قوائم أراجيك

البشر يستهلكون كميات هائلة من الطاقة أيضاً… الأمر لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

سام ألتمان ينفي الادعاءات حول استهلاك ChatGPT لكميات كبيرة من المياه.

ألتمان يعترف بقلق استهلاك الكهرباء، خاصة مع التوسع في الذكاء الاصطناعي.

يشبّه ألتمان تدريب الذكاء الاصطناعي بتدريب البشر، مشيرًا إلى ضرورة تقييم الكفاءة الطاقية.

الهند تشهد نموًا سريعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يزيد الضغط على البنية التحتية.

نقاش البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي يتطلب الشفافية وتقييم الكفاءة في استهلاك الموارد.

حين نكتب سؤالًا قصيرًا في روبوت محادثة، نادرًا ما نفكر بما يحدث خلف الشاشة. خوادم تعمل، مراكز بيانات تستهلك الكهرباء، وأنظمة تبريد تضمن استمرار الخدمة. لكن هذا الجانب الخفي من الذكاء الاصطناعي عاد إلى الواجهة بعد تصريحات سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، الذي حاول إعادة ضبط النقاش حول استهلاك الطاقة والمياه في تقنيات الذكاء الاصطناعي.


المياه بين الحقيقة والمبالغة

في فعالية استضافتها صحيفة The Indian Express بالتزامن مع قمة للذكاء الاصطناعي في الهند، وصف ألتمان المخاوف المتداولة بشأن استهلاك ChatGPT لكميات كبيرة من المياه بأنها “غير صحيحة تمامًا”. وأشار إلى أن هذا الجدل يعود إلى فترات سابقة كانت بعض مراكز البيانات تستخدم أنظمة تبريد تعتمد على التبخير، وهو ما لم يعد شائعًا بالطريقة ذاتها اليوم.

تقديرات متداولة على الإنترنت تزعم أن كل استعلام يستهلك نحو 17 غالونًا من المياه. ألتمان نفى هذه الأرقام بشكل قاطع، معتبرًا أنها لا تستند إلى واقع تقني دقيق. المشكلة أن شركات التكنولوجيا غير مُلزمة قانونيًا بالكشف التفصيلي عن استهلاك المياه، ما يترك المجال مفتوحًا أمام تقديرات بحثية مستقلة قد تختلف في منهجيتها ونتائجها.


الطاقة… السؤال الأكثر تعقيدًا

إذا كانت المياه محور جدل، فإن الطاقة تمثل التحدي الأكبر. ألتمان أقرّ بأن القلق بشأن استهلاك الكهرباء مشروع، لا سيما مع التوسع الهائل في استخدام النماذج اللغوية الكبيرة والبنية التحتية للحوسبة السحابية. لكنه فرّق بين استهلاك الطاقة لكل استعلام منفرد، وبين الاستهلاك الإجمالي العالمي الناتج عن انتشار الذكاء الاصطناعي.

مراكز البيانات الحديثة، التي تعتمد على معالجات متخصصة ووحدات معالجة الرسوميات، تحتاج قدرة كهربائية هائلة. وقد ربطت تقارير حديثة بين توسع هذه المرافق وارتفاع أسعار الكهرباء في بعض المناطق. هنا يتحول النقاش من رقم مرتبط بطلب واحد، إلى سؤال أوسع حول سياسات الطاقة والتحول نحو مصادر متجددة كالشمس والرياح، أو حتى الطاقة النووية.


مقارنة البشر بالآلات

أحد أكثر أجزاء حديث ألتمان إثارة للاهتمام كان تشبيه تدريب نموذج ذكاء اصطناعي بتدريب إنسان. فقد أشار إلى أن “تدريب الإنسان” يستغرق نحو عشرين عامًا من التعليم والتغذية والبنية التحتية المجتمعية، ناهيك عن تراكم المعرفة البشرية عبر التاريخ. في رأيه، المقارنة العادلة لا تكون بين تكلفة تدريب نموذج وتكلفة تنفيذ مهمة بشرية واحدة، بل بين استهلاك الطاقة لإجابة سؤال بعد اكتمال التدريب، سواء لدى إنسان أو نموذج.


يتطلب تدريب الإنسان عقودًا من الموارد والمعرفة التراكمية قبل أن يصبح قادرًا على إنتاج قيمة معرفية.

هذا الطرح يغيّر زاوية النظر. فبدل تقييم الذكاء الاصطناعي كعبء طاقي مطلق، يقترح قياس الكفاءة الطاقية لكل “إجابة” بعد اكتمال التدريب. وهي مقارنة لا تزال بحاجة إلى دراسات محايدة ومنهجية واضحة.


الهند كساحة اختبار للجدل

تأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه الهند إحدى أكبر ساحات نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع مئات الملايين من المستخدمين أسبوعيًا بحسب بيانات OpenAI. هذا التوسع السريع يعني ضغطًا على البنية التحتية، ويجعل قضايا الاستدامة البيئية أكثر إلحاحًا في الأسواق الناشئة.

في ظل غياب معايير إفصاح موحدة، تبدو الحكومات والباحثون أمام مهمة معقدة: موازنة طموح الابتكار التقني مع أهداف خفض الانبعاثات والحفاظ على الموارد. النقاش لم يعد تقنيًا بحتًا، بل أصبح اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا.


بين الشفافية والمستقبل

ذو صلة

تصريحات ألتمان لا تغلق الملف، بل تعيد توجيهه. فالذكاء الاصطناعي، بجميع تطبيقاته من المحادثة إلى التحليل والتوليد، سيستمر في استهلاك قدر متزايد من الطاقة. السؤال الحقيقي ليس إن كان يستهلك، بل كيف، وبأي كفاءة، وتحت أي نموذج طاقة.

ومع تسارع الاعتماد على الحوسبة المتقدمة والنماذج الضخمة، سيصبح قياس البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من تقييمه. ربما سنصل إلى لحظة يصبح فيها معيار “الكفاءة الطاقية لكل استعلام” رقمًا يُذكر جنبًا إلى جنب مع عدد المعلمات وسرعة الاستجابة. عندها لن يكون النقاش دفاعًا أو هجومًا، بل حسابًا علميًا واضحًا لما يكلّفه هذا الذكاء من موارد، وما يمنحه في المقابل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة