إحدى العبارات الشهيرة التي قالها الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين واصفًا ظاهرة فيزيائية غامضة تعطي تفسيرًا نظريًّا لارتباط الجسيمات ببعضها البعض عن بُعدٍ وتعرف هذه الظاهرة بالتشابك الكمومي، هي عبارة التأثير الشبحي عن بعدٍ ولم يكن يقصد بهذه الجملة – أو بالأحرى مصطلح شبحي – وصفًا دقيقًا للظاهرة؛ وإنما كان قوله على سبيل السخرية.

وذلك عندما كانت ميكانيكا الكم في بداياتها، تُداهم الوسط العلمي بكل ما هو غريبٌ وغامضٌ، وتخطو أولى خطواتها نحو الفيزياء الحديثة؛ لتؤكد على نظريات السابقين أو تنفيها حتى أوقدت بنظرياتها الغامضة ثورةً علميةً ما زالت مستمرةً حتى يومنا هذا..

لقد كانت ميكانيكا الكم ثوريّةً بامتيازٍ، مُغايرة بدون منازع؛ حيث خالفت قوانين الفيزياء الكلاسيكية في وصفها للعالم الذري ودون الذري، فاستبدلت الحقائق البسيطة في فيزياء إسحق نيوتن بنتائج تقوم على الاحتمالية. لكن هل كان أينشتاين على حقٍ عندما استنكر التشابك الكمومي؟ وما هو التشابك الكمي الذي حيّر العلماء وأولهم أينشتاين حتى يصفه بالشبحيّة؟

التأثير الشبحي عن بعد والحبُ على نطاقٍ أصغر!

الحديث عن الحب والرومانسية يستحضر إلى أذهاننا حالةً من الارتباط الباطني غير المرئي، ومثل هكذا ارتباطات تحدث أيضًا في عالم الجسيمات دون الذرية، بفضل ظاهرةٍ غريبةٍ تسمى التشابك الكمي أو الكمومي. إنّ الفكرةَ الجوهريّةَ في التشابك الكمي هي ارتباطُ جسيمين فيما بينهما بقوةٍ حتى لو كانا منفصلَين بملايين السنيين الضوئية، وبتغيُّر مُستحث يحدث في أحدهما ويؤثر على الآخر.

يُظهر تشابك الجسيمات علاقةً متبادلةً بين خصائصهم الجوهرية، الأمر الذي لم يكن ليحدث صدفةً، فمثل تلك الخصائص تشير إلى بعض الحالات كالزخم الزاوي (Momentum)، الموضع، أو الاستقطاب. فمعرفة شيءٍ ما عن خصائص إحدى الجسيمات المتشابكة سوف يخبرنا بشيءٍ ما عن خصائص الجسيم الآخر.

قد لا يبدو الأمر غامضًا إذا تخيلت زوجًا من القفازات فُقد أحدهما، فإن أدركت أنك تمتلك القفاز الأيمن مثلًا؛ فسوف تعلم على الفور – وبدون شك – أن القفاز الأيسر مفقودٌ والعكس بالعكس؛ أي أنّ العلمَ بالأولِ يدلك على الآخر، ذات الحالة بين القفازين توجد بين الجسيمات المتشابكة كميًّا، فمعرفةُ شيءٍ ما عن أحدهما سوف يخبرك بشيءٍ هامٍ عن الآخر، وهذا هو جوهرُ التأثير الشبحي عن بعدٍ علميًّا.

أو كما نصف على سبيل المجاز الأدبي حالة الارتباط العاطفي أو الروحي بين البشر والتي تجعلهم يشعرون ببعضهم البعض عن بعدٍ، وإن كان الأدب يُبنى على الخيال فإن الفيزياء الكميّة تعتمد عليه ولا تُفهم بدونه، ولكن لا شيء في الفيزياء الكمية عشوائي، حتى تلك الخاصية في التشابك الكمي محسوبة جيدًا، وعلى الرغم من أن هذا المفهوم ليس بغريبٍ إلّا أنه أوقع ميكانيكا الكم في مشاكل سنتطرق إليها بعد قليل.

توافق التشابك الكمومي مع الواقع

تناول كل من عالمي الفيزياء نيلز بور، وفيرنر هايزنبرج دراسة حالة المادة التي يمكن رؤيتها واقعيًّا؛ حيث تخضع تلك المادة إلى القياس، الأمر الذي يعني ضرورة ملاحظتها ودراستها تجريبيًّا، وبعد ذلك، أصبح التنبّؤ بطبيعة المادة مجرد احتمالٍ بالنسبة لعلماء آخرين مثل ألبرت أينشتاين، وإرفين شرودنجر الأمر الذي بدا غير معقولٍ في الوسط العلمي آنذاك، مثل قول شرودنجر الشهير – والمعروف بقطة شرودنجر – أن القطة داخل الصندوق لا يمكن اعتبارها حيةً أو ميتةً حتى نراها.1

أخيرًا، تعاون عالما الفيزياء بوريس بودولسكي، وناثان روزين مع أينشتاين للإتيان بنظريةٍ جديدةٍ تتأثر فيها الأجسام ببعضها بطريقةٍ ما، فعند قياس أحدهما يمكننا التنبؤ بتفاصيل الآخر، من دون الحاجة إلى قياسه مباشرةً فقط بفضل التشابك الواقع بينهما.

استجابةً لهذا المأزق الذي يُعرف الآن بمفارقة أينشتاين – بودولسكي – روزين (EPR Paradox) اقترح بور أن حالة الجسيمين أصبحت وببساطةٍ واقعيةً في نفس الوقت، كما لو أنهما قد تبادلا تفاصيلًا فوريةً عبر مسافةٍ.

استبعد أينشتاين هذه الفكرة كغيرها من النظريات التي بدت غريبةً في ميكانيكا الكم قائلًا جملته الشهيرة: “الله لا يلعب بالنرد” نافيًّا الاحتمالية التي تؤول إليها النتائج معللًا ذلك بنقص المعلومات، فما إن توافرت المعلومات الكافية؛ فسوف نتمكن من الوصول إلى النتائج بصورةٍ حتميّةٍ، وبعد عقودٍ، ما زالت أفكار بور صامدةً بقوةٍ، أمّا عن الطبيعة الغريبة للتشابك الكمي فأصبحت جزءًا راكدًا في الفيزياء الحديثة.. حتى تم إثباتها تجريبيًّا وعلى نطاقٍ أكبر.2

تجارب لاختبار صحة التشابك الكمي

في عام 1964 افترض الفيزيائي جون بيل (John Bell) وجود متغيراتٍ خفيةٍ تؤثر على فهمنا لميكانيكا الكم، فيما يُعرف بنظرية المتغير الخفي، وهذه المتغيرات الخفية مسؤولةٌ عن اتصال الجسيمات المتشابكة عن بعدٍ، قد تبدو النظرية بلا معنى؛ إلّا أنها تعتبر فكرةً أساسيةً في الفيزياء الحديثة. فقد أوضح ألبرت أينشتاين – قبل بيل بأعوامٍ – أن المعلومات لا يمكن أن تسافر بسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء طبقًا للنظرية النسبية الخاصة.

وفي نصف القرن الماضي، أجرى العديد من الباحثين تجاربًا تهدف لاختبار صحة نظرية بيل، حيث قال مسؤولون بوكالة ناسا: “لكن العلماء سريعًا ما جنحوا إلى الإحباط؛ حيث أنه من العسير تصميم وإنشاء معداتٍ بنفس الحساسية والفاعلية المنشودة”. بعد ذلك، تمكنت ثلاثة فرقٍ بحثيةٍ مختلفةٍ من تأدية اختباراتٍ حقيقيةٍ لنظرية بيل وجميعهم لقوا تأييّدًا في المبادئ الأساسية، واحدة من تلك الدراسات كانت تحت إشراف كريستر شالم، وهو فيزيائيٌّ في المعهد القومي للمعايير والتكنولوجيا NIST ببولدر-كولورادو.

استخدم شالم وزملاؤه أشرطةً معدنيةً خاصةً تم تبريدها إلى درجات حرارةٍ شديدة الانخفاض مما يجعل الأشرطة فائقةَ التوصيل حيث تنعدم المقاومة الكهربية. يرتطم فوتون بالمعدن ويحوله مرةً أخرى إلى موصلٍ كهربي طبيعي في جزءٍ من الثانية، ويسطيع العلماء رؤية هذه العملية أثناء حدوثها، أتاحت هذه التقنية للباحثين ملاحظة كيف أن القياسات التي أجروها على فوتون واحد قد أثرت على الآخر في زوجٍ من الفوتونات المتشابكة كميًا، ويجب أن نشير هنا إلى أنّ النتائج التي نُشرت دعمت وبقوةٍ نظرية بيل.

قال المؤلف المشارك من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا JPL في باسادينا، كاليفورنيا: “أثبتت ورقتنا وكذلك الورقتان الأخرتان صحة نظرية بيل؛ فأي نموذجٍ للعالم يشمل تغيراتٍ خفيّةً وغامضةً لا بدّ وأن يسمح أيضا للجسيمات المتشابكة أن تؤثر على بعضها وفي وجود مسافةٍ فاصلةٍ بينهما”. هكذا أثبت ما نص عليه افتراض بيل وبدا غير مفهومٍ في البداية.

التطبيقات العملية لدراسة شالم وزملائه

أثمرت هذه الدراسة تطبيقاتٍ عمليةً مهمةً؛ حيث صرح مسؤولون من ناسا أن “كواشف الفوتونات المصنوعة من أسلاكٍ نانويةٍ متناهيةٍ في الصغر وفائقة التوصيل اختصارها SNSPDs التي استخدمها فريقٌ شالمٌ في التجربة، وتمت في المعهد القومي للمعايير والتكنولوجيا NIST ومختبر الدفع النفاث JPL يمكن استخدامها في الكتابة المشفرة والاتصالات في الفضاء السحيق”.

وقد أثبتت بعثةٌ أطلقتها وكالة ناسا لتدور حول القمر من أكتوبر/ تشرين 2013 إلى أبريل/ نيسان 2014 شيئًا من هذه الاتصالات المحتملة التي تقوم على مبادىء الدراسة فسيتم إرسال أشعةٍ ليزريةٍ تحمل بياناتٍ مشفرةً من القمر ثم استقبال البيانات الليزرية بواسطة أجهزة استقبالٍ أرضيةٍ تعتمد على كواشف الفوتونات سالفة الذكر.3

المراجع