ما نراه من حولنا من جُزئيات العالم وتفاصيله لا تستعرض في الواقع اللوحة الفنية الكاملة للكون الكبير. فهناك عالمٌ آخر يواكب كوننا الفسيح حجمًا ويُناظره جمالًا وروعةً. ما نتكلّم عنه هنا هو عالم الكمّ الرائع، ذلك العالم المُناظر لعالمنا والذي يحوي من الغرائب والعجائب ما يقف عنده العلماء عاجزين عن تفسيره وكشف حقائقه. سنستعرض في مقالنا هذا إحدى أكثر خصائص هذا العالم غرابةً، وهو ما يُعرف باسم التشابك الكمومي ( بالإنكليزية Quantum Entanglement).

فما هو التشابك الكمومي بالضبط؟ وكيف اختلف العلماء في تفسير هذه الظاهرة الكمومية الغريبة؟ وهل يمكننا توظيفها حقًا في المستقبل القريب؟ كل هذه التساؤلات سنجيب عنها في سطور هذا المقال.

تعريف التشابك الكمومي

يصف التشابك الكمومي تلك الظاهرة الفيزيائية التي تحدث لجسمين متشابكين كموميًّا حيث يبقيان على اتصالٍ مباشرٍ، متشاركين في صفاتهم الفيزيائيّة آنيًّا، بغض النظر عن المسافات الشاسعة بينهما، وهذا في الواقع يناقض ومبدأ المحليّة (والذي ينص على أن الأجسام تتأثر فقط بمحيطها المجاور لها مباشرة) ونظرية النسبية الخاصة من ألبرت أينشتاين.

ومن أجل التبسيط سنفترض أن هنالك إلكترونين متشابكين كموميًّا، هذا يعني أنه في وقتٍ سابقٍ تم صدم الإلكترونين ببعضها بحيث أدى هذا الاصطدام إلى تطوّر علاقةٍ خاصّةٍ بين هذا الزوج، نُطلق عليها مصطلح التشابك الكمومي. وذكرنا في التعريف أن الأجسام المتشابكة كموميًّا تتشارك الصفات الفيزيائية آنيًّا فيما بينها، هذا يعني أن كلًّا من جهة الدوران (العزم) والشحنة وحتى المكان، كل هذه الصفات يتم تشاركها بين الزوجين المتشابكين بشكلٍ مباشرٍ.1

وبفرض أنه وبعد التصادم أصبح اتجاه دوران الإلكترون الأول باتجهاه عقارب الساعة، هذا يعني بالضرورة أن الإلكترون الآخر يدور بعكس ذلك الاتجاه.

والمُلفت في الأمر أنّه وبمجرّد قياسنا لإحدى خصائص الإلكترون الأول واكتشاف اتجاه دوران حركته، فإن الإلكترون الآخر المُتشابك يتخذ خصائص معاكسة للأولى مباشرةً حتى لو كانت في الطرف الآخر من الكون! أي أنه قبل قياس أي جسمين متشابكين فإنهما يكونان في حالةٍ مجهولةٍ ومتذبذبةٍ، وفي مثالنا على الإلكترونات فإن كلا الإلكترونين، قبل تحديد اتجاه دورانهما بواسطة أجهزةٍ خاصّةٍ، يكونان في حالة دورانٍ مع وعكس عقارب الساعة في آنٍ معًا! هذا غريبٌ أليس كذلك؟

لكن عند تحديد جهة دوران أحد الإلكترونين فإن الإلكترون الآخر المتشابك كموميًّا يتخذ اتجاهًا معاكسًا للأول بشكلٍ آنيٍّ أينما كان ومهما كانت مسافته بعيدةً عن الإلكترون الأول، وهذا في الواقع صُلب وجوهر التشابك الكمومي. لذلك قال أينشتاين في ظاهرة التشابك الكمومي “إنها ظواهرٌ غريبةٌ تحدث بسرعاتٍ مخيفةٍ”.

يعتقد بعض العلماء أن المعلومات التي تنتقل آنيًّا عند معرفة صفة الجسيم الأول بطريقةٍ ما إلى الجسيم الآخر قد تفوق سرعة الضوء، وهذا في الواقع ما رفضه أينشتاين وجمهرةٌ من العلماء الآخرون.2

يمكننا تشبيه حالة الجسيمات المتشابكة كموميًّا إلى حدٍّ ما بزوجي القفازات، فإذا ما عثرت فرضًا في خزانة ملابسك على القفّاز الأيمن فستكون واثقًا تمامًا بأن القفّاز الآخر هو القفّاز الأيسر، أي أنّك ستتمكن من معرفة هذه المعلومة عن القفّاز الآخر بشكلٍ آنيٍّ لحظة اكتشافك لصفة القفّاز في خزانك حتى لو كان الآخر على كوكبٍ بعيدٍ!

 بالرغم من أن هذا التشبيه يُشبه في معالمه حالة الأجسام المُتشابكة كموميًّا، إلّا أن الأمر ليس بتلك البساطة في خضمّ الفيزياء الكموميّة. فما هو الجدل الذي أثارته نظرية التشابك الكمومي هذه بين أوساط الفيزيائيين؟3

الجدل القائم حول نظرية لتشابك الكمومي

يعود الجدل القائم حول هذه النظرية العجيبة إلى النصف الأول من القرن العشرين، حينما وضع كل من أينشتاين وبودولوسكي وروزين أسس هذه الظاهرة ووصفوها بأنها مخيفةٌ “Spooky”، ودُعيت منذ ذلك بمعضلة EPR نسبةً إلى كل من العلماء المذكورين. وبيّنوا بطرح هذه المعضلة أن الصيغة المتّفق عليها في المجتمع الفيزيائي للفيزياء الكموميّة قد تكون غير كاملةٍ.

وقد رفض أينشتاين فكرة وجود نقلٍ آنيٍّ للمعلومات بين الزوجين المتشاكبين بسرعةٍ تفوق سرعة الضوء، ولجأ في تفسيره لتوافق الحالة الفيزيائية بين الأجسام المتشابكة البعيدة عن بعضها بما دعاه بنظرية المعلومات المحفوظة (Hidden variables theory) والتي تنصّ على أن المعلومات الفيزيائية عن حالة كل جسيمين متشاكبين تكون محفوظةً مسبقًا لحظة انفصال الزوجين عن بعضهما.

إلا أن العالم الفيزيائي الشهير جون بيل أرسى بتجربته الفريدة عام 1964 وجهة نظره في التشابك الكمومي قائلًا بأن التغيرات التي نشهدها في الزوجين عند قياس أحدهما يمكن أن يحدث آنيًّا، حتى لو كان الزوجان بعيدين عن بعضهما ملايين السنين الضوئية! مخالفًا بذلك أينشتاين ونظريّته النسبية.4

إمكانية اختبار ظاهرة التشابك الكمومي على أرض الواقع

في القرن الماضي تم اجراء العديد من التجارب للتأكد من نظرية بيل، ولكنّ معظم التجارب كانت قاصرةً عن إعطاء نتائجَ دقيقةٍ وذلك يرجع إلى صعوبة بناء التجهيزات ذات الحساسية والأداء الكافيين.

وفي في عام 2015 تمكّنت ثلاث تجاربٍ من إرساء نتائجَ قريبةٍ جدًا من تأكيد نظرية بيل، إحدى تلك التجارب كانت بإشراف البروفيسور كريستن شالم، والذي اعتمد في تجربته على صدم فوتونين متشابكين بشريطٍ معدنيٍّ خاص عديم الناقلية تم تبريده إلى درجة التجميد، ليقوم الفوتون عند اصطدامه بها بتحويلها إلى مسارٍ ناقلٍ، هذا بدوره مكّن القائمين على التجربة من التأكد من وجود أي ارتباطٍ بين الفوتونين المتشابكين بالإضافة إلى قياس هذا التشابك بينهما.

وهذه التجربة في الواقع فتحت الباب واسعًا أمام تسخير ظاهرة التشابك الكمومي على أرض الواقع وذلك من خلال مستشعرات الأسلاك النانوية فائقة الناقليّة (Superconducting Nanowire Single Photon Detectors) والتي ابتكرها العالم شالم ومن معه، وقد صرّحت ناسا بأنه قد يكون بالإمكان تسخير ذلك الاختراع في تشفير الاتصالات الفضائية البعيدة مستقبلًا.5

المراجع