تخيل معي أن تستيقظ من النوم، تلقي النظر على هاتفك لتفقد الوقت والإشعارات، فتجد بثًا مباشرًا لأحد المؤثرين على شركة TikTok يقوم فيه بتحدي أكل المعكرونة، أو إعلانات شاشة القفل لأحد المنتجات التي بالتأكيد لن تهتم بمعرفتها عبر شاشة القفل إطلاقًا! هذا بالضبط ما تخطط له شركة Glance بالتعاون مع جوجل والتي من المقرر أن تنطلق في الولايات المتحدة خلال شهرين.

وفي الحقيقة، أنا لست مصدومًا من هذا القرار الذي يعكس فكر الشركات التقنية واهتمامها بتحقيق الربح حتى على حساب التضحية بتجربة المستخدم، بل إن فكرة إضافة إعلانات في شاشة القفل لا يمكن أن تكون سوى براءات اختراع من إبليس شخصيًا. ولكن قبل أن نتحدث بشكل موضوعي عن هذه الفكرة، وكيف نجد أنها قد تكون تهديدًا واضحًا لطريقة استخدامنا لهواتفنا الذكية، دعنا نعرض أولًا كيف سيتم تنفيذها، ومن هي شركة Glance التي تهدد راحتنا تلك!

Glance شركة متخصصة في تقديم محتوى عبر شاشات القفل

تعرف شركة Glance نفسها على أنها شركة برمجيات هندية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم محتوى مخصص لشاشات قفل الهواتف الذكية. تأسست عام 2019 وهي الآن تابعة لشركة InMobi، وهي بدورها شركة هندية متعددة الجنسيات تتيح للعلامات التجارية والمطورين والناشرين توصيل إعلاناتهم للمستخدمين عبر منصة الهواتف الذكية.

في البداية كانت فكرة Glance قائمة على خدمة المستخدم عن طريق تحويل واجهة شاشة القفل إلى منصة ترفيهية، فإذا أعدنا تخيل سيناريو استيقاظك من النوم واستخدام هاتفك، فستجد صورة جميلة لتفاحة خضراء مع جملة في الأسفل تسألك إذا كنت تعلم السبب وراء لون هذه التفاحة مع زر ينقلك إلى الإجابة. أو في موقف آخر إذا كنت تشعر بالملل في المواصلات، فيمكنك اللعب مباشرةً عبر شاشة القفل، أو متابعة الأخبار، أو معرفة معلومات حول السفر أو غير ذلك من محتوى متكامل مخصص فقط لشاشة القفل.

شاشات قفل Glance

واستطاعت الشركة الهندية صاحبة الفكرة غير الاعتيادية تلك التعاون مع العديد من صناع الهواتف الذكية مثل شاومي، سامسونج، ريلمي، فيفو، أوبو وموتورولا، مع السماح لهم بتسمية الخاصية بالشكل المناسب لهم، فإذا كنت مستخدمًا لشاومي مثلًا، فستجد أن شاشة قفل Glance تسمى بـ "Wallpaper Carousel" وفي أجهزة ريلمي بـ Lock Screen" Magazine" لن تجد ذكرًا لاسم الشركة بشكل صريح، كما أنها لحسن الحظ غير متاحة سوى في بعض الدول الآسيوية كالهند وإندونسيا، وقريبًا الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الشركة الهندية تفتخر بما تقدمه من خدمات استثنائية حتى وقت قريب، فرأيناها تسخر من آبل وتغييراتها لشاشة القفل في تحديث iOS 16 وكيف تصف الشركة الأمريكية نفسها بأنها "أعادت تخيل شاشة القفل"، وأنها -الشركة الهندية- قامت بذلك منذ عام 2019 أي في نفس سنة تأسيس الشركة.

شركة Glance

افتخرت Glance في هذه الصورة بأنها تقدم "وصولًا لا مثيل له" و "تفاعلًا حقيقيًا" وكان ذلك بداية كشف أنياب الشركة الهندية وتوضيح نيتها الحقيقية في جذب المعلنين وتحويل شاشة القفل إلى لوحة إعلانات مزعجة؛ ولكن عندما ذاع خبر انطلاقها في الولايات المتحدة الأمريكية، واجهت الشركة هجومًا كبيرًا، ما دفعها إلى تغيير هاتين العبارتين فورًا. والاكتفاء بوصف مبهم لا يوضح حقيقة المنصة ينص على "تحويل شاشات القفل إلى أسطح ذكية" وكيف ستغير رؤية الشركة وفلسفتها شاشات القفل في الولايات المتحدة الأمريكية.

خدمات شركة Glance

Glance ليست منصة إعلانات، هدفنا الأساسي هو إنشاء أفضل تجربة شاشة قفل وأكثرها أمانًا، التزامنا تجاه المستهلكين هو أنك لن تلتقط هاتفك مطلقًا لمشاهدة إعلان على شاشة القفل نفسها.

- المدونة الرسمية لموقع Glance

كانت الشركة الهندية صريحة ومباشرة في الرد على الانتقادات التي اتهمتها بأنها ستحول شاشات قفل المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية لمنصة إعلانات، كما أكدت أن الاشتراك في المنصة سيكون اختياريًا تمامًا ويمكن تعطيله في أي وقت.

المحتوى المعروض والتجارب اللامعة عبر منصة Glance لا يأتي من طرف المستهلكين وإنما يتم تنسيقها من خلال شراكات مع مطورين أو شركات إعلامية متميزة وموثوق بها. Glance هو سطح ذكي وليست منصة إعلانات. وسيتم تحقيق الدخل عبر المحتوى الذي يقرر المستخدم متابعته، على سبيل المثال، يمكن دفع رسوم اشتراك للحصول على أخبار مميزة من قبل ناشر رئيسي؛ أو يمكن شراء المنتجات من التجار عندما يظهر منتج اليوم على شاشة القفل.

- المدونة الرسمية لموقع Glance

إذًا فالشركة لا تعرف نفسها على أنها منصة إعلانات، ولكن في نفس الوقت تؤكد أن المحتوى المعروض من خلالها هو من خلال "شركات إعلامية متميزة" وأن المستخدم يمكنه الاشتراك في خدمات معينة أو شراء المنتجات. أعتقد أن هذا ليس سوى تجميل لجملة "سنضع إعلانات على هواتفكم"، ولكن هل نحن بحاجة إلى شاشة قفل تعمل كمنصة ترفيهية في المقام الأول؟

نحن لا نحتاج إلى إعلانات شاشة القفل والتي تعمل كمنصة ترفيهية!

ظهرت شاشات القفل لتكون وسيلة لحماية بياناتنا الشخصية من المتطفلين، ولا نعتقد أننا في حاجة إلى أن تكون أكثر من ذلك، خصوصاً بالنسبة لهواتف أندرويد التي أصبحت تأتي جميعها الآن بوضع الشاشة الدائمة (Always-On-Display)، مع مستشعرات بصمة مدمجة، فنحن أغلب الوقت قد لا نفتح شاشة القفل أصلًا، ونكتفي بلمس المستشعر للدخول فوراً إلى الشاشة الرئيسية، وإذا أردنا النظر إلى شاشة القفل فالسبب غالبًا ما يكون تفقد الإشعارات فقط.

نحن لا نحتاج لأكثر من شاشة قفل أنيفة تظهر الوقت والإشعارات!

فما السيناريو المنطقي الذي قد يجعلنا نرغب في الدخول إلى شاشة القفل لرؤية محتوى ترويجي لأحد الشركات؟ وكيف ستجبرنا منصة Glance على ذلك؟ هل ستتعاون مع جوجل لتبطئ عملية فتح الهواتف الذكية في تحديثات مستقبلية، ما يجبرنا على النظر إلى شاشة القفل أولًا؟ فلنأمل أن لا تكون الشركة بهذا الشر.

كذلك لا نعتقد أن هذه الإعلانات -أو المحتوى المقترح- ستكون عشوائية تمامًا وإنما غالبًا سيتم جمع بياناتك وتحويلها لتوصيات، فلن يكون فيسبوك وحده الذي يستمع إلى محادثاتك ويظهر لك إعلانات لأحذية رياضية بمجرد ذكرك للأمر لأحد أصدقائك، وإنما ستنضم إليه شاشة قفلك أيضًا، لا نعتقد أن الأمر سيكون ممتعًا على الإطلاق وسيزيد الحاجز بيننا وبين هواتفنا.

كذلك سيعترض كثير من المستخدمين على فكرة ظهور إعلانات في واجهة النظام على هواتفهم التي دفعوا أموالًا لاقتنائها، وبالتالي، فإن أبسط حقوقهم هو الحصول على واجهة نظام خالية من الإعلانات. وقد تعرضت بعض الشركات بالفعل لغضب وانتقادات عديدة عندما حاولت إضافة إعلانات داخل تطبيقات النظام، كشركة سامسونج مثلًا حين بدأت في إظهار إعلانات داخل تطبيق الطقس وتطبيق السمات ما دفعها إلى التراجع عن ذلك القرار فيما بعد.

نتمنى أن لا يتم تطبيق هذا القرار المتمثل في إضافة إعلانات إلى شاشة القفل الذي سيكون سقطة كبيرة لأنظمة أندرويد، وسببًا آخر للتوجه إلى آيفون، فتحويل شاشات القفل إلى منصات إعلانية لا يخدم سوى الشركات التي ستحقق الربح، ولا يمكننا الاقتناع أن هذا سيصب في مصلحة المستخدم مهما حاولت شركة Glance التبرير.