0

إنَّ برامج التعرف على الصوت من أفضل الأدوات التقنية التي تمَّ ابتكارها وتطويرها خلال السنوات القليلة الماضية، فقد سهلت واختصرت الكثير من أداء الأعمال الروتينية والتي كانت ستصبح متعبة ومملّة جدًا بدونها، مثل فحص المتقدّمين للوظائف في الشركات وتوثيق سجلّات الإفادات وإجراءات المحاكمات وتوثيق الملاحظات السريرية من قِبل الأطباء.

كما لها الفضل في تيسير استخدام الهواتف الذكيّة والأجهزة لفاقدي البصر والإعاقة الحركية من خلال خاصية الإرشادات والملاحظات الصوتية التي ترشد المستخدم لتنفيذ المهام على جهازه. ومع ابتكار “المساعدات الصوتية” تزامنًا مع ثورة الهواتف الذكيّة والتي انطلقت قبل أكثر من عقدين، اختصرت علينا إجراء الكثير من المهام بالكتابة على الأجهزة، فبدلًا من أن أحرّك إصبعي على شاشة هاتفي أو كيبورد حاسوبي وأدخل في تطبيق بلاي ميوزيك أو يوتيوب لتشغيل أغنية أحبها، ما عليَّ فقط القول: مرحبًا جوجل! قم بتشغيل أغنية Familiar.

وبفضل أجهزة المكبّرات الصوتية الذكيّة التي تصنعها العديد من الشركات التقنية مثل هوم بود وجوجل هوم المخصّصة للمنازل، انتقلت برامج التعرّف على الصوت إلى بُعدٍ آخر من خلال أجراس التنبيه إلى التحكّم في شدة الإضاءة وتشغيل الأغاني الهادئة عند النوم وغيرها من المهام الصوتية في المنازل، بصورةٍ مشابهة جزئيًا للمساعد الصوتي “جارفيس” الخاص بالبطل توني ستارك في سلسلة أفلام الأكشن والخيال العلمي الشهير آيرون مان. وتشير التوقّعات إلى أنَّ تجارة الصوت ستبلغ حوالي 80 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2023.

لكن للأسف! على الرغم من المزايا غير المحدودة التي تقدّمها برامج التعرّف على الصوت في تسهيل طريقة عيشنا للحياة، فإنّها لا تخلو من السلبيات أيضًا. أبرزها ظاهرة التحيّز في برامج التعرّف على الصوت بمختلف المساعدات الصوتية والتي تعمل ضد الأقلّيات وأصحاب ذوي البشرة السمراء ونوع الجنس بين ذكور وإناث.

اقرأ أيضاً: مساعدات ذكية ودرون منزلي وخدمة ألعاب سحابية.. تعرّف على أجهزة أمازون الجديدة

التحيّز في برامج التعرّف على الصوت

التعرف على الصوت

مع نمو هذه التقنية خلال العقد الماضي، ظهرت مشاكل التحيّز العنصري في سيري وجوجل أسيستانت وأليكسا وكورتانا وغيرها من برامج التعرف على الصوت. حيث وجدت دراسة علمية نُشرت في الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) العام الماضي أنَّ برامج التعرف على الصوت متحيّزة بصورة مباشرة ضد أصحاب ذوي البشرة السمراء، كما أكتشف الباحثون أيضًا أنَّ هذه البرامج المقدّمة من الشركات التقنية الرائدة جميعها متورّطة بهذه المشكلة، حيث أظهرت تباينات عرقية متفاوتة جدًا عند المستخدمين، مما أدى إلى فرض رقابة على الأصوات التي ليست من اللغات أو اللهجات القياسية المستخدمة في إنشاء وتطوير هذه البرامج.

نوع الجنس لم يسلم من التحيّز الصوتي

التعرف على الصوت

اعترفت العديد من شركات السيارات أنَّ برامج التعرّف على الصوت في مركباتها لا تعمل بصورة جيّدة مع النساء، وقد كان المقترح الموصى به هو أن تقوم النساء بالتدريب المكثّف والتحدث بصوتٍ عالٍ بالقرب من الميكرفون، وهو ما لا ينطبق على أقرانهن من الذكور. ونفس الأمر يجب فعله مع الأقليات والأشخاص الذين يتحدثون لهجات غير قياسية!

أشارت ورقة بحثية أيضًا من عضو قسم اللغويّات بجامعة واشنطن الدكتور راشيل تاتمان تمَّ نشرها في جمعية اللغويّات الحاسوبية فرع أمريكا الشمالية (NAACL) إلى أنَّ التعرّف على الكلام بواسطة مساعد جوجل الصوتي أكثر دقةً بنسبة 13% للرجال مقارنةً بالنساء. ويعتبر جوجل من بين أعلى البرامج أداءً في دقة التعرّف على الكلام.

برامج التعرف على الصوت لا تعترف بشهادة إتقانك للغة

التعرف على الصوت

إنَّ التحيّزات في برامج التعرّف على الصوت لها نتائج قاسية في الحياة العملية، فعلى سبيل المثال فشلت امرأة ايرلندية قبل ثلاث سنوات في اختبار إجادة اللغة الإنجليزية المنطوقة خلال محاولتها الهجرة إلى أستراليا. وعلى الرغم من مستواها العالي في إجادة الإنجليزية، حصلت على تقييم 74 من أصل 90 على طلاقة الحديث. إنَّ هذه الفوارق غير المنطقية تحدث بسبب محدودية هذه البرامج في تحليل البيانات، اعتمادًا على تعلّمها الموجه ضد الأقليات وأصحاب ذوي البشرة السمراء.

وحتى مع إتاحة اللغة العربية في العديد من برامج التعرّف على الصوت بالأعوام الأخيرة، لا زلنا نعاني من استخدام هذه البرامج بحياتنا اليومية. فلهجتي العربية السودانية ليست مثل المصرية أو السورية أو السعودية، ناهيك عن كمية اللهجات المتنوّعة جدًا في حال استخدام اللغة الإنجليزية، لذلك نضطر أن نحاكي أو نقلّد اللهجة القياسية المستخدمة في البرنامج، وهو ما يتنافى مع هويّتنا وموروثنا الثقافي في اللغة.

أسباب التحيّز الصوتي

إنَّ ظاهرة التحيّز الصوتي لها مردود سلبي كبير جدًا على الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من فقد البصر أو إعاقة الحركة، حيث يعتمدون بشدّة على استخدام هذه البرامج لتسهيل حياتهم اليومية والتواصل مع أصدقائهم وأقاربهم. بالطبع المسؤولية الكبرى في ظهور هذه الثغرات العنصرية تقع على عاتق الشركات المطوّرة لبرامجها الصوتية، حيث أنَّ البيانات المستخدمة في تدريب وتطوير هذه البرامج في الغالب يكون من البيض أو المتحدّثين الأصليين للغة الإنجليزية الأمريكية.

وبسبب استخدام قواعد البيانات الضيّقة في الكلمات والمصطلحات وكيفية قولها، تستبعد أنظمة التدريب بهذه الشركات اللهجات الأخرى ما لم تضمّن في قواعدها. وحتى الذين يقومون بتطوير هذه البرامج لديهم تحيّزات في اللغة ونوع اللهجة. كما أظهرت الأبحاث أنَّ وجود اللهجة يؤثّر على معرفة المحلّفين حول ما إذا كان الأشخاص مذنبين، أو مدى عثور المرضى على أطباء مؤهلين من خلال البحث في الإنترنت.

اقرأ أيضاً: مايكروسوفت تعيد النظر في أخلاقيات منتجات الذكاء الاصطناعي

كيفية التقليل من ظاهرة التحيّز الصوتي

التعرف على الصوت

التعرّف على هذه التحيّزات في المقام الأول يعتبر خطوة مهمة لتجنّب الوقوع بها في هذه البرامج، على الرغم من أنَّ تطوير تقنيات صوتية أكثر شمولًا وعدالةً أمرٌ بعيد المنال حاليًا، حيث يستغرق الكثير من الوقت والمال والجهد وغالبًا ما يكون تمويل مثل هذه القرارات مدفوعًا باتجاه السوق.

وقد صرّحت الأستاذة المشاركة في دراسات المعلومات بجامعة كاليفورنيا الأمريكية صوفيا نوبل بصعوبة هذا الأمر قائلةً:

اللغة سياقية، لكن هذا لا يعني أنّه لا ينبغي على الشركات أن تسعى جاهدةً للتقليل من التحيّزات والتفاوتات العرقية في برامجها.

حيث يحتاجون إلى مساعدة علماء الاجتماع واللسانيات لفهم كل الخبايا المتعلّقة بكيفية عمل اللغة.

أما من الناحية التقنية فإنَّ تقديم بيانات تدريب أكثر تنوّعًا في الأصوات واللهجات يمكن أن يقلّل من ثغرات التحيّز الصوتي، ويجب على الشركات التقنية أيضًا اختبار منتجاتها على نطاق واسع بين مختلف الأعراق والأقلّيات، والتنوّع بموظّفيها الذي يقومون بتطوير هذه البرامج، وبذلك يتمكّن الأشخاص من خلفيات ووجهات نظر مختلفة من التأثير بصورة مباشرة على تطوير برامج التعرّف على الصوت وتقليل التحيّز فيه بنسبة كبيرة.

لكن إلى حين ذلك الوقت سيستمر الصراع بين تفضيل هوية اللغة أو التكيّف مع لهجات اللغات المستخدمة في هذه البرامج.

هل واجهتك مشاكل أو صعوبات في البحث عزيزي القارئ عند استخدام المساعدات الصوتية، سواء باللغة الإنجليزية أو العربية على هاتفك أو حاسوبك؟

0

شاركنا رأيك حول "برامج التعرف على الصوت: الجانب المظلم في التحيّز ضد الأقلّيات والجنس"