تدل كلمة المستحاثات على بقايا أو آثار الكائنات الحية التي حفظتها القشرة الأرضية منذ آلاف السنين، فعند موت هذه الكائنات يُطمر بعضها تحت الأتربة والرمال، أمّا البعض الآخر فينجرف إلى الماء و يُدفن في أعماق البحار والمحيطات، فتتحلل أنسجتها الرخوة كالمخ والأعصاب وتذوب، وتبقى الأجزاء القاسية متحجرةً كالهياكل العظمية والغضروفية والأسنان وغيرها بواسطة عواملَ جويةٍ معينةٍ. إذن، أين توجد تلك البقايا؟ وهل تمكّن العلماء من تحديد عمر المستحاثات حقًّا!؟1

موطن المستحاثات

تعددت أنواع وأشكال المستحاثات والحفريات، وذلك لظهور أنواعٍ مختلفةٍ من الكائنات مع مرور الزمن، فقد صنفت أنواعها الأشهر الى الهياكل العظمية والطبعات الكربونية والأحافير المحفوظة في الكهرمان أو الثلج، والبقايا العضوية، حيث تتواجد هذه الأصناف في جميع بقاع الأرض ولكن هناك مناطق تتميز بغناها بالأحافير عن غيرها، فقد تتواجد بكثرةٍ في المناطق المكشوفة للصخور الرسوبية، والصحارى وسفوح الجبال والوديان وضفاف الأنهار.2

الخطوات الأولى في دراسة عمر المستحاثات

تتم دراسة علم الأحافير لأهدافٍ عديدةٍ ومنها التعرف على أشكال وبيئة الحياة القديمة وأنماط معيشتها ومعرفة أصناف الحيوانات والنباتات المنقرضة التي لم تشهدها البشرية الحالية، وتدرس أيضًا لمقارنة الصخور والأتربة بين بعضها البعض، وللكشف عن الخرائط والاتجاهات والقارات القديمة التي شهدت انقساماتٍ جيولوجيةً عديدةً، وما هي وجه التشابه والاختلاف بين المناخ السائد في عصر المخلوقات الضخمة الغريبة وبين زمننا الحالي، وأخيرًا لتقدير العمر الجيولوجي للكائنات الحية بجميع أنواعها.

كانت العالمة ماري شفايتزر أول من قام بإثارة الفضول حول اكتشاف عمر المستحاثات عندما قامت باكتشاف أنسجةٍ لديناصور متحجرٍ، وحينها قدرت العالمة عمر العظام بنحو 65 مليون عام، ومن هنا بدأت مسيرة العلماء في طرح الأسئلة حول أنسجة هذا الديناصور المتحللة والمتحجرة.

بدايةً، يبدو أنّ الأمر شبه مستحيلٍ، فكيف تسطيع أنّ تعرف عمر كائن مدفون تحت الأرض منذ ملايين السنين؟

لكن ليس هناك ما يصعب على العلم والعلماء، فمن خلال بعض الدراسات والتقنيات الحديثة والنظريات الجيولوجية المتعلقة بحركة القشرة الأرضية، استطاعوا أنّ يُقّدروا أعمار العديد من المستحاثات فما هي التقنيات التي اتبعوها؟!3

التقنيات المستخدمة في تعيين عمر المستحاثات

اعتمد العلماء والجيولوجيون في اكتشافاتهم حول عمر المستحاثات على العديد من الطرق والتقنيات الحديثة والمطورة ومنها تقنية التأريخ الإشعاعي، فمن المعروف عن النظائر المشعة أنها تتواجد في أغلب الأشياء كالطعام والعظام والأسنان والأحجار، ولهذا اعتمدت هذه التقنية على النظائر المشعة لتحديد عمر المتحجرات والمستحاثات بطرائقَ متنوعةٍ ومختلفةٍ من ناحية الدقة والمدة الزمنية والتكاليف.

يُعتبر الكربون 14 من أكثر النظائر شهرةً في وقتنا الحالي، إذ يبلغ عمره النصف 5730 سنة تقريبًا، ولهذا يمكن استخدامه في دراسة عمر المستحاثات التي تعود لتاريخ 50000 سنةً وما دون مثل الديناصورات.

كما شاع وجود بعض النظائر الإشعاعية في الصخور البركانية والنارية مثل البوتاسيوم 40 واليورانيوم 238، واليورانيوم 235 في تقنية التأريخ الإشعاعي القديمة والتي بَلغ عمر النصف لكلٍ منها مليارًا وأربعين عام، 4.4 مليار عام، و703 مليون عام على الترتيب، وبناءً على هذه الدراسات قُدر عمر الأرض بنحو 4.5 مليار عام.4

كما اعتمد العلماء أيضًا على تقنية التأريخ المقارن، ولم تعتمد هذه النظرية على طُرقٍ معقدةٍ لتحديد عمر المستحاثات الحفريات، بل استندت على مبدأ بسيطٍ، وهو عندما تبدأ أنواع الصخور الرسوبية بالتكوّن شيئًا فشيئًا مُشكلةً طبقاتٍ عديدة، فمن المعقول أنّ تكون الطبقات السفلية أقدم من الطبقات العلوية؛ بمعنى آخر يتم تحديد عمر الحفريات من حيث مكان توضعها من الأسفل إلى الأعلى.

كما قام بعض العلماء باستخدام طريقة المغناطيسية الأرضية لقياس عمر المستحاثات أيضًا، فنحن نعلم أنّ قاراتنا السبع تتلاشى ويتغير مكانها مع مرور الزمن بما فيها القطب المغناطيسي الشمالي للكرة الأرضية، حيث يعتقد الباحثون الجيولوجيون أنّ الكائنات التي تحجرت في زمنٍ معينٍ زحفت مع مرور الزمن باتجاه القطب الشمالي، وقد تمّ قياس عمرها على أساس اتجاه المستحاثات من مكانها الأصلي إلى القطب المغناطيسي.

لم تكن تلك الطرق هي الوحيدة في تحديد عمر المستحاثات، فقد اعتمد العلماء على طرقٍ أخرى يمكنها فعل ذلك كتحليل الأحماض الأمينية، وتطوير بعض التقنيات الإشعاعية كإضافة الليزر مثلًا لمعرفة عمر الحفريات ضئيلة الحجم.5

المراجع