ماذا تعرف عن فلسفة البينذاتية: تعرّف على الفلاسفة الذين أسسوا للعلاقة بين الذات والغير

البينذاتية
د. بتول محمد
د. بتول محمد

6 د

هل سبق وسمعتم بمصطلح البينذاتية؟ هل قرأتموه في الكتب التي نالت اهتمامكم؟ أو ورد في دراساتكم؟

لكل مهتم بالفلسفة أو مطلّع، سنتعرف اليوم على مصطلح يعتبر واحداً من أهم المصطلحات التي ركزت عليها الفلسفة في القرن العشرين حتى يومنا هذا، فما هي البينذاتية؟ وكيف عرّفها الفلاسفة وتعاملوا معها؟


تعريف البينذاتية

البينذاتية مصطلح يتألف من مقطعين هما (Inter) و (Subjectivity) ويبدو لنا ضرورياً لكي نعرّف البينذاتيّة كمصطلحٍ فلسفي أنّ نوضح معنى الذاتيّة من الناحية الفلسفية.

تُعدّ الذّاتيّة (subjectivity) “أساس الفكر الغربي بدءاً من سقراط الذي وجّه انتباه الفلاسفة إلى ضرورة معرفة الذّات محولاً مجرى التفكير الفلسفي من السّماء إلى الأرض رافعاً شعار معبد دلفي: اعرف نفسك بنفسك”، فعندما نتفحص حياة سقراط الفكرية سنعرف أنّه كان أول من طرح فكرة العودة إلى داخل الذات لمعرفة هذه الذات فقد كان سقراط مهتماً بالتعريفات الكليّة: أي ببلوغ تصوراتٍ محددةٍ وثابتة.

وهناك معاني متعددة للذاتية في الفلسفة فهي تشير في المنطق إلى الاعتبارات التي تقول: بأنّه لا يوجد حقيقةٌ مطلقةٌ تقوم على أساسٍ موضوعيّ كما ورد لدى السفسطائيين، أمّا في الأخلاق فهي تدّل على كلّ مذهبٍ يرى أنّ الخير والشّر يقومان على اعتبارات شخصية، ويبرز ذلك لدى الوضعيين المنطقيين والفلاسفة الوجوديين وسارتر، وفي علم الجمال تدّل الذاتيّة على النّظرية التي تردّ الأحكام الجماليّة إلى الأفراد.

ذو صلة

أما البينذاتيّة فهو مصطلحٌ معاصرٌ يشير للتأسيس إلى طبيعة العلاقة بين الذات والغير، والغير هنا قد يكون موضوعاً خارجياً أو ذاتاً أخرى مقابلة، أو قد يكون موضوعاً متوضعاً في الذات نفسها سواء كان هذا الموضوع ذاتاً أخرى أم لا. ورغم أنّ هذا المصطلح معاصرٌ إلا أنّنا نجد ملامح للبينذاتية في الفلسفات الحديثة، كمحاولة لإيجاد ملامح إمكانية العلاقة بين الأنا والغير خاصة بعد ديكارت. لذلك يبدو ضرورياً لنا أنّ نشير إلى ثلاثة فلاسفة أسسوا لفلسفة الذاتيّة هم أفلاطون، ديكارت وكانط.


فلسفة الذاتية: تمهيد للخوض في غمار البينذاتية…

تبدو الذاتيّة والفرديّة واضحةً في نسق أفلاطون (Plato) عندما يتحدث في (الجمهورية) عن المخلص الفيلسوف، والذي تتبلور صورته من خلاله المعرفة الفرديّة، فأسطورة الكهف خير مثال على ذاتية أفلاطون، لأنّ الفيلسوف وحده من يستطيع التحرر من قيود الكهف المظلم ليحصل على المعرفة الحقيقية، في مقابل الآخرين الذين يبقون مقيدين بسلاسل التّقاليد والأوهام.

وفي العصر الحديث فقد وجد ديكارت صياغته النهائية التي ركزت على الذاتيّة والفردية من خلال الكوجيتو المشهور، والذي يظهر من خلاله الوعي الذاتي “إذ أي شيء أنا؟ أنا شيء يفكر… بديهي أنّني أنا هو الكائن الذي يشك. وأنا هو الكائن الذي يدرك. وأنا هو الكائن الذي يرغب”.

وقد أثارت أفكار ديكارت الكثير من الجدل فيما بعد، وكانت أساساً لنوع جديد من التساؤلات الفلسفيّة منها: كيف من الممكن للشك الديكارتي الجذري الفردي الذّاتي أن يُكون معرفةً يقينيةً لأيّ موضوع في العالم الماديّ؟ وكيف يمكن لهذه الذّات الفرديّة المعزولة أن تكون على يقينٍ حول معرفتها للعقول الأخرى- مشكلة البينذاتيّة؟

في مقابل ذلك حاول كانط (Kant) أنّ يأتي بتوليفةٍ جديدة للإجابة عن التساؤلات التّي تتعلق بالمعرفة ومصدرها، عندما تحدث عن نوعين من الأحكام: تحليليّة قبليّة، وتركيبيّة، وهي إما تركيبيّة ذاتية أو أحكام إحساس أي خاضعة للتجربة، ويبين كانط أنّ “جميع أحكامنا ذاتية أولاً تترجم عن شعورنا وتخضع لقانون التداعي ثم يصير بعضها موضوعياً”. وهنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ ما يقصده كانط بموضوعي ما “كان له قيمة كلية مستقلة عن الشخص بما هو شخص. كلّ ما سبق مثّل أرضيّةً هامةً لنشوء البينذاتيّة، خاصّة وأنّ ما جاء به ديكارت أدّى للفصل بين عقولنا وبين كلّ ما هو خارجها، مما أدى للسقوط في الأنا الواحدية أو الأنانية التي تشير إلى الفردية وإلى أن الفكر لا يدرك إلا تصوراته.

وفي محاولةٍ للتغلب على الأنا الواحديّة، سعى الكثير من الفلاسفة بعد ديكارت للاهتمام بالآخر، وهذا أسس لنشوء البينذاتية، فمن هم هؤلاء الفلاسفة وما الذي قدموه؟


الغير في موضع الاهتمام…

يُعدّ الفيلسوف الألماني فريدريك هاينرتش جاكوبي (1743- 1819) (Jacobi) الأول في سلسلة الفلاسفة الأوربيين الذين ناقشوا نظرية العقل عند ديكارت انطلاقاً من منظور البينذاتيّة، كما نفى جاكوبي أسبقيّة الأنا التي تفكر أو الذّات المفكّرة التي قال بها ديكارت وقرّر أنّ “العالم يسبق الأفكار ذاتها. وبالنسبة لجاكوبي أسبقيّة وعينا المباشر للعالم يترجم إلى تأكيد- بدون الآخر، الأنا مستحيل/”.

البينذاتية

مع فيخته تبدو البينذاتية واضحةً عنده مثلاً من خلال مفهوم الحريّة، فرغم تأكيد فيخته على الوعي الذّاتي بنفسه وانعكاسه، تبدو العلاقة واضحة لديه مع الآخر، فهو يبين أنّ الفرد لا يدرك حريته إلا في عالم الماديات والآخرين، ولذلك “وضعت الأنا اللامتناهية كل أنا متناهية في علاقة بأنات أخرى وبالعالم الفيزيائي”.

أما هيغل (Hegel) فقد مثّل كتابه (فينومينولوجيا الرّوح) تجسيداً للبينذاتيّة عبر جدليّة السّيد والعبد إذ تكشف الذّات عن ذاتها في تجليّاتها في الواقع أي مع الآخر. فعندما يضطر السّيد في لحظة الحقيقة بالاعتراف باستقلاليّة العبد فإنّه بذلك يقبله وعياً ذاتياً آخر، والعبد أيضاً يعرف نفسه على أنّه وعي ذاتي.


الفينومينولوجيا واستخدام مصطلح البينذاتية

مع الفينومينولوجيا استخدم مصطلح البينذاتيّة وبشكل صريحٍ لدى هُسرل في التّأمل الخامس من كتابه (تأملات ديكارتيّة)، وحاول في جزءٍ من هذا الكتاب حلّ مشكلة الأنا الوحدية التي سقطت بها الفلسفات الحديثة بشكل عام وفلسفة ديكارت بشكل خاص.

ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ نظريّة البينذاتيّة احتلّت مكانة هامة في فلسفة هُسرل، فهذه النّظرية وخاصّة مفهوم الأنا المتعالي على حدّ تعبير عالم النفس روجر فري تحتفظ بتحيز مونولوجي قوي.

في الحقيقة يعالج هُسرل مشكلة البينذاتيّة بالانطلاق من الذاتيّة، إذ يبين أنّ الأنا هي التي تعي ذاتها عبر التسلسل الفينومينولوجي الذي يطور الأنا التجريبي ويجعله يصل إلى الأنا المتعالي، بعد ذلك تنتقل لمرحلة وعي الغير خاصة وأنّ التسلسل الفينومينولوجي لا يكتمل إلا من خلال اعترافنا بوجود هذا الغير عبر ما يسمى بالبينذاتيّة.

في المقابل تأثرت الفيلسوفة الألمانية (1891 – 1942) ايديث شتاين (Edith Stein) بأستاذها هُسرل بفكرة البينذاتيّة لديه، ودرستها من خلال رؤيتها للفينومينولوجيا. وهي ترى أنّ للبينذاتية العديد من الوظائف، لأنّها تتيح التّعاطف، والتّعاطف في الفينومينولوجيا ينطوي على التعامل مع معاناة الشخص بصفته ذاتاً أكثر مما هو كائنٌ بين الكائنات، وبذلك يرى المرء نفسه من وجهة نظر الآخر.


موريس ميرلوبونتي وحل مشكلة الأنا واحدية

حاول الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (Merleau-ponty) حلّ مشكلة الأنا الواحديّة من خلال إفراغ الوعي من المعنى الفينومينولوجي، وربطه بالعالم مبيناً أنّ هناك علاقةٌ جدليّةٌ بين الوعي والعالم، وبدون الذّوات يصبح العالم بدون أبعاد أو جهات.

ويحللّ ميرلوبونتي في كتابه (ظواهرية الإدراك) (1945)م العلاقة مع الغير، ويذهب فيه إلى أنّه لا يمكن تشييء الغير والنّظر اليه كموضوع في عالم الأشياء، لأنّ للغير وجود في ذاته ووجود من أجل ذاته، فالمفّكر والمفَكر فيه يختلطان داخل الغير.

إذاً بالنسبة لميرلوبونتي تبدو العلاقة بين الأنا والآخر علاقةً تفاعليةً لا يمكن التغاضي عنها أو اغفالها.

في النتيجة

يمكننا القول إنّ مصطلح البينذاتيّة تطور تاريخياً بالانطلاق من الكوجيتو الديكارتي، وجاءت محاولات الفلاسفة منذ ذلك الوقت لتحلّ مشكلة السّقوط في الأنا الواحديّة التي أسّست لها الفلسفات الذاتيّة، فكانت البينذاتيّة أساساً لهذه المحاولات، ورغم أنّ استخدام المصطلح يعتبر معاصراً؛ إلا أنّ ملامحه تظهر بدءاً من ديكارت حتّى وقتنا الراهن، مع الإشارة إلى أنّ دراسة البينذاتيّة لم تكن يوماً منفصلة عن دراستنا للوعي.

فالبينذاتية هي المفتاح الذي حرر الكثير من الفلسفات من قيد الأنا وحدية، وأسس لبناء فلسفة للمشاركة انطلاقاً من القناعة بأنّ معرفة الآخر شرط لازم وضروري لاستكمال الفلسفة الفينومينولوجية تحديداً خاصة وأن هذا المصطلح ارتبط فيها، فهي الحل الأمثل للانفتاح على العالم، على مستوى الوعي بالدرجة الأولى وقد تتبلور بصورة عينية.

اقرأ أيضًا: كيف نقرأ الفلسفة؟ ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أبريل 2021

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.