الذكاء الاصطناعي يغيّر ملامح الحروب: جيوش العالم أمام قرارات مصيرية
3 د
في ساحة العمليات العسكرية، التحول نحو أنظمة تسليح تعتمد على الذكاء الاصطناعي يثير جدلاً.
تطوير الاستقلالية في الأنظمة القتالية يعزز السرعة ولكن يثير مخاوف أخلاقية.
المعركة في أوكرانيا تبرز تحسين الأنظمة لتقديم قرارات مستقلة في ظل التشويش.
الذكاء الاصطناعي يُستخدم كسلاح غير مباشر، مما يحوّل العمل السيبراني لحملات هجومية.
الاتجاه نحو أسلحة الذكاء الاصطناعي يؤكد الحاجة إلى التوازن بين السرعة والاعتبارات الأخلاقية.
في غرف العمليات العسكرية، لا يكون التردد رفاهية. جزء من الثانية قد يفصل بين قرار يُنقذ حياة وآخر يُشعل نزاعاً أوسع. اليوم، لم يعد السؤال متعلقاً بسرعة البشر فقط، بل بسرعة الخوارزميات أيضاً. تقارير حديثة تشير إلى أن جيوشاً غربية، بينها المملكة المتحدة، تدرس تخفيف شرط “الإنسان في الحلقة” عند اختيار الأهداف، ما يفتح الباب أمام أنظمة تسليح ذاتية القيادة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرار إطلاق النار.
من “الإنسان في الحلقة” إلى “الآلة في الميدان”
لطالما كان وجود مشغل بشري يوافق على استهداف أي هدف جزءاً من العقيدة العسكرية الغربية، باعتباره صمام أمان أخلاقي وقانوني. لكن مع تطور أنظمة الاستشعار، والتعلم الآلي، ومعالجة الصور، باتت الطائرات المسيّرة والأنظمة القتالية قادرة على تحديد الأهداف وتصنيفها في بيئات شديدة التعقيد وضمن أجزاء من الثانية.
مسؤولون بريطانيون لمحوا إلى أن خصومهم “لن يهتموا بوجود إنسان في الحلقة”، في إشارة إلى مخاوف من أن الالتزام الصارم بالرقابة البشرية قد يضعهم في موقع أبطأ عملياتياً. هنا يظهر التوتر التقليدي بين الاعتبارات الأخلاقية وضرورات التفوق الاستراتيجي.
حرب أوكرانيا كمختبر واقعي
ساحة المعركة في أوكرانيا كشفت جانباً عملياً لهذه المعضلة. أنظمة التشويش الروسية عطلت في حالات عديدة الاتصال المباشر بين المشغل والطائرة المسيّرة، ما دفع المطورين إلى تعزيز قدرات الاستقلالية، بحيث تتمكن الطائرة من إكمال مهمتها أو اختيار هدفها عند انقطاع التواصل.
هذا التحول ليس مجرد تحسين تقني، بل إعادة تعريف لسلسلة القيادة والسيطرة. عندما تنتقل وظيفة اتخاذ القرار إلى خوارزمية تعتمد على رؤية حاسوبية ونماذج تنبؤية، تتغير معايير المساءلة، ويتبدل فهمنا لماهية “القرار العسكري”.
- تقليص زمن الاستجابة من دقائق إلى ثوانٍ.
- رفع كفاءة العمل في بيئات مشوشة إلكترونياً.
- توسيع نطاق العمليات دون زيادة عدد الأفراد.
الذكاء الاصطناعي كسلاح غير مباشر
المسألة لا تتعلق فقط بالأسلحة ذاتية الإطلاق. تقارير أفادت بأن عمليات إلكترونية إيرانية استفادت من نماذج ذكاء اصطناعي أميركية لتعزيز قدراتها في الهجمات السيبرانية. هذا يسلط الضوء على بعد آخر: النماذج اللغوية وأنظمة التحليل ليست محايدة بالكامل عندما تُستخدم في ساحات صراع.
الذكاء الاصطناعي هنا يصبح بنية تحتية مزدوجة الاستخدام. النموذج ذاته الذي يساعد شركة على أتمتة خدمة العملاء يمكن أن يُستخدم لتوليد شيفرات خبيثة أو تحسين حملات تضليل. الفارق ليس في التقنية بل في السياق والنية.
بين الردع والانزلاق غير المقصود
الولايات المتحدة تناقش بدورها توسيع استخدام الأسلحة الموجهة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مع تأكيد بعض القيادات العسكرية على ضرورة الحذر وضمان أن “العنف يُمارس حيث نريده فقط”. لكن هذا الطمأنة تكشف التحدي الأكبر: هل يمكن ضمان ذلك فعلاً في أنظمة تعتمد على بيانات تدريب واحتمالات رياضية؟
الأنظمة الذاتية قد تعزز الردع عبر إظهار سرعة وقوة رد الفعل، لكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالات التصعيد غير المقصود. خطأ في تصنيف صورة، أو تحيز في بيانات، أو تفسير خاطئ لنمط حركة قد يتحول من خلل برمجي إلى حادث ميداني.
كلما اقترب القرار القتالي من الخوارزمية، ابتعد جزء من المسؤولية عن الإنسان، حتى لو بقي اسمه في الوثائق الرسمية.
المعضلة الأخلاقية تتحول إلى سباق تقني
ما يحدث ليس نقاشاً أكاديمياً حول أخلاقيات الروبوتات، بل سباق تسلح قائم على البرمجيات، والحوسبة المتقدمة، والاستقلالية التشغيلية. السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في الحرب؟ بل: إلى أي مدى نسمح له بالتحكم؟
في هذا السياق، تتحول مفاهيم مثل المساءلة، وقواعد الاشتباك، والقانون الدولي الإنساني إلى عناصر يجب إعادة ترجمتها بلغة الخوارزميات. فالحدود لم تعد جغرافية فقط، بل باتت أيضاً حدوداً بين سطر برمجي وآخر.
ربما لن تختفي “الإنسانية” من ساحة القرار العسكري قريباً، لكن الواضح أن دورها يتغير. وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على التفوق في الذكاء الاصطناعي، قد يصبح أبطأ زر ضغط على الإطلاق هو ذاك الذي يُصرّ على انتظار الإنسان.
عبَّر عن رأيك
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.
LEAP26








