، أما اصطلاحاً فقد حملَ معانٍ متعددة ومتنوعة، فقد يعني الابتعاد عن الأوطان، أو قد يعني انتزاع ملكية من شخص ما، وأحياناً قد يشير إلى نوع من الاضطراب العقلي، ولكنه عموماً قد يشير من وجهة نظرنا إلى الابتعاد والترك بغض النظر عن طبيعة هذا الابتعاد، وهو أيضاً شعور مرافق للكثير من الناس في حالات الضيق والشدة.

ولكن ما هو الاغتراب الديني عند فيورباخ؟ وكيف يتكون؟ وما الذي دفع فيلسوفاً مثل فيورباخ لكي يهتم بهذا الموضوع؟§

اقرأ أيضًا: الاغتراب الديني: نقلة وانفصال في حياة الإنسان

الاغتراب الديني… مفهومه العام

نستطيع القول بأن جذور الاغتراب في الرواية الدينية تعود إلى قصة آدم وحواء، إلى تلك الخطيئة الأولى التي جعلته ينفصل عن جنته نتيجة عصيانه للرب، وهذه الفكرة يؤكدها محمود رجب في كتابه الاغتراب، ونجد لدى الفلاسفة ما يؤكد ذلك في ما أورده ابن عربي بفتوحاته المكية قوله: “إن أول غربة اغتربناها وجوداً حسياً عن وطننا غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بربوبية الله علينا، ثم عمرّنا بطون الأمهات، فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة”.

من ناحية أخرى يشير الباحث عرفات كرم مصطفى إلى أن مفهوم الغريب حسب السنة النبوية هو ذلك المؤمن الذي ترك موطنه وقبيلته وأهله وخلانه من أجل الفرار بدينه وفكره، وهؤلاء قلة قليلة.

وربما إن قمنا بالتمعن بمفهوم الاغتراب الديني، سنجد أن الخطايا التي ارتكبها الإنسان عبر التاريخ تمثل نوعاً من الاغتراب بالمنظور الديني، والمسألة ليست مرتبطة بدين دون آخر وإنما يمكن تعميمها على الأديان كافة وهذا ما فعله الفيلسوف الألماني فيورباخ، عندما كشف عن الاغتراب الديني في الديانة المسيحية.

ولكن كيف كشف فيورباخ عن الاغتراب في فلسفة الدين؟

لودفيغ فيورباخ (1804- 1872) فيلسوف وأنثربولوجي ألماني، اشتهر بسبب كتابه (جوهر المسيحية) الذي قدم فيه نقداً للمسيحية كان له كبير الأثر على المفكرين والفلاسفة اللاحقين من أمثال ماركس وانجلز ونيتشه.§

يرى فيروباخ أن الاغتراب أساساً هو الاغتراب الديني، وهو الذي يؤدي لكل اغتراب فلسفي أو اجتماعي، ويعود ذلك إلى أنه أسهل أنواع الاغتراب وأسرعها كما يشير المفكر حسن حنفي، فالدين الذي هو أفيون الشعب كما يعبر الفيلسوف ماركس، يكون متغلغلاً فينا ونتشربه منذ نعومة أظافرنا، وعندما نصل في مرحلة ما إلى وعي مختلف عما عهدناه، فإننا ندخل في دوامة تتسبب في تخلخل ما آمنا به.

فيورباخ

يتضح موقف فيورباخ من فلسفة الدين في كتابه المشهور “جوهر المسيحية” والذي يعتبر واحداً من أهم المؤلفات عبر التاريخ، ولكي يمهد فيورباخ لنقد فكرة الدين، يبدأ من كينونة الإنسان نفسه، فيميز بين الإنسان والحيوان من حيث قدرة الإنسان على التفكير في الدين، فالحيوان لا دين له والوعي هو الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان “لكن الوعي يجب أن يؤخذ هنا بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن الوعي بمعنى الشعور بالذات، بمعنى القدرة على التمييز بين كائن محسوس وآخر”، وبما أن الدين هو وعي للانهائي، يبدو الوعي الديني خاصاً بالإنسان.

اقرأ أيضًا: تبدد الشخصية والاغتراب عن الواقع: أن ينفصل عقلك عن جسدك وتقع ضحية الاضطرابات التفارقية

خطآن أساسيان في الفكر الديني…

يوضح المفكر حسن حنفي أن ثمة خطآن أساسيان في الفكر الديني، ينطلق منهما فيورباخ: الأول هو اعتبار الروايات الدينية حقائق واقعية، والثاني النظر إلى قواعد الإيمان بوصفها قواعد فلسفية يمكن البرهنة عليها.§

يؤدي الخطأ الأول إلى جعل المسلمات الدينية تتحدث بدلاً من العقل ويلغي بذلك فاعلية العقل، أما الخطأ الثاني فهو يجعل من الدين أفضل من الفلسفة، ولكننا إذا أخذنا الموضوع من جانب آخر سيتبين لنا أن التفكير باللامحدود هو دلالة على لا محدودية العقل والفكر، “فالإلهي لا يمكن معرفته إلا من خلال ما هو في ذاته إلهي” كما يقول فيورباخ، “فالإله مظهر من مظاهر الطبيعة الداخلية للإنسان”.

إن عدم اكتشاف الإنسان لهذه الحقيقة هو ما يجعله في لحظة من اللحظات يغترب عن ذاته، وهنا يظهر الاغتراب الديني بوصفه ثيولوجيا الدين، الذي يعني “اتخاذ موقف ديني مزيف نتج عن تصور الثيولوجيا على أنها علم الله يتحدث عن ذات الله وصفاته وأفعاله، ويجعل الله موضوعاً مستقلاً عن الإنسان” كما يذهب حسن حنفي.

جوهرا الدين: الأنثربولوجيا والثيولوجيا…

إذاً يبدأ الاغتراب الديني من الثيولوجيا التي تجعل الإنسان ينحرف عن جوهر الدين الحقيقي، أي بوصف الدين أنثربولوجيا لأن ألوهية الإنسان سابقة على إنسانية الله، فالإنسان هو أصل الدين، وهو غايته ومنتهاه.

مع الثيولوجيا تظهر تناقضات الدين، ويفقد الدين قدرته على الوعي بالطبيعة الإنسانية، ويتجه لمعارضة كل ما هو إنساني، وتتحول معرفتنا للإله إلى خارج الذات، وتظهر التناقضات في الإيمان والحب، في النظرة التأملية لله، في التثليث بالنسبة للمسيحية، في الطقوس، وحتى في وجود الله ذاته، إذ تتحول علاقة الإنسان مع الدين بوصفها علاقة منفعلة، وغريبة عنه وفقاً لفيورباخ.

لقد حاول فيورباخ تقديم نقد حقيقي للدين، مبيناً أسباب الاغتراب الديني بوصفه نتيجة ظهرت مع إنكار الإنسان لوعيه الذاتي، وقلبه وشعوره، فهو لم يهدف إلى هدم الدين كما يؤكد حسن حنفي، وإنما كان ما قدمه محاولة لإعادة فهم الدين بوصفه الشعور الأول للإنسان بذاته، فعندما يختزل الإنسان ذاته ويتحول إلى موضوع أو غرض، فإنه بذلك يفقد فعاليته الأساسية والحقيقية فكما يقول فيورباخ: “الإله هو كينونة الإنسان الأكثر ذاتية… وفي الإنقباض الديني تغادر كينونة الإنسان من ذاتها إلى إسقاط خارجي، الإنسان يتبرأ من نفسه، يرفضها”.

في النتيجة

لا يمكننا اعتبار فيورباخ ملحداً، فهو لم يرفض فكرة الدين رفضاً قطعياً، وإنما ذهب إلى ما هو أعمق من ذلك، لقد حاول فيورباخ أن يبين أن شعور الإنسان بالاستلاب والاغتراب الديني هو أشد أنواع الاغتراب وأولها، وربط ذلك بوجهة نظر أنثربولوجية معتبراً أن شعور الإنسان بالخوف من المجهول، والضعف أمام الأحداث الكبرى جعله يبحث عن حل يعطيه الطمأنينة، فاخترع فكرة الإله، وجعلها خارج ذاته ووعيه، وحوّل كل أفعاله الخيّرة والشريرة إليها، فأصبح مغترباً عن ذاته، وعاش تناقضات جعلته يحول الفعل الأخلاقي إلى ضرورة دينية، والمحبة إلى مكسب رباني.

في الحقيقة… قد يكون أفضل ما نقوم به في حياتنا، أن نقوم بالفعل الأخلاقي لأنه ما يجب القيام به ولأن ذلك يقربنا من الإله، مثلاً علينا أن نحب ونتزوج لأن في ذلك معنى إنسانيتنا وليس لأن الزواج رابط مقدس، علينا أن نملأ قلوبنا محبة، ليس لأن الله محبة وإنما لأن جوهرنا الحقيقي محبة، علينا أن نحاول ونسعى لأن في السعي استمرارنا وليس مجرد واجب، فالله في ذواتنا، ووعينا لذاتنا هو وعي للحقيقة.

وربما يكون خير ختام لما سبق هو ما يقوله حسن حنفي: “يجب علينا قلب العلاقات الدينية، وتفسير الوسائل على أنها غايات: فالماء ليس هو الماء المقدس في العماد بل الماء في الطبيعة. والخبز ليس هو الخبز المقدس بل هو خبز الجوعى. والجسد ليس الجسد المقدس بل جسد الإنسان العادي. والدم ليس الدم المقدس بل دم الشهداء والضحايا، إن الطبيعة في حاجة إلى الإنسان كما أن الإنسان في حاجة إلى الطبيعة، والطعام والشراب، هذا هو سر المشاركة”.

وأنتم ما رأيكم؟

اقرأ أيضًا: قوّة الموسيقا: ما الذي قاله أبرز الكتّاب والفلاسفة عنها؟

0

شاركنا رأيك حول "الاغتراب الديني في فلسفة فيورباخ: من الأنثربولوجيا إلى الثيولوجيا"